المقامة اللامية
أحمد العبدالله


غلاف الطبعة الاولى إربد الأردن

الروضة الكربلائية ضريح الامام الحسين بن علي 1990

 





الم: هو ذا اسمي. لكنه، للدقة، اسم جدنا الأول. كان كوفياً ارتاع للأوضاع التي صاحبت واقعة صفين. كان كفيف البصر في تلك الأيام، بيد أنه كان يتمكن من امتطاء دابته من دون مساعدة. وهكذا، فإنه بعد أن أدى الفجر، وكان الصباح ربيعياً في ذلك اليوم، امتطى فرسه، وأمر زوجته وأبناءه وأبناء عمومته وبقية أهله وخلصائه أن يغادروا الكوفة في الحال.

كان صفوة آل »الم« يكابدون مرارة وقسوة في تلك الأيام، فاستحسنوا أمر كبيرهم وارتحلوا باتجاه الجنوب وكان معهم كلبهم الذي رفض اتباع القافلة وحرد في مكانه. غير أن الحيوان عندما شاهد »الم ))يقتلع عمامته السوداء من فوق رأسه الحليق وسمعه يقول: »يا ربّ صفين.. يا رب صفيّ صفين.. يا رب المؤمنين والزنادقة والكفرة.. يا رب الجماد والنبات.. يا رب كل من هبّ ودبّ.. يا الاسم الواحد بعد المائة.. يا الانسان.. انزلني منزل صدق)) تبع القافلة يترامح قدامها تارة، ويتباطأ تارة أخرى، حتى إذا ما وصل الركب إلى الموقع الذي تهجع فيه مدينة العمارة حالياً، وكان ذلك في منتصف شعبان والقمر بدراً يتوسط السماء ولم يكن ثمة ظل لجدنا الكبير، كانت جدتنا تقرفص خلفه وإلى يمينها وقف أحمد العبدالله وبسط الكلب ذراعيه إلى يسار الجدة وكان الليل مثل كهف ولم يكن جدنا الآن يصلي سلّم على الرحمانيين في اليمين واليسار وقال شيئاً ما لنفسه بصوت خافت لم يكن واضحاً بما فيه الكفاية ليسمع بوضوح لكن والدنا كان يرتعد من نسمة برد مفاجئة وقد نهض الكلب مسرعاً ونصب أذنيه إلى الأعلى وأطلقت الجدة صيحة مكتومة وخلف جدنا وجدتنا والكلب كان أهلنا وأبناء عمومتنا ينظرون مشدوهين إلى حيث أشار جدنا نحو السماء بغتة »كانت هناك أشباح وعوارض وأشياء تشبه البيوت أخذت تخرّ علينا من أعلى نقطة في السماء ثم توقف المشهد عند مرمى أبصارنا. رأينا المدينة التي كان يتحدث عنها جدنا في لياليه لنفسه: مدينة مدورة تحيط بها بيداء رملية، عدة بيوت مبنية بالآجر المطبوخ كما لو أنها استلت من جهنم تواً، وفي وسطها يتعالى بناء بهيّ تشعُّ منه أنوار خاطفة بيض وصفر وزرق وأرجوانية، يشبه مكعباً كبيراً تعلوه أربع منائر وقبة من مرمر كسيت بقشرة خفيفة من الذهب. كان للبناية البهية أربعة أبواب. الأبواب مفتوحة وجدنا يومئ إلى الباب المواجه لمكة ويقول: أنظروا، هؤلاء هم أهلنا. وكما لو أن كلماته تحولت إلى أشكال آدمية، شاهدنا رجلاً بعمامة سوداء وعباءة سوداء يغادر الباب حافي القدمين بدشداشة بيضاء، كان ربع القامة، يلفّ على رقبته حبلاً أسود متسخاً ويتقدم نحونا. كان وجهه الآن مزرقاً بعد أن قتل مخنوقاً في هذه اللحظة، كانت عروق رقبته وجبهته نافرة، وتبرق عيناه المفتوحتان رغم انطفاء الجسد. كان يتحدث لجدنا بعينيه كما لو أنه كان يشير إلى الخلف. وعند ذلك رأينا رجلاً في الخامسة والأربعين من عمره يدخل جسد الرجل المخنوق ويصير هو جسده تماماً. قال جدنا بصوت مسموع: هو ذا القاتل. كان يرتدي ملابس خضراً بعلامات ذهبية فوق كتفيه. رجل ليس طويلاً ولم يكن قصيراً. كان ينظر إلى جدنا في شبه ابتسامة فبرزت أسنانه البيضاء اللامعة تحت شاربين غير طويلين يغطيان شفته العليا إلا قليلاً، أما شفته السفلى فكانت تنحرف إلى اليمين قليلاً كأنما تهدد بالسقوط على ذقنه الحليقة شبه المدببة. كان مشهداً لا يستدعي المتعة لكنه يشدّ الأبصار، ففي تلك اللحظة انفصل الجسدان كان الرجل ذو الملابس شبه الخضراء يشدّ الحبل بعنف حول عنق الرجل الملفع بالسواد سقطت عمامة الرجل بسرعة إلى الأرض فتلقفها جدّنا، وقال: احتفظوا بها وكان الرجل المخنوق غير مكترث ويقول للآخر. أتخنقني بعمامة جدي يا هذا؟ وكلما كان الرجل ذو الملابس شبه الخضراء يشدّ بعنف على رقبة الرجل الحاسر الرأس، كان عشرات الرجال يخرجون من البوابة المواجهة للقبلة شبه عراة مقيدين بالسلاسل إلى أعمدة وجذوع نخل وأغصان أشجار جرداء ومسفدين بسفود حديدية. قال جدنا: هؤلاء هم أهلنا. وأشار بيده إلى قبة السماء حيث انتشرت مئات الأجساد العارية دون انتظام يحملون بأيديهم وأسنانهم فؤوساً وعصياً وأسلحة حديدية مفتوحة من نهاياتها الأمامية وتطلق نيراناً. قال جدنا: هؤلاء هم أهلنا. وكان الرجل ذو الملابس شبه الخضراء يجابه هذا الحشد المتسع والغريب من الأجساد نصف العارية، حيث يقف الرجل المخنوق في مركز غير بارز يمسّد الحبل وهو يطلق نداء مزلزلاً نحو خانقه: الآن حان دورك. وكانت القبة الزرقاء الذهبية تعلو الآن شاهقة في الأفق مثل هودج تماماً، وثمة صراخ واستغاثات والرجل المخنوق يتحدث: يا أبنائي هذه هي نهاية الجنرال. وكان جدي لا يزال يرفع يده اليمنى ويحركها نحو اليمين واليسار ويردد بصوت غير منفعل: هؤلاء هم أهلنا. وفي تلك اللحظات كان من المستحيل على جدتنا أن تفرق بين السماء وحشود البشر، وكان الكلب قد نصب أذنيه إلى الأعلى وفتح فمه وأطلق أصواتاً تشبه ضحكاً. كان مشهداً فريداً لكلب في أوج فرحه وكان جدّنا لايني يتابع: سيقوم أهلنا وستمتد الأجساد نصف العارية ما بين مكة والكوفة.. ويبدأ الطوفان. وأخذ الطوفان البشري يتحلل في السماء الشعبانية الصافية شيئاً فشيئاً وجدّنا يقول: »ويل للمطففين«. »ويل لقتلة أبناء الله«، ثم قام إلى فرسه فامتطاها وانحرف نحو اليسار فسارت خلفه قافلته الصغيرة وظل يمشي نهاره وليله حتى اعترضهم نهر صغير وعندئذ حرنت الفرس في مكانها وهتف (الم) من فوقها: آن لنا أن نترجل.

في تلك الليلة، عندما أديرت فناجين القهوة بين الرجل وأبنائه وأبناء عمومته وأهله وخلصائه، وقبل ذلك، كعادتهم، كانوا قد تناولوا العشاء على مائدة واحدة وقسم الزاد بالتساوي والعدل بينهم، قال: »الم« بصوت مسموع: الليلة حلت رحلة الطمأنينة.

كان قد اعتكف لوقت قصير بعيداً عنا، في الظلمة الزرقاء، خلف أكمة غيبته عنّا تماماً. ولم يتبعه أحد سوى الكلب الذي وقف فوق الأكمة - حيث ارتفعت راية جدنا الحمراء - رافعاً ذيله إلى الأعلى وناصباً أذنيه والجدة تقرفصت على مقربة من الأكمة، وكنا نراها مثل كومة سوداء.

قالت الجدة بعد أن عادت إلينا ولم يعد معها الكلب: إنه يتحدث مع ربه وفي مثل هذه الحالات لم نكن نتحدث كثيراً، وحتى الجدة التي لازمته على امتداد عمره غير المعروف لنا بدقة لم يكن بمقدورها أن تتفوّه بأي شيء. كانت لا تقول أي شيء بعد حالات الاعتكاف على قلتها، وفي اليوم التالي لا تتذوق الطعام وتنصرف في سكينة كاملة إلى إعداد مجلس الجد لليوم التالي، حيث يظهر على أهله بهيئته الكاملة ويسلّم على الجميع بصوت خفيض ثم يتحدث إليهم بعد أن يأخذ مكانه بعيداً عنهم قليلاً، وقبل ذلك كانوا قد تشكلوا في قوس يشبه دائرة غير مكتملة.

قالت الجدة: سيأتي بعد قليل.

وجاء بعد لحظات قصيرة معتماً عمامة خضراء، متجلبباً بدشداشة بيضاء مزررة عند الرقبة، واحتذى حذاءً خفيفاً من جلد أسود، وهو يمسك قراطيس مغلفة بقماش سميك في يده اليمنى.

قال: هذا دستورنا. وأشار إلى القراطيس. ولم نعرف شيئاً ما عن تلك القراطيس. ثم قال: »يا أولادي هذه هي إرادة الله، سنسكن هنا، وستمر علينا سنون من الطمأنينة والهدوء، ثم يبلونا الله بسنوات من الجدب والقحط والقتال وشيء من الخوف وقلة في الأولاد والأنصار، وعليكم أن تعرفوا أن هذه هي سنة الحياة، وأن الخوف والطمأنينة، القحط والوفرة، الحرب والسلم، الجمود والحركة، هي قانون هذه الحياة«.

وأرسل بصره إلينا واحداً بعد الآخر، وكان يتوقف حيناً عند أحد أهله ليتابع: »إذا كان الله قد وهبنا الحياة فلأنها جديرة بنا، نحن صورته في هذه الأرض، علينا أن نفهم هذا جيداً. وهناك من يريد تخريب صورة الله في الأرض. يوجد من يلاحقنا في الأرض بعد أن لاحق أبانا الأول ونال منه. وهذا هو جوهر صراعنا في الأرض. لا بد أن ننتصر لله في الأرض، وسيتضمن هذا تعويد أنفسنا على التعب والمشقة. لكن هذا الصراع يحمل معه القتل - استغفر الله- إنهم هؤلاء المعادون لله سيقتلون منا الكثير، وسوف يلصقون بنا أقذر الاتهامات، وإني الآن لأرى الزمن لحظة بلحظة، وساعة بساعة، ويوماً بيوم، وشهراً بشهر، وسنة بعد أخرى، بل إني أعرف الآن أسماء كل القتلى، السجون ومدن الإنصاف. وكل ما أقوله هو أن تتعلموا حرفة القتال، إذ سيأتي يوم لا بد أن تقاتلوا فيه صورة الرجل الذي يريد تخريب صورة الله في الأرض«.

كان الحاضرون قد عرفوا أن الرجل لن يبقى بينهم سوى وقت قليل، فأخذوا يتبادلون النظرات، ولم يجرؤ أحد منهم على الاستفهام. كان كل واحد منهم يعرف في دخيلة نفسه أن الجد الأكبر لا بد أن يموت يوماً ما. وكانت الجدة أكثرهم معرفة بهذه الحقيقة، فعندما كان »الم« في معتكفه خلف الأكمة، سمعته يقول كلاماً لم تسمعه من قبل، كان يقول مرتعداً: »إذا كان هذا مصير شعبي فإني ألقي بهم إليك. أي سيدي وربي: إن ما تطلبه هو ما تطلبه لكنه سيكون ثقيلاً على هؤلاء الطينيين الذين لم يتعرفوا إليك بشكل كافٍ، وحتى إن تعرّف إليك بعضهم - وهؤلاء قلة من القلة - فإنهم سيبدون في عيون وقلوب الآخرين مثل نياق خارج القافلة«.

قالت الجدة وسط صمت الجميع: »يا أبا عبدالله هذا يوم من أيام الله. إنك ستعرج إلى ربك وستخلف وراءك شعباً مضيّعاً ومنقسماً لا يعرف خيره من شره«.

قال الجد: »ليسمع أبنائي اليوم، وأحفادي غداً، وشعبي في تاليات الأيام.. إني أرى طائر الموت يدور هذه الليلة فوق رؤوسنا جميعاً. وإذا أراد الله فسوف يختارني بعد قليل، تلك هي مشيئته وهذه هي فرصتي. لن أقول شيئاً آخر بعد، ولكن ليعلم الجميع أن هذا هو قدرهم ولن يفلتوا منه ولكنه نعمتهم التي لا تضاهى إذا فهموا قانون هذا الصراع: الحياة والموت. وبعد الموت سيكون البعث، وسينصب الله محكمة عادلة لأولئك الذين لم يصونوا صورته في الأرض. وأومأ بسبابة كفه اليمنى في إشارة خفيفة.

نظرت الجدة إلى الجميع بسرعة فأخذوا يغادرون المكان مسرعين ولكن بهدوء، بينما بقيت الجدة قرب الجد الذي رجع بظهره إلى الخلف قليلاً قليلاً حتى استلقى على ظهره وقال بصوتٍ واهن سمعته الجدة فقط: »دثريني ببردة أخي، وابرئي ذمتي فلقد دنت ساعة لقيا الحبيب. الله أكبر باسمه حييت، وباسمه عشت، وباسمه سأبعث.. الله أكبر«.

خلعت الجدة بردتها وغطت بها وجه الجد الكبير، وجاء الكلب راكضاً حتى وصل مكان هجعة الجد الأخيرة ووقف على رجليه وأطلق صوتاً مهتاجاً ثم خرّ على الأرض وبسط يديه على امتداد الأرض وتوسدهما كما لو كان يصلّي.

وقفت الجدة خارج الخباء وصاحت بأعلى صوتها: »يا آل الم.. قضى صاحبكم«.

قال أحد الحاضرين: سنبني له مرقداً في الجانب الغربي من النهر، قال آخر: سنسمي مكاننا هذا ديرة »الم«. وفي تلك الليلة انشغل المرتحلون السابقون بحفر اللحد وبدق أوتاد بيوت الشعر بينما كانت سالمة تعد الراية الحمراء التي ما تزال حتى يومنا هذا ترفرف فوق القبة الذهبية لضريح جدنا.

إبراهيم


».. وكثيراً ما تهيأ لي يا إبراهيم، أن سالمة لا تحبني، أو أنها تتطابق مع أفكاري وتتقاطع معها، وتنجذب إلى قطب آخر لا أعتقد بوجوده: الروح أيحدث هذا لأنها مزيج من أرومتنا وسلالة »ملكة« أم أنها إعادة تركيب لهاتين الأرومتين؟« وكما تعلم فإنني لا أجيد تقليد أفكار أبي، لكنني لا أشك مطلقاً في أن المادة هي أصل كل الأشياء، وحتى هذه الخدعة الصغيرة التي نتوهمها: الروح«.

»إن أبي يظل هو الماضي، وأتعشم أنني المستقبل. ويبدو لي أن سالمة لغاية يومي هذا تحملني وتحمل أبي وتحملك. والصعوبة الوحيدة التي ألقاها حين أعيد فحص سالمة مع عقلي هي أنها تكون قطب الماضي ذاته حين تحدثني عن المستقبل، وتتجذر في عالم العقل حين تكلمني عن الروح. وتبدو أكثرنا عقلاً حين تتحدث عن الحرية والقتل والصراع.

والحقيقي هو أن المسافة التي كانت بينها وبيني قد اتسعت الآن. ماذا تسمي سالمة؟ إنك تحبها، وسيكون من العار على أي إنسان يلقاها ولم يقع في أسرها، فكيف بنا نحن الذين نعرفها؟ وأفتكر أنك ستقول لي: سالمة اغتمار الحياة. وسأقول لك في الحال: سالمة هي الخصوصية الوطنية لكل تاريخ عائلة الم، وهي روحنا جميعاً. ومن يدري، فقد أكون على غلط وقد تكون أنت على صواب..«.

وليد الأحمد


يوم:
تقارب الدورة أن تنتهي لتبدأ. يدخل أحمد العبدالله بيته، متقدماً في الظلمة الشفيفة، والمدينة لا تزال نائمة، من ناحية المسجد، بعد أن دلف في زقاق قاده إلى زقاق آخر، منغمراً في السكون الذي يسقف البلدة، دون أن ينظر إلى نجمة الصباح، يتعامد على الأرض أو ينكفئ عليها، خفيف الجسد حتى ليبدو من البعيد كما لو أنه شبح يتهجس طريقه، لا فرق بينه وبين الأصوات التي يسمعها من شقوق الجدران، أصوات ديدان وحشرات طيارة، ثم يرى جسده أسمر ناحلاً، ملفوفاً بقماشة لا يستطيع تمييز لونها، وعباءة من الوبر، يدرج على ساقين تستدقان عند القدمين، ولكنه جسد متوتر يريد أن ينفلت من تلك الجاذبية التي تستدعيه إلى الأعلى وتلك التي تشده إلى الأرض، متكوراً يسير على حافة قوس لدائرة لا يمكنه أن يعرف طول نصف قطرها، هامساً ليديه اليابستين، حيث العروق في ظهر كفيه، زرق نافرة تبغي الانفصال عن اللحم والعظم، بينما الهواء الآتي من الشمال وحده، يستطيع أن يدلّه على الحركة في قدميه، في انسياب النهر، وميلان سعف النخيل، لأنه هواء يكف في تلك اللحظات عن أن يكون وسطاً بين حيوات أخرى، حتى ليكاد يفهم أن جسده في هذه الحميّا التي تنتشي بها أعضاؤه، يتشابه ولا يتشابه مع كل الذي يحيط به، وأن هذا النقار المستديم بين رأسه وما حواليه. يبدو مثل حلقات من سلسلة لا أول لها ولا آخر، ثم إذ يتبيّن وجوده الجسدي بتلك الصياغة الهيكلية يستعر عنده شوق الافتراق عنه، فهو في تلك اللحظات من الافتكار، أكثر اشتمالاً على أن يكون مفهوماً بالنسبة إليه، وأقدر من أي وقت مضى على معاينة قلبه، ومخاطبة كل الحركات وما حواليه من أصوات وهسيس والتياعات وتنهدات وأصوات الصمت، بتلك الانتباهات الفرحة الملتاعة، وبذلك القبول باليأس والأمل، بينما تبقى عيناه تلوبان إلى أمام، إلى أعلى وأسفل، نحو الشرق والغرب، تريدان تضمّن هذا الوجود وتحويله إلى صور قلبية ، صور هو وحده يعرف كيف يعيد تركيبها، صور تكاد تتحدث فيها الحيطان إلى الجداول، والظلمة إلى النور، وتنفسه هو إلى هذا الهذيان الذي لم يتوقف بين الحجر وقطرة الماء في قعر النهر.

ويتوقف عند باب داره، والليل يلملم نفسه، متعامداً مع الأرض، مع تلك النقطة الوحيدة التي يقع عندها جرم أرضه، مائلاً إلى الأمام قليلاً، حتى ليكاد يمر من منتصف البعد الأدق لتلك النقطة الجرمية، وهو يتحدث إلى صمته: يا هذا.. كيف يتساوى الغلط والصواب، وكيف يكون لليل أن يستكمله النهار ليصير يوماً؟ ولم يكن يتعذب لهذه الفكرة. قد يأسو أحياناً بيد أنه يرى أيامه متصلة، ليلاً بنهار، في نجود من الرمل، وسفر غامض لا تسعفه الذاكرة في إعادة تأليفه، سفر ابتدأ من حيث لا يعرف ولا يتذكر، سوى أن نجوداً صحراوية وبُسُطاً لا متناهية من الصبير، وجثث الحيوانات، ورماد المواقد، وبقايا حبال، وزواغير أوتاد، وتصاوير رموس، تمتد في دوران، وتدور في امتداد، ورقائم من الجلد بلون حائل تتحول بين أصابعه إلى نعومة، نعومة في غاية الرهافة والرقة والشفافية، فيخط عليها أقوالاً، بصبغ كثيف أسود اللون، كلمات لا تضطرب في رأسه، ولكنها تخرّ عليه من علٍ كالسيل العرم فيضع الحرف إلى جانب الحرف، والجملة التالية بعد تلك التي سبقتها. كان ذلك يحدث في فترات متقطعة. حسبه صوتاً يصل إليه من أمكنة مختلفة. أمكنة دائرية. كان الصوت يفاجئه ناعماً ورقيقاً وآمراً: »إقرأ« ولا يتذكر، الآونة، سوى ألم غير مؤذٍ في مقدمة رأسه، وخفة في جسده، مع تعرق تحت الإبطين وحول الرقبة، وأنه، حينئذٍ يستطيع أن يرنو ببصره فيرى آخر امتداد في الصحراء، أو أنه يخوض في غياهب من المياه الزرقاء والبيضاء، ويرى بأم عينيه أشكالاً آدمية تدب على أربع، وصوراً بشرية تجري في الفلوات خلف الغزلان وحمار الوحش، وآخرين في هيئات بشرية قريبة إلى التشكل تنحني على الأرض وفوق رؤوسهم رجال غلاظ يلسعونهم بالسياط، وحدائق غناء غير مسيجة، وخيولاً تجرّ عربات، وعربات بدون خيول تسابق الريح على قضبان من حديد، وكتلاً من الحديد مختلفة أشكالها تدرج بين بيوت من الطين المفخور بقوة نار سقر، وطيوراً حديدية تطلق أصواتاً أو تطير بأصوات ناعمة، وأشكال الناس وهيئاتهم تتغير بين لحظة وأخرى، وآلاف الأجساد تغرق في المياه أو تبتلعها الأرض التي انشقت للتو، وحرائق بلا دخان، وكتلاً معدنية غريبة الرسوم تصطرع مع بعضها. حمماً ونيراناً والقريب يدنو والحديد ينطق، والنساء كالرجال، والرجال كالنساء، عوالم ومدناً جديدة، موت الجد الأكبر، ومدينة الخلاص الأخيرة التي تتوسط ساحل البحر، بينما كانت القراطيس تتشكل أمامه، واحدة بعد الأخرى، حتى اكتمل الكتاب. وقال الصوت الناعم والرقيق والآمر، هوذا الكتاب فاحفظه على صدرك. ثم إذ ينظر إلى ذلك الذي تشكل يرمي به إلى السماء وهو يصيح: يا رب الكافرين، يا رب المؤمنين، يا ربي. فتتجول الرقائم في الفضاء الصحراوي، هادئة مرنة، وتختلط في الهواء، فيرى - في عين روحه - أنه لا يزال في سفره ذاته، في النجود الصحراوية، أو في أزقة المدينة، قريباً إلى تلك الحروف والجمل، متعامداً في سيره وهو ينجذب إلى الأعلى، ومائلاً معها إذ تميل إلى الأرض، وهو ينجذب إلى تلك النقطة الجرمية في كتلة الأرض التي تشدّه إليها.

إن الحياة خيّرة، وكذلك الموت، والقضية هي في مبدأ القبول. صحيح أن الافتراق عن الناسوت ربما يكون الصعوبة ذاتها، لكن تدريب النفس وإلزام الجسد في اختبارات قمع تتحول بالسلوك إلى اختيارات، يجعل من هذا الكائن الأرضي ولياً للسماء. الولاية؟ أية فكرة معذبة كانت تتربص بأحمد العبدالله؟ بيد أن هذا هو إطلاق للجسد وإعلاء للروح حتى لتبدو خارج تعريفها الديني التقليدي، هي الخير والشر على حدّ سواء، إذ لا خير ولا شرّ، وهي المركز الصغير لهذا الكون الكبير، وهي بعد ذلك التركيز الكوني للإنسان بهيئة جسد. ثم إن هذا الجسد وتلك الروح هما الاستكمال الغنوصي لتلك السلالة التي تمتد من الطين حتى تصل إلى عائلة (الم) وهي السلالة ذاتها التي اختفت خلف أسوار دائرة الاستعلامات الوطنية. سلالة. كيف أتيح لمدينتنا أن تكتشف ذاتها بعد الخراب؟ لقد جاءوا بغتة، كما لو أنهم وقعوا فجأة وسط المدينة، ثم انتقلوا بصمت، الواحد تلو الآخر إلى أسوار المبنى التي كانت تعلو شيئاً فشيئاً، وينضاف سور جديد إلى أسوارها القديمة سنة بعد سنة، أسوار متتالية، وهدوء مأسور، هذا هو ما يمكن أن يقال عندما يرى الغريب بناية دائرة الاستعلامات الوطنية. غير أن داخلها يضم السلالة بأكملها، سلالة اختارت أن تكون خلف أسوار الدائرة. بمحض إرادة بنيها، لا أحد يعرف لغتهم، هناك حكايات وإشاعات ولا غير ذلك، حتى إن أحمد العبدالله كان يجد في تلك الأقاويل شيئاً غير مسرّ. لقد هبطوا من السماء، قال البعض. وقال آخرون: إنها ثلة تعلمت حرفة الحكم. بينما قال البعض الآخر، ولكن بعد الخراب: إنهم جواسيس مدن أخرى أكثر تطوراً منا. غير أن هذا خلق وضعاً مسرّاً لدى أحمد العبدالله، إذ إن حديث الناس عن تلك السلالة كان في نظره أنهم قوم مرسلون إلى مدينتنا لتدميرها تماماً كما حدث مع »أهل الصيحة«. وهذا ما سبق أن أعلنه الجد الأكبر.

وأفتكر كذلك الآن أنه يحب القتلة أو يبرر أفعالهم. قال عبدالله: في بداية الشتاء من ذلك العام السحيق في القدم، دخل ديرة »الم« رجل يسعى على قدمين واهنتين، يحمل على ظهره كيساً أملح مائلاً إلى الاسوداد، يتوكأ على عصا لم تكن مألوفة لدينا، قال أحد الرجال: هذا من ناس القلعة التي بناها الرومان شمال الكوفة. وقال آخر: إنها قرية يهودية قديمة أقام أحجار أول بيوتها تاجر يهودي تنصَّر بعد أن رأى قوة النصرانية لكنه استمر يمارس يهوديته سراً. وقال آخرون: من هذه المدينة ستبدأ القارعة. وكان الرجل قد قارب العام المائة من عمره، لحيته حمراء وحول في عينيه، فجلس عند رأس الجسر، حيث يقسم النهر المدينة إلى نصفين وفتح كيسه وأخذ ينادي على المارة: سعد وكركم وحناء وليمون يابس وديرم وصبير، ويهش بيدين صغيرتين على الأولاد الذين كانوا يلتفون حوله وقدم لهم صمغاً بلا طعم طفقوا يمضغونه بشراهة، وعرض على الشباب زجاجات مستوية مطلية من الخلف تظهر وجوههم المحروقة بالشمس وأعطى للكبار سيوفاً قديمة وخناجر مزرقة الأنصال، في مقابل أعشاب وأغصان من الصفصاف والكاليبتوس. وعندما يحل الليل كان يخرج قصبة من مكان عند بطنه ويأخذ بالصفير. كان الصوت الذي يخرج من القصبة شجياً. وغالباً ما كان الرجل يحرك قدميه أو يهزّ جسده مع الصوت الشجيّ الناعم. وكان الأولاد يتجمعون حوله منذ بدايات المساء ولا يأبهون لنداءات آبائهم الذين كانوا يهرولون إلى المسجد عندما يبدأ النهار بمغادرة المدينة. ولم يرَ الغريب ضيراً في أن يقدم أطعمة تالفة للكلاب والقطط والحمير التي لا أصحاب لها. ويوماً بعد يوم أخذ الرجل يدخل بيوت الديرة بيتاً بيتاً. وفي الأيام التالية عندما كان يمر في أحد أزقة المدينة يسمع أكثر من نداء يدعوه لمشاركة أصحاب أحد المنازل تناول الطعام. وكان الرجل يتقدم أول الأمر حذراً تلمع عيناه ريبة. لكنه ما إن يرى الطعام في القصعة حتى يهجم عليه كما لو أنه لم يذق طعاماً منذ أشهر، وكان ذلك مثار تندر في المدينة حتى قالت إحدى النساء: لو أن رجالنا خلّوا بين »جريبان السايب« وخزين الحنطة في البلدة لأتى عليه كله في رمشة عين، وغالباً ما كان يدس فضلات أطعمة أو يلتقط كسرة خبز يصادفها في الطريق في كيس صغير يعلقه في حزامه. ولم يسمعه أحد يتكلم أو يطلق صوتاً يشكو إلا في النادر، على أن هناك من الناس من قال إن »جريبان السايب« يتمتم بلغة غير مفهومة عندما يخلو لنفسه ويتحدث إلى صندوق أسود صغير كان يحمله معه باستمرار. وكان يدخل الأزقة ويجتاز البيوت مثل كلب هارب ويخرج منها مثل حيوان شبع توّاً.

وفي بداية الربيع من ذلك العام اكتشف أهل مدينة »الم« أن الرجل الغريب قد اختفى. ومنذ ذلك اليوم أخذ سكان المدينة يطلقون كلمة »الغريب« على كل وافد جديد إليها. وكان هؤلاء الغرباء يتشابهون تقريباً. إنهم يأتون من تلك القلعة الرومانية، لحاهم شقر ويحملون أكياساً على أكتافهم، ويمضون الليالي يطلقون أصواتاً حزينة من آلات الصفير القصبية، حيث يتجمع حولهم الصبية، وتقف النساء غير بعيدات عنهم، ويبطئ الرجال من هرولتهم حين يمرون بالقرب منهم وهم يتجهون إلى المسجد. وبعد فترة نسي أهل الديرة أي شيء ذي بال عن هؤلاء القادمين، فقد صاروا جزءاً منها، إلى أن أصبحوا ذات يومٍ وهم يرون ثلاثة منهم يقايضون أحد رجال البلدة قسماً من بيته بمعادن بيضاء غير لامعة وسراجاً زيتياً. وهذا هو الذي فتح أعين البعض عليهم، وسرت حينها همهمة خافتة داخل بيوت المدينة: من هم هؤلاء الأغراب؟ ولم يكن يرى في ذلك أي ضير، فإنه - وهو المسكون بالحب- بمكنته أن يتعرف إلى العشق، إذ بينما ناس المدينة انغمروا في الاحتيال اليومي على قلوبهم أو في تلك الأعمال البشرية الصرف، يتعلق أحمد العبدالله بخيوط لا عدَّ لها بين الأرض والسماء. لكم خطرت له هذه الفكرة: إنه بهذا الالتصاق بالسماء كاد أن يفقد الأرض، وبمعرفة هذه الأرض كاد - أحياناً - أن ينسى السماء.

إن السماء لا تقترب من الجريمة، والأرض وحدها هي التي صارت وعاءً للجريمة. بل إن هذه المدينة المنكربة المكروبة تكاد أن تكون الوعاء إضافة إلى الجريمة. ثم رأى سالمة تشق زيقها وسط الدار، بين الدخان وتحت الأزيز الذي أطلقته الأجرام الغريبة، ثم بنقابها الأسود الذي لم تزحه عن وجهها تنتقل من بيت لبيت: امرأة أرضية لا تفصلها عن المروءة الكاملة إلا فاصلة افتقاد البكارة. كانت أرضاً بكراً بثوبها الأحمر ونقابها الأسود وصدرها المكتنز وعينيها النافذتين، تنظر من خلف النافذة كأنها لا ترى الذي تنتظره على الإطلاق، إنها تفتكر شخصاً، قد يكون وليد الأحمد، بيد أنه ليس هو في كل الحالات، فعدالة وليد الأحمد مصنوعة، وهي لا تزال ترى أن الذي يمكن أن يورق بين السماء والأرض، ولا ينسى السماء ولا ينسى الأرض، هو حرف يطلقه أحمد العبدالله قبل أن يموت، ولا يذكر أبي تفاصيل دقيقة عن طفولته. كان عبدالله قد مات في سفرة غامضة بين الكوفة والجزيرة، وكانت سالمة زوجته الأولى والأخيرة قد ودعته خائفة. قالت: هل خزنت معك دنّ العسل الصغير؟. كان مصاباً في صدره، ولم يفلح طبيب البلدة في إقناعه بالعدول عن سفره. قال لزوجته: خلت الدار من البضاعة ولا بد من زيارة الجزيرة في هذا الشتاء. وكان الفصل شتاء حين دخل عبدالله أولى قرى الجزيرة، فلقي خيراً عميماً، واستبدل ما كان يحمله في العدول التي حملتها الدواب من التمر والحناء والسكاكين والسيوف والقضبان الصغيرة المجوفة والأجواخ الفارسية والشالات الهندية بما يعادل قيمتها ضعفاً من الصوف والوبر، وأمضى قرابة شهر ينتقل من قرية إلى أخرى حتى قرّ قراره أخيراً على العودة إلى الكوفة. كان الشتاء قد قارب على الانتهاء وقد تبدلت الأرض بشكل سريع كما لو أنها تفجرت زهوراً تمتد مثل بسط لا نهاية لها، تلعب فوقها الطيور، وتمرح في أرجائها الغزلان وبنات آوى، ونادراً ما كان يرى ذئاباً في تلك النجود غير المنتهية من الخضرة. كان الفصل بداية الربيع. وفكّر مرات بزوجته سالمة، وابتاع لها من الأعرابيات أقراطاً وخواتم ذهبية وحلقاً من فضة وورشن. ولم يكن لينسى رضيعه. كانت سالمة في شهرها السابع عندما غادرها عبدالله في رحلة الشتاء قاصداً الجزيرة. قالت له سيأتي لنا ولد وسنسميه أحمد. وكان قد ابتاع لأحمد دون أن يراه حزاماً جلدياً وملاحف صوفية صنعت في بلاد الشام. وعندما كان يحط رحاله بين قريتين ويهجع مرافقوه إلى نوم لذيذ في أوضاع أكثر أمناً، كان عبدالله يستعيد حلمه الذي لم يفارقه: سيكبر أحمد ويصير رجلاً معروفاً. قالت له العرّافة الكوفية: اسمع يا هذا إن لك ولداً يبزغ في السماء السابعة، يسقط مثل شهاب على هذه الأرض ليبقى، ستعرفه الكوفة كثيراً كما بقية المدن، لكنك لن تراه، سيولد وأنت على سفر، وسيكون سعداً للدنيا وبداية لزمن يسير مستقيماً لفترة قليلة ثم يتعرج كما يتعرج نهرنا الذي يشق بلادنا من الشمال إلى الجنوب. وقالت العرّافة إن سالمة ستكون أسعد أم منذ أن رأت البشرية نفسها عاقلة تماماً كما ترى صبية نفسها أول مرة وقد استحالت إلى امرأة. وفي تلك الليلة الربيعية جلس عبدالله في الخباء الذي نصب على عجل ولكنه كان كافياً لأن يجعله يتوحد مع نفسه. كان عبدالله يشتهي خلواته، ليفكر في سالمة أو يقود أحمد من ذراعه طفلاً في الرابعة من عمره ويمرق معه في أزقة الكوفة أو مدينة »الم« زقاقاً بعد زقاق ماراً على كل الدكاكين والمسجد الوحيد، بعيداً عن مبنى دائرة الاستعلامات الوطنية، حيث اتخذ الناس الغرباء مساكنهم. كان عبدالله ينفر من هؤلاء الناس وطريقة تساكنهم. إنهم يعيشون في حوش واسع، ويتحركون كما لو كانوا مجذوبين إلى قوة لا يعرف أين يقع مصدرها، في الليل ينامون على فرش متجاورة، هي تماماً شكل من أشكال علاقاتهم فيما بينهم، يأتمرون بأمر واحد منهم في كل حوش، وكانوا قد بنوا في »الم« ثلاثة أحواش، وكان الآمر منهم يلبس ملابس شبه خضراء، سروال وقميص، وكان الأمراء يلتقون في الأسبوع مرة بعيداً عن أبناء قومهم وأهل البلدة من أول المساء حتى أول الصباح، ويعودون دون كلمة إلى الأحواش الثلاثة، ولكن قومهم يعرفون في ساعات قليلة ما عليهم أن يفعلوا في الأسبوع القادم. كانوا »طائفة«. ولأول مرة أطلقت عليهم هذه الصفة. هكذا قالت سالمة لعبدالله في لحظة من لحظات الانفعال. كانوا يأكلون لحم الضأن شأن المسلمين، ويعملون يومي الجمعة والأحد ويعطلون أعمالهم في يوم السبت. بينما يعقد أمراء الأحواش الثلاثة اجتماعهم الأسبوعي في آخر نهار السبت ويمضون الليل كله في جدال وكلام، أخذت المدينة تتعرف إليهم شيئاً فشيئاً بعد أن أخذوا يشترون الأراضي بالمال والخديعة حتى باتوا قوة حقيقية في البلدة. وفي تلك السنة المريرة تحول الحوش الثالث إلى مكان معزول تماماً عن الحوشين الآخرين والبلدة كلها، وأخذ البرج الذي بدأ صغيراً يعلو أسبوعاً بعد أسبوع. وطفق الناس يتحدثون عن حكايات غريبة رافقت دخول الثلة إلى البلدة.

وعندما يفتكر عبدالله هذه الأحداث كان يقول لنفسه إن أحمد سيعرف هؤلاء خيراً منا. كان ذلك هو حلمه. وأخرج الحزام الجلدي ومرره أمام ناظريه، كان مدبوغاً بمهارة حتى إنه كان يلمع في ضوء القمر الخافت الذي كان يتسلل إلى داخل الخباء من ثقب صغير فيه. قال عبدالله في ذاته: سيأتي أحمد. وتذكر ما قالته العرّافة لزوجته، وشعر بالزهو. سيكون أباً لرجل يهزّ البرية كلها. وازداد زهواً عندما تذكر ما قاله الرجل النصراني في الدير الأخير المقذوف في عمق الجزيرة أمس الأول: سترزق ولداً طيباً. وكانت الأرض من حوله تتحرك الآن بشكل خفيف. وتهب الريح صافرة من الجهة اليسرى، ويسمع بين آونة وأخرى أصوات الهوام وعواء بنات آوى في ليل صافٍ وأرض تشبه امرأة حبلى.

وعندما انبلج الصبح وجده أصحابه متكوماً في مكانه كما لو كان قد فارق الحياة منذ ثلاثة أيام والدم ينزّ من ظهره الذي اخترقه نصل خنجر مسموم. كان عبدالله يمسك بحزام أحمد الذي لم يره بقوة بين يديه، ولقد خيل لعدد من أصحابه أن عبدالله كان يناضل بضراوة لكي لا يفلت الحزام من بين يديه. ولما كان النهار ينتصف كان قبر عبدالله قد استكمل بناؤه وغادر الجميع بدايات الجزيرة متوجهين إلى الكوفة ومنها إلى »الم« وعندما مات أحمد العبدالله لم تسأل سالمة عن كلماته الأخيرة، فلقد تصرفت كما لو أنها كانت تعرفها، وكنت قد سمعت ما قاله ابن عبدالله، فأصغيت إليه بكل انتباهي. قال: هات لي يراعاً وقرطاساً لأكتب تفاصيل المدينة. كان قد أخذ بحمى مباغتة، وكان معلقاً فوق السور، ولم يسمح لي أحد السجناء أن أقترب منه. قال لي متخابثاً: أترك الرجل فهو يهذي. كيف تسمع لرجل أصابته طلقة مسمومة فنزف، وأهرت الحمى جسده بعد نزاع معها استمر عدة أيام؟

إيه.. أية أيام.. كانت تلك الأيام!

تلك هي أيامه، أحمد العبدالله، وكان يعرفها بما فيه الكفاية ليجيد الحديث عنها في حياته، حتى عندما يكون الليل على أهبة المغادرة ليفسح مجالاً لصبح جديد، إذ تبدأ كل الحيوات والأشياء تتنفس يوماً جديداً، بعد أن يتقدم الهواء نازلاً من المنحدرات البعيدة، في شمال المدينة، حيث يدخلها النهر ويقسمها إلى نصفين.

ولم تكن تلك أيامنا: إننا لم نخترها، كان ثمة بين البنادق وبيننا فاصلة صغيرة، بيد أنها بقسوة البون الشاسع. لقد اكتشفت أننا كنا في الخرائب، غرب المدينة حيث انتشرت بيوت الطين المحطمة والحشائش قصيرة السيقان. أما بعد الخرائب فقد كان الضريح المقدس، قبر »الم« ثم المنخفضات المائية التي طالما سمعنا عنها الكثير، ولم يرها أحد منا، إلا أحمد العبدالله عندما ذهب لزيارة وليد الأحمد بعد حادث دائرة الاستعلامات الوطنية، وكان الجنرال يبدي نفسه، أحياناً، للظل خلف جذوع أشجار النخيل التي تقدمت الجدار الثالث. شبح متوسط الطول، يتحرك بمرونة ظاهرة. وعندما يشير بعصاه إلى أعالي أشجار النخيل يبدو مثل من يريد أن يتأكد من أنه وحيد، وحيد لدرجة أن الأشجار لا تحس به، أو غير موجودة أصلاً. كان يشبه »جريبان السايب« أو أنه هو بلحمه وعظمه في رأي كثيرين، لكنه ليس »جريبان« في كل الحالات، رغم أن اسمه »جريبان السايب« كما أحب تسميته أهلنا بذلك. الجنرال. آ. إنه آخر السلالة التي أسسها »جريبان السايب« كما يسميه شيوخ البلدة في شيء من الخوف والريبة. هو حتماً آخر السلالة التي تستطيع »ملكة« وحدها أن تشير إليها. وكان الجنرال الذي يظهر ما بين الظل والضوء قد غير ملابس »جريبان السايب«، فقد كان مثل شبح بملابس عسكرية: عباءة من وبر مرقطة بعلامات خضراء، وغطاء رأس يشبه الكوفية، ثم قفطان مشقوق عند أسفل القدمين. ملابس مموهة بلون سعف النخيل وكربها والأرض وشقوقها وحفرها وعلاماتها الداكنة. كان وجهه مورداً ومعافى وعصاه في يمينه حيث يهش على الطيور والبشر الذين يلتقي بهم. كانوا يرونه شبه شبح، ولم يستطع أي منهم أن يصور ملامحه بدقة. لكنه كان يبدو مثل طير لا يستطيع الطيران عندما يمتطي جواده الأشهب، وفي اللحظة ذاتها كان كأنه يطير قليلاً. وكان الجنرال بعد أن يجتاز الأسوار ويدع جواده يمرح وسط الخضرة، يلوي عنانه فجأة ويعود إلى داخل المبنى ماراً بالأسوار من أبواب تشرع أمامه في الحال، وكأنه ندم على تلك النزهات القليلة، حيث أمكن للضوء أن يكشف وجوده للنخيل والأرض والطيور التي كانت تفزع عندما يمر بها جواده. كان ظهوره يكلفه كثيراً فيما يبدو إذ إنه بعد كل مرة ينكشف بها أمام الطبيعة يظل يلازم المبنى فترات طويلة، ربما كانت أشهراً، وكأنه يعاقب نفسه على تصرف لا يسمح به أبداً. ومع أن لقب الجنرال ترادف مع ظهوره، إلا أن الناس كانوا يقولون: ظهر الغريب واختفى الغريب. وفي تلك الأيام كنتُ أقول إن مدينتنا لا تقبل الغرباء. وكنتُ أتساءل وقتها بشيء من الحدّة: كيف ستغدو مدينة »الم« إذا كان الغرباء - ذات يوم - أقوى من أبنائها؟ لقد استقبل أهلنا »جريبان السايب« أول الأمر مثل ضيف، أو بعاطفة تشبه التعاطف، لكن كل شيء انقلب إلى نقيضه. كانت عصا الجنرال هي التي تسوس المدينة من مكمنه في دهاليز المبنى بعد السور الثالث. لقد فرض علينا الانشقاق، تماماً كما يفرض علينا الموت.

لم يكن انشقاقاً بالمعنى الذي نعرفه، لكنه كان وضع من يدفعك إلى القول إنك منشق عن مدينتك، فقد كان الغرباء على أهبة الاستعداد مع كل صباح جديد لأن يلقوا بنا خارجها. وكان ذلك كله مفزعاً لدرجة أننا نخاف حتى تصوره.

وكان أحمد العبدالله يسارر نفسه: إن »الم« يبكي اللحظة بلدته، لأن »صفين« في زمن آخر بعثت من جديد. وكنت أقول ليس ثمة أكثر لطفاً من عقوبات الدفاع عن المدينة. كان هذا شكلاً من الشعور بالحرية. هذا هو الموت يحيط بنا من كل جانب، وها هي الخرائب الحاضرة، والبيوت القديمة تستقبل سكنة جدداً، والضريح لا يزال في مكانه، طالعاً من بين الأعشاب وحيطان الخرائب، تنتصب ساريته وسط دخان البارود الكثيف. لقد شعرنا ذلك اليوم أننا أحرار لأول مرة في بلدتنا، فقد كان لزاماً علينا أن نقاوم، وكان أحمد العبدالله يمسك بيده جريدة من سعف النخيل.

قال: خذ هذه فالخسارة ليست الهزيمة، وناولني العصا المجرودة. وعندما كنتُ طفلاً غالباً ما تصورت أنني جندي لا يود احتراف القتل، لكنه يتمنى أن يكون مقاتلاً، كان ذلك يشبه كتابة قصيدة شعر قصيرة إزاء حياتي الآن. ألعب بالكلمات، أعيد ترتيبها كيفما أشاء، تماماً كما كنت في طفولتي إزاء عيدان السعف. وكنت أضع جريدة السعف فوق كتفي اليسرى، معلقة في الهواء أو مضطربة، وأمشي فوق أرض حصباء، عدلت فيها طريقاً ضيقاً حيوانات الجرّ والخراف وأرجل الرعاة بعد أن تغادر الحيوانات بساتين النخيل في التخوم البعيدة من الضفة الشرقية باتجاه شريعة الماء. أكان ذلك عالم الطفولة أم طفولة البشرية؟ إن كل شيء كان يرتهن إلى كونه حلماً عذباً في ذهني الصغير. وكان هذا يحدث في بيتنا أو مع الرفاق الصغار.

كنت أخترع حكايات الغزو والعراك الصعب بين المدينة والنسور المتوحشة الهابطة من السماء على غير ميعاد، فكان الأطفال يتبادلون نظرات الخوف خلسة، وكنتُ أزيد من ترويعهم فأضيف صوراً أخرى لتلك النسور التي كانت تتحول إلى كرات نارية هائلة تفرخ كرات أصغر منها، وبشراً بشعي الخلقة مدججين بالسلاح، لأفاجأ بنفسي وحيداً وقد خسرت لذة استماعهم. لكن تلك الحكايات التي تخيلتها، ثم رأيتها أمامي حيوات تتحرك لا تزال تطاردني حتى بعد ذلك اليوم الذي لا يمكن أن أنساه. ويحدث هذا في مدينتي الجديدة حيث أحاول هذه الأيام قدر استطاعتي أن أصل المساء بالنهار لأكتب تاريخ المدينة قبل أن يتمكن مني مرضي ويصرعني نهائياً. ولكن ما جدوى إعادة تأليف رواية كوابيس الليل والنهار، وما جدوى هذا كله؟ هرطقة. شيء من التعويض.

إن الكتابة لعب منظم في عالم لا يميل إلى قبول النظام أو التنظيم، شيء مثل هذا الذي رأيته أمس: توقفت الأجسام الطائرة الغريبة، كما توقفت في ذلك اليوم، واندفعت الحشود الغريبة على سلالم تشبه الحيات الأسطورية، وبعد لحظات حيث كانت الأجسام تقف صامتة فوق النهر، كانت مياه النهر تغلي، بينما مدينتي البحرية خرساء لا تعرف شيئاً عما يحدث فوقها. كنتُ مدهوشاً. كان الغرباء بشعين، وتحول ناس المدينة المسترخية على البحر الصحراوي، إلى أشياء تشبه تماثيل شمع، وأخذ الغرباء يتحركون في الشوارع مشياً على الأقدام. ومن مكاني المنعزل والمهجور شاهدت أكبر الأجسام الطائرة الغريبة يرسل أضواء متكسرة نحوي. رأيت شبحي يتقدم إلى مكان الجسم الطائر الغريب. وكان هناك رجلان وشبحي. وأيقنت في تلك اللحظات أنني أغيّب وأمتهن. ولم يصدر عن الغريبين أي صوت. جلس الغريبان إلى مسطبة صغيرة وأمرا شبحي أن يقترب منها فاقترب حتى لامسها. وفي تلك اللحظة انطلقت شحنة ضوء أصابت شبحي في قلبه. وقعت أرضاً وأنا أتحسس الجانب الأيسر من صدري، ورأيت شبحي يقع صريعاً، ثم تقدم الرجلان الغريبان إلى حيث تمدد شبحي فاقتلع أحدهما عينه اليمنى بسبابته، بينما استل الآخر العين اليسرى بمدية صغيرة. كنت أرقب موتي. وعندما ركل الرجلان الغريبان شبحي خارج الجسم الطائر ووقع على الأرض استيقظت من نومي، متعرق الجبهة مبهور الأنفاس، وهرعت إلى الحمام وبللت وجهي بالماء ثم أزحت ستارة النافذة واستكشفت الليل: لم يكن ثمة إلا الضباب والبحر يعلن عن نفسه في صخب الأمواج عندما ترتطم بالساحل الصخري، وتلك الأصوات الغامضة التي تندفع نحوي من عمق البحر. عدت إلى فراشي وحاولت أن أقرأ شيئاً. كنت خائفاً ولا أزال حتى هذه اللحظة أنتظر من يطرق عليّ الباب ويمزق هذه الأوراق وينهي حياتي بطلقتين. سمعت طرقاً خفيفاً على باب الغرفة. نهضت فوراً وفتحت الباب، وكان أمامي شبحي مثقوب الصدر وثمة دم ينزّ من تحت موضع القلب، وهو ينظر إليّ من تجويفين في مقدمة رأسه. جلس شبحي عند رأسي حيث كنت أضطجع في سريري وتناول سيجارة من علبة دخان قريبة ثم أشعلها وقال: هيا.. القارب بانتظارك عند رصيف البحر. وانسحب بعد أن ترك سيجارته مشتعلة. وراقبته من سريري يجتاز تلال الرمل حتى دنا من الرصيف. وعندما همّ أن ينزل إلى الساحل ليقترب من القارب، انطلقت رصاصتان نحوه، وغيب الضباب شيئاً متحركاً يشبه الآدمي، بينما كان البحر يتساءل عن هذا الصوت الذي قطع عليه إغفاءة لذيذة. وأنا فوق سريري، شاهدت شبحي يدفع القارب باتجاه عمق البحر، ورأيت عشرات النوارس تطلق صيحات مكتومة. بينما كانت سيجارة شبحي ترسل دخاناً يتفعى في سماء غرفتي المطلة على البحر.

واستيقظت، كانت خسارة في الحلم أيضاً. وتشاءمت قليلاً وأنا أعيد النظر في مسودات هذه الرواية، فأنا لا أريد أن أخسر الفرصة الوحيدة المتاحة أمامي لأن أكشف فيها كل ما جرى لمدينتي. كانت خسارتنا في المدينة مضاعفة.. غير أن خسارتنا في الطفولة لم تكن خسارة. طفولتنا الرخيّة، المشبعة بأجواء البطولة والامتثال لتاريخ جدنا الأول كانت كافية لأن تجعل الفريقين المتقابلين ينطرحان أرضاً من تعب العراك الأخوي، إذ لا غالب ولا مغلوب، سوى البهجة البريئة التي تدخل قلوبنا بعد مناوشات بالعصي والأيدي المتسخة وتزاحم الأجساد المعروقة دوماً. أما الخسارة فيما بعد الشباب، وفي الوضع الذي عشناه في الخرائب فقد كانت من طراز آخر: لقد انطوت رجولتنا على حالة من التشبث بأن مدينة »الم« معافاة وخالية من الإثم، أو أنها تحولت إلى ملجأ لأولئك الذين يفرون من العدالة المنتهكة في المدن المجاورة. العدالة: نعم، ولا شيء غيرها، فالمساواة تبدو وهماً، أو هي الوهم بعينه.

وكان وليد الأحمد يقول لي: المساواة تعني عودة البشرية إلى عذريتها الأولى، هذا هو طريقنا الجديد. فأقول له وأنا أنظر في القرآن الكريم: كما قال أبوك، هذا لا يحدث إلا في الجنة. ينظر إليّ من عينيه الصغيرتين ثم يخبرني بطريقة من توصل إلى يقينه الأخير: أنت تتحدث عن وهم، قد أعذرك الآن فأنت شاعر، ولكن دعني أقول لك: ليس ثمة سوى المادة، إنها الأولى والأخيرة.

وأبقى مسمراً في مكاني، أنظر إلى عينيه الصغيرتين، وأظفاره المبرودة، وشعر رأسه المتمرد. وكنت أجد فيّ ميلاً إلى أفكاره، وكنت أحس أنه لا يجيد تنظيمها، بيد أن عقلي لم يكن على استعداد لإنكار وجود الله.

وهكذا كنت أقول له دوماً: إنكار الحالة يعني إثباتها، والعكس صحيح كذلك. أليس هذا هو الجدل؟ كنا قد اختلفنا. ولكن يحضرني الآن أنه انقلب على نفسه. كان ذلك يشبه المفاجأة، ليس لأنه نقب في تاريخ المدينة حتى توصل إلى قناعة بأنه قادر على تغييرها أو إعادة صنعها من جديد، وإنما لأنه بدأ يغادر مواقع أبيه. كان ذلك في صباح أحد الأيام، وأظنه يوم الجمعة. لم يحضر صلاة الجماعة كما تعوّد. كان يقف عند النهر وحيداً. وعندما أدركته كان قد انتهى من قراره. قال: لقد وجدته أخيراً. إنه في رأسي، وأشار إلى السماء. ثم قال: لقد ألغيته تماماً، إنني حرّ حيث يوجد هو في ملكوته لأبدأ صناعة ملكوتي أنا. كان يبتسم وهو يحدثني كما لو أنه يتأكد من صحة أقواله. كان يفكر بلسانه، وهذا ما أدهشني، وكان المصحف آنئذٍ مرمياً عند حافة النهر. قال: إنه مخلوقي. وأدركت الآونة أنه استوى مخلوقاً آخر. قال: أنا اسمه الأخير، هذا السرّ المغلق عليكم، لقد هبط دون استئذان حتى تعرّق جسدي، ثم شافهني. وازددت قناعة أنه يفارقنا الآن.

وفيما بعد عندما كان يناظر سالمة في كشوفاته كان يقتصد في كلماته ليقول: ليس هذا استبدالاً به. إن الله موجود فيّ، وعليّ أن أحييه. وكانت سالمة لا تفكر فيما يقوله فقد كانت منشغلة بشيء آخر، كانت ترى صورتها في السماء، تمسك السكين وتبقر بطنها وتخرج الطفلة المدماة وتسري بها نحو الشمس. وفي اللحظات التي كانت تسترد فيها حضورها الجسدي تدير نحوه طرفاً شبه مخمورة وتقول: لن تجد الأمان في هذا، ولكنك قد تجد الخبز وأشياء أخرى تسكت آلام البطن.. وكان الماء يتلقفه. لم يكن ذلك دفناً بالمعنى الذي نعرفه. كان النهر وعاء كبيراً يستقر فيه المصحف. وعندما احتضنته المياه أخيراً، وأخذ يسقط رويداً رويداً إلى القاع، كان وليد الأحمد يتيقن من انتهاء مهمته. لم يكن فرحاً كما لم يكن محزوناً. لقد علّق الله لفترة، وهذا هو ما تراءى له بعد فترة أخرى أيضاً، إذ إنه عندما نظر إلى السماء كانت الحدآت تصهل في السماء مفزوعة. كان المصحف قد غرق نهائياً في اليم وارتكن الآن إلى صخرة، وكانت الأسماك الصغيرة الحمر والصفر والبيض تلبط آمنة عندما تقترب من الغلاف الجلدي. كان المصحف يتنفس، أو أنه يحاور وليد الأحمد بهذا الهواء الذي قفز فجأة من العمق ليلتقي بالفضاء.

وكان وليد الأحمد يدرك أنه انتهى من عمله وأنه استقر في رأسه ولن يغادره، وأن هذا الرأس تحول إلى مملكة.

قال: ماذا أصنع عندما أكتشف أنني هو؟ كنت مبلبلاً قليلاً. لقد أخذني على حين غرّة. لم يكن مثل أحمد العبدالله.

كان أبوه لا يخضع للمقايسات، ولم يقل شيئاً مثل هذا الذي يقوله وليد. كان يقول إن القرآن كتابي. وردد أمامي ذات يوم عندما أدام نظراً محزوناً فيّ: لا انفصال عنه، إننا نسري إليه، وستضع أنت يدك على السر، أما وليد فسوف يهجره إلى نفسه، وقال كمن يعرف أين سيتوقف كل ما ستمر به المدينة: إياك من خذلان وليد فإنه لا يندم. وسوف يتأتى له ما قد لا يتأتى للكثيرين. وناولني حزامه الذي اشتراه جدنا الأول من الجزيرة، وقال: خذ هذا ليكون دليل سالمة، لأنها ستفجع فينا.

ولم يكن وليد الأحمد مفجوعاً آنئذٍ، كان يقول: لقد اكتشفته فيّ، وسأبني جنته أنا كما يريدها هو، ولا تعارض في هذا معه لأنه ليس غيري. ورمى حجراً إلى الماء فتعكر قليلاً، وقال: الماء ليس هو الماء الآن، ولكنه هو الماء أيضاً. وقال: هذه المدينة سيفجرها الأغراب إذا لم نبادر لتفجيرها قبلهم. إن التدمير لا بد أن يطالنا قبل الجدران والخرائب، إنني أشك الآن في كل ما سمعته. لقد كانت إشارات.. إشارات، أتفهم؟

واستدار إليّ محتقن الوجه. كان يبدو مبلبلاً، فلقد قتل في هذه اللحظة كل تاريخه. وكنت أقول له: أنت تبني عالماً عقلياً، أنت تثأر منا جميعاً. وأردت أن أقول إن جدته سالمة تتحرك اللحظة تحت مياه النهر وتلامس المصحف وتأخذه إلى صدرها.

ولكن سالمة كانت قد جاءت وتوقف حديثنا. لم يعد وليد الأحمد يتملاها بحسرة كما كان يفعل قبل عدة أيام، لقد انتهى منها. كانت شيئاً ما في ذاكرته وليست جسداً محسوساً بما فيه الكفاية ليعقل وقوفها إلى جانبنا. كانت تقف إلى جانبنا لتقول: انتهينا. وكانت كلمتها أكثر إرعاباً لي قياساً بوليد الذي قال هو الآخر بشيء من اللامبالاة: انتهينا. هذا ما أقدر على قوله اليوم.

قالت سالمة: إنهم يظهرون هذه الأيام على سطوح المنازل وينظرون إلى السماء كما لو أنهم ينتظرون وعداً.

قال وليد: أشك في ذلك، أشك في أنهم يستطيعون أي شيء سوى تدمير المدينة. وقد بدأوا بذلك عندما اشتروا الحوانيت وأقاموا فرق حماية في ساحة السوق. وكانت سالمة غير معنية بهذه التفاصيل فقالت: وأنت من اشتراك؟ ونظرت إلى النهر. كان المصحف قد امتزج بالنهر الآن.

قال وليد: اشتريت نفسي من نفسي، إنني حرّ بما فيه الكفاية لأعرف أن أحمد العبدالله لا ينشق على نفسه، إنه ينتظر القيامة ولا يدعنا نتحرك لملاقاة القتلة . وكان رجالها قد أدخلوا إلى المدينة عربات صغيرة وكبيرة، وحفروا نهراً ثم غطوها بتراب، وكبر البرج صعوداً، وتحول الليل إلى محفل دائم لمناجاة رجال الثلة وتساررهم.

قلت: هذا شيء فظيع، إنك تنشق على أبيك، وسالمة تنشق على ملكة، ورجال الثلة أكثر ميلاً للوحدة، إن هذا لفظيع.

قال وليد الأحمد: هذا جدلنا، إنه قدرنا الذي لا فكاك عنه، ورمى حجارة أخرى إلى النهر.

كان محزوناً الآن، ورأيت أحمد العبدالله يغادر المسجد. كان قد مات منذ زمن بعيد فوق السور، مسموماً بتلك الطلقة السريعة.

قال وليد: إن المدينة لن تموت ولكنها قد تدمر، ومشى دون أن يعير انتباهاً لسالمة كما تعوّد.

وعندما عالنت أحمد العبدالله بما يدور في رأسي تبسم وقال: يا ولدي من هنا يبدأ الخراب، فكيف الإمساك بطرف حبل الفوز؟

كنت معه في الطريق إلى المسجد، فأدار وجهه إليّ وقال: الكلام الجميل ليس صحيحاً باستمرار. وأضاف في نبرة تحذيرية: إن الغزو يبدأ من الداخل باستمرار، قد يسمى وليد هذا الطابور الخامس، ولكنه هو الحقيقة.

وقبل أن ندخل المسجد استكمل قوله: استمع إلى وليد بعقل، ولكن إياك أن تخذل سالمة أو تستبدله بها. وعندما جلس في باحة المسجد، متربعاً ينظر إلى جدرانه وجيرانه، انطلق صوته دون أن يوجهه لأحد: إننا معرضون للغزو في أية لحظة. وأراد أن يقول شيئاً آخر، لكن رجلاً سأله: لماذا مدينة »الم« هدف للغزو؟ وقال أحمد العبدالله: سيحدث هذا لأنه من طبيعة الأشياء، إن الصراع قائم بين السماء وجذر النبتة، فكيف سيكون إذن بين الإنسان والإنسان؟ ألم تدركوا قصة هابيل وقابيل؟ أو كان محمد على غلط؟ ثم حذر الجميع: لا بدّ من تعلم حرفة القتال وإجادتها فالمدينة التي لا تقاتل تكتب سند موت أبنائها بدمائها.

وإذ سكت ران الصمت على الجميع. غير أن أحمد العبدالله استمر ينظر إلى أبناء جلدته، بينما انبرى صوت ليقول:

- يا شيخ أحمد، كلامك يبلبل الناس!

لم يرد أحمد العبدالله فاستمر صاحب الصوت:

- إننا أقوياء ومتوحدون.

ومرة أخرى تصرف أحمد العبدالله وكأنه لا يستمع إلى ما قاله صاحب الصوت، إلا أن هذا الأخير تساءل:

- عن أي قتال تتحدث أيها الشيخ؟

وتحدث أحمد العبدالله هادئاً:

- قل لرئيسك أن يخشى الله ويحترم البشر.

اضطرب الرجل قليلاً، فقد عرف أنه أصبح مكشوفاً لكل الذين حضروا إلى المسجد، وأن أحمد العبدالله، اختصر عليه الطريق الطويلة لتلك الأسئلة الاحتياطية التي لا تزال في رأسه. ثم قال بصوت متخابث:

- هل أقول له إن الشيخ أحمد العبدالله يجاهر ويدعو إلى احتراب أهل المدينة مع بعضهم؟ هل أقول له إن وليد الأحمد يدعو لصراع الطبقات ونكران الله؟

وبصوت أجش رنت فيه كراهية عظمى قال أحمد العبدالله: قل له، أحمد العبدالله يقول: أنا لا أخشاه.

انتفض الرجل وهب واقفاً، وألقى نظرة غامضة على أحمد العبدالله الذي عاد إلى الصمت بعد أن طأطأ رأسه نحو الأرض.

وكان ذلك مفاجأة لي، فقلت: لم تتح لي فرصة القتال. فنظر إلى الأرض مغمغماً »هكذا أنتم وراور بدون فشك. أنتم لا شيء«.

واستمر ينظر إلى الأرض. أما في ذلك اليوم البعيد، عندما التقيته بعد العشية، وكنت وقتها فتىً مغرماً بمراقبة الظواهر ومراجعة كراريس صفر عتيقة، فلم يكن ينظر إلى الأسفل. استوقفته: كان يرتدي عباءة من الوبر موشاة عند الصدر والكمين بخطوط سود متعرجة. وكان بطوله الفارع إذ رأيته يتقدم من نقطة الضوء البعيدة، مثل نخلة وحيدة في أرض يباب. لم يبال بي أول الأمر، لكنني ألحفت عليه التحية والإبصار الشزر. كان فتياً، وكان وجهه يلصف، وتبدى لي كما لو أنه طلع الآن من الحمام الشعبي، وكانت بشرة وجهه متغضنة عند أسفل عينيه. وعندما مدّ كفه إليّ وضغط على كفي، أدركت أني أصبت السلام. كان جباراً في وقفته العمودية ولمحت التماعاً في عينيه حيث يلوب فصّاهما في حركة حذرة مستريبة.

إنه أبي، وطويت الفكرة داخل فؤادي.

كنت قد عدت للحياة من جديد وقبل ذلك اندفع نحوي عدد من الغرباء وأحاطوا بي أمام بوابة داري. سألني أحدهم رغم معرفتهم بي: أنت إبراهيم؟ كانوا يرتدون ملابس شبه خضراء وأيقنت في تلك اللحظة أن حركة صغيرة مني تعني موتي. وتذكرت الحالات الأخرى المشابهة: ما إن يبدي أحد ما مقاومة عندما يحيط به رجال الثلة حتى يقتل في الحال ثم ترمى جثته تحت الجسر وسط صمت الجميع.

قال كبيرهم الذي بدا أنه يقود أربعة رجال: »تعال معنا. الرئيس يطلبك« وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها الجنرال. قادني »رجال الثلة« الخمسة من زقاق إلى زقاق حتى وصلت إلى مبنى دائرة الاستعلامات الوطنية. كان مبنى مرعباً. سور بعد سور، وباب بعد باب، وغرفة بعد غرفة.

كان أفراد الحرس بملابسهم شبه الخضراء يقفون في هذه الأماكن بدون أدنى حركة. وعندما كنا نمر خلال الأسوار والغرف والأبواب كان كبير الرجال يخرج بطاقة من أحد جيوبه ويريها لأحد الحراس الذي يحيلنا بدوره إلى آخر غيره، وهكذا وصلنا إلى بهو واسع رمادي الإنارة، حيث وقف الخمسة لحظة تركوني بعدها وحيداً.

كان البهو دائرياً، وثمة منضدة مستطيلة صغيرة بأربع سيقان صغيرة أيضاً، رأيت فوقها عصا خيزران، ودورقاً زجاجياً تتحرك في داخله حشرات سود وصفر وحمر، وإلى اليمين منها منضدة مستطيلة أطول من الأولى، أو أنها أطول بقليل من طول إنسان، ثبتت في كل ركن من أركانها العليا الأربعة سيور جلدية. وتحت المنضدتين شاهدت ضفائر حبال، وأسياخاً من حديد، وعلى الجدار الدائري للبهو كانت ثمة مسامير غليظة ربطت إلى حبال وسخة، ولطخت الجدار بقع من دم وقيح.

كان البهو ينار تدريجياً لأعاين كل هذه الأشياء بسرعة. وعرفت الآن أنني في غرفة تعذيب. كنت وحيداً بعد أن غادر الخمسة المكان مسرعين.. وفيما أنا في ذلك الوضع كنت أنتظر مفاجأة ما، وكنت أخمّن أن المفاجأة ستبرز لي من فجوة معتمة. وهذا ما حدث. رأيت العتمة تتفكك تدريجياً بضوء خافت أصبح باهراً بعد قليل، كانت هناك بوابة عتيقة مفتوحة، وكان الجنرال بلحمه ودمه يقف بلباسه العسكري وحيداً أيضاً، كنا رجلاً لرجل. نظر إليّ بعينين لا ترفان، وخطا ثلاث خطوات ثم توقف. رأيته واضحاً بما فيه الكفاية لأصفه، لكنه لم يترك لي مجالاً، فعندما رفع يده اليمنى إلى الأعلى قليلاً خرج الخمسة من البوابة العتيقة وانتشروا في البهو. كانوا بهيئة جديدة.. لبسوا سراويل طويلة وقمصاناً تكشف عن سواعدهم ووضعوا نتوءات فوق أنوفهم، وكانت عيونهم مكحولة ووجوههم حليقة وقد غطوا أكفهم بقفازات سود. ومن أعلى القبو كان نور يسطع ليحول شبه العتمة إلى نهار كامل.

تقدم الجنرال ثلاث خطوات أخرى حتى قابلني. خيّل إليّ أنه يبتسم الآونة، وكان يبدو في أوج جبروته. لم يكن رجلاً كالرجال، ولولا أنني حسبت خطواته الست لتصورته عموداَ بشرياً نصب بعناية فائقة وسط البهو. ولا أدري كم من الوقت مرّ عليّ وأنا قبالته، لأنني كنت أعيد الموقف مع نفسي، كنت أقول لذاتي: عندما تداهمك الأخطار لا تتخلَّ عن نفسك. وكنت أواجه نفسي كما لم أواجهها من قبل.

قال الجنرال: مرحباً يا إبراهيم.

وتقدم خطوة أخرى والتفت إلى أحد الخمسة الذي أحضر كرسياً صغيراً وأمرني بالجلوس. جلست على الكرسي لأشاهد الجنرال يقترب مني. كان عليَّ أن أرفع رأسي إلى الأعلى لأستكشف قسماته. ولم يكن يضحك لكنه كان يبتسم.

مدّ كفه اليمنى ووضعها على كتفي وقال: »كان يتعين عليّ أن أراك«. كانت المسافة بيننا قصيرة جداً، بيد أنني لم أجد كلمة واحدة أنطق بها. قال الجنرال: »لماذا لا تتحدث؟«.

وتراجع خطوة إلى الوراء. وعند ذلك أحاط الخمسة بي بعد أن شكلوا دائرة، ثم أحسست برأسي يدور. كنت أواجه المنضدة الصغيرة الأولى حيث شاهدت عشرات العقارب والخنافس والعناكب والديدان البيض والصفر والسود والحمر تسبح في سائل أبيض شبه معتم.

قال الجنرال: »ليس هذا مكان اللقاء بك، لكنني مضطر لذلك«.

وكما لو أنه نهرني قال: »لماذا لا تتحدث؟«.

وعرفت الآن أنه يشعر بالوحدة. وكان الخمسة قد تراجعوا إلى الخلف ليفسحوا أمام الجنرال مجالاً أوسع للحركة.

قلت: »ماذا عليّ أن أقول؟«.

قال: »قرأت قصيدتك الأخيرة.. صحيفة العزلة«.

وكان الأمر قد أرتج عليَّ ورأيت إليه من أسفل حتى رأسه. كان مهتاجاً. احمرّ وجهه، وبانت عيناه ضيقتين قليلاً وكانت جبهته متعرقة.

قلت: إنني أكتب مثل هذيان.

قال: »ليس كل من يهذي شاعراً«.

وحاولت أن أبتسم. وأشرت إلى دورق الحشرات.

وعرف مقصدي في الحال لكنه تجاهلني واستمر يقول: »أعرف أن هذا المكان شرير بالنسبة إليك، ولكنه مكان لا بدّ منه. إننا ندافع عن أنفسنا من خلاله«.

كان الخمسة قد ارتدوا إلى الجدران حتى لاصقوها، وأخذ أحدهم يعد حبلاً ويجعل منه شبه مشنقة.

كان الجنرال، الآونة يقرأ أفكاري بسرعة وقال: »أنا أكره هذا المكان« ثم أشار بيده نحو الشخص الذي كان يعدّ الحبل فتوقف في الحال وغادر المكان بخفة.

قلت: »لمَ أنا هنا؟«

قال: »لنتعارف«.

وسحب كرسياً صغيراً قدم إليه حالاً وجلس أمامي.

قلت: »لقد رأيت هذا المكان قبلاً.. تصورته في إحدى قصائدي«

قال: »ولهذا استدعيتك«

قلت: »لماذا يحدث هذا؟«

قال: »لأنه لا مفرّ منه«

قلت: »يمكن أن نتحاور«

قال: »المدن الجديدة لا تبنى بالحوار. أنت لا تعرف كم طوردنا، أتينا هنا لكي نبقى«

قلت: »ومن يطردكم؟ أنتم الآن المدينة«

قال: »ليس هذا صحيحاً كله. إننا جزء من المدينة، وسنكون كلها ذات يوم«

سألت: »لماذا؟«

قال: »لم تزل بعد لا تفهمنا، إننا نريد مدينة تفهمنا، وتعترف بذلك«

قلت: »هذا البهو.. يبعدكم عنها«

قال: »هذا ما يقوله أبوك أيضاً، ولكنكما على خطأ«

قلت: »أنتما مختلفان«

قال: »هذا ما أريد حسمه«

قلت: »كيف؟«

قال: بالعنف، لا فائدة من الحوار معه«

قلت: »الذين يدخلون هنا لا يعودون للحياة«

قال: »ليس هذا ذنبي. إنه قدرهم«

قلت: تتحدث كما لو أنك القدر«

قال: »بل أنا هو«

قلت: »وتعطي للتعذيب فضيلة«

قال: »ليس هذا تعذيباً. إنه العقاب الذي لا بد منه«

قلت: »لا تستطيع«

قال: »سترى أنني أستطيع«

قلت: »أنت تقتل نفسك«

قال: »بعد أن قتلته في داخلها«

قلت: »هذا مستحيل«

قال: »هذه حالة شعرية. إنني واقعي«

قلت: »ماذا يتبقى لك إذا قتلت الله في نفسك«

قال: »أنا«

قلت: »والمدينة«

قال: »أنا«

قلت: تضع نفسك قبالته وقبالة المدينة: وماذا تفعل بالشعر؟

قال: »سأهزمه فيك«

قلت: »أتستطيع ذلك؟«

قال: »سترى«

قلت: »ستحرق أشعاري«

قال: »لا سأجعلك تؤمن بي«

قلت: »هذا مستحيل أيضاً«

قال: »ستعرف ذلك عندما تصعد إلى تلك المنضدة«.

وأشار إلى المنضدة الصغيرة بيده فتلقفتني عشر أذرع ووجدت السيور الجلدية تسمر جسدي كله إلى المنضدة. صرت مسماراً فيها. وكنت أحس اقتراب القارعة، وكان كل شيء يشبه حلماً، إذ إن رأسي داخ بشكل مفاجئ، ولم أدر إن كنت في البهو أو في مقبرة سرية تحت الأرض، كانت المنضدة الصغيرة تهتز بطيئة ثم أخذت ترتج، وصارت الارتجاجات تضرب رأسي بعنف والسياط والأسياخ تلسع جسدي مثل حبات مطر ناري، ثم توقف الارتجاج وإذ ذاك دلقوا الدورق على صدري، وأخذت العناكب والعقارب والديدان ذات الألوان المختلفة تدب قرب رقبتي وبطني وتحت إبطيّ وكنت لا أملك إلا الصراخ. ولم تبقَ كلمة واحدة داخل فؤادي إلا وأطلقتها كالعواء.

كنت أتيت إليه من جنوب المدينة، حيث يقع بيتي، لأراه من بعيد كما تعودت ذلك منذ أربع سنوات، لكنني إذ رأيته يطلع بطوله الفارع من نقطة الضوء البعيدة، في مشيته الجبارة، انخذل قلبي وأسرعت أسير إلى جانبه.

قال: »غريب؟«

قلت: »لا«

قال: »كأنني لم أرك قبل اليوم؟«

قلت: »أنا أراك دائماً«

قال: »لماذا؟ ماذا تريد مني؟«

قلت: »ربما لأنك.. ربما لأنني أريد محادثتك«

قال: »لماذا؟«

قلت: لأشعر بالأمان

قال: ومن أخبرك أنني أشعر بالأمان؟

قلت: أستغفر الله العليّ العظيم.

توقف في الحال وأرسل بصره نحوي: لقد رآني الآن بعيونه التي لا تحصى، وهتفت في داخلي: إن قلبه يراني بكليتي، فابتسم في وجهي ووضع يده على كتفي وقال: »لعن الله العمر. أنت إبراهيم، إذن، كيف نسيت هذا؟«

كان الغبار خفيفاً في ذيل الزقاق الذي وقفنا فيه - حدث ذلك في مساء صيفي - وكانت روائح البنفسج والنارنج والرطب والأرض السبخة تشتعل في ذلك الليل المقمر.

وشعرت بالفرح لأنني استوقفته: لقد أعلنت انتمائي له، وازداد فرحي لأنه حدثني، فقد كان في الأيام الأخيرة لا يقف مع أحد ويشك في كثيرين من أبناء بلدة أبيه، خصوصاً بعد أن اختفى وليد الأحمد بتلك الطريقة الغامضة، غير أنه ركّز فيَّ عينين متوقدتين بعد أن سألته: لماذا تقول: »أنتم وراور بدون فشك«. مال إلى الأمام قليلاً ثم سعل واستراح لحظة واستدار دون أن يبادرني بأية كلمة.

ولأنه فاجأني بقيت منشدهاً في مكاني، أنظر إليه يسير متطاولاً ومنكفئاً كما لو كان سيقع على وجهه في الخطوة التالية، فأيقنت أنني أضعت فرصة العمر، لأن الرجل أراد أن يقول شيئاً أو أنني لم أكن شجاعاً بما فيه الكفاية لأستل منه ما كان مضموماً في صدره، فأعطيته قفاي وسرت أنظر إلى الأرض، وكان العريف الذي نزع شاراته الثلاث من عضده الأيمن ينظر إلى الأرض تارة وأخرى إلى الأشكال الأفعوانية التي صنعتها نيران الحرائق، مأخوذاً بهول الذي حدث. كان - حينئذٍ- لايني يبربر أو يطلق أصواتاً مهمومة »ضاع كل شيء«.

وكنت مثله فعلاً أحس بضياع كل شيء، بيد أنني تذكرت سالمة: خرجت من بيت أحمد العبدالله حاسرة الرأس، بدشداشة حمراء، وهي تعيط: الأطفال، إنهم يقتلون حتى الأطفال.

كانت تمسك بعصا من جريد النخل وتلوح بها نحو السماء، عارية الصدر، حافية القدمين، كما لو أنها خرجت بأعجوبة من بين أيدي زمرة من الجند الهمج المتوحشين، وتحول صوتها الرقيق والحلو إلى كل ما هو تعبير عن الغضب، وعندما رفعت ذراعيها إلى السماء، كما لو كانت تباهل ، ودفعت بأحد الأطفال نحو الأعلى، ثم عادت وتلقفته وقربته إلى صدرها العاري، أدركت أنها تعاتب الله، وتنادي على أحمد العبدالله، وتندب وليد الأحمد، وتتهم دائرة الاستعلامات الوطنية.

وبعد، عندما كبر بطنها، لم تخف الحالة الجديدة، كنت لا أعلم عنها إلا القليل، بيد أن الناس الذين هربوا إلى المدن المحيطة بأرض »الم« انقسموا إلى فريقين، قال الفريق الأول: هذا حمل حرام، فمن يكون والد الطفل؟ لا بد من إجهاضها. وقال بعض الفريق الثاني: هذا هراء في هراء، سالمة اغتصبت، وهي إذ تربي الطفل بدءاً من أحشائها فإنما لتؤرخ القتلة. وقال هذا البعض بلسان عدد من الشيوخ الطاعنين في العمر: ربيبة ملكة تعرف كيف تتصرف مع الزمن، إنها تخلط بين البشري والإنساني.

وكان أحمد العبدالله يسمع هذا الذي يقال عنها فيستمر في إيقاد نيرانه، أما أنا فقد كنت أتصرف وكأنني لا أعرف.

- أنت لا تعرف؟

- تقصد سالمة؟

- ومن غيرها؟

- أعرفها جيداً؟

وسألني مرة أخرى: أتوافقها على هذا الذي فعلته لقد أبقت على الطفلة حيّةً؟!

- نعم، لا ضير في ذلك.

- أجاد أنت؟

- كل الجد.

وبعد ذلك كنت أرى الطفلة تكبر وتترعرع، وغالباً ما كانت ترفعها إلى الأعلى كأنما تريدها أن ترتفع إلى كبد السماء في الحال. ولم تكن سالمة متدينة ولم تخالف أباها أو تخرج على طاعته. وهكذا إذ رأيتها تعيط: أين أنت يا أبي، ويضيع صوتها في الضجيج والصراخ والعويل، أدركت أن أحمد العبدالله يسكنها وأنها تتقبله. كانت متوحشة فعلاً وتقاتل بطريقة استثنائية، تنتقل من مكان إلى آخر تحمل أكياس البارود وصناديق العتاد وطناجر المياه، وتزعق بين آونة وأخرى: أين أنت يا أبي، وتخيلت أنها تريد أن تشكو له أمراً ما، بينما كان أحمد العبدالله يقف قرب النهر يعاين السماء وينهرها بجريدة سعف النخيل وهو يدمدم: لهم السلطة ولنا العرفان .

غير أن الغزاة كانوا أسرع من أية نجدة سماوية فهم جاءوا من السماء أصلاً، أو هكذا رأيت بدايات الكارثة.

وفي الضفة الغربية كانت الصورة أمامي مثل حلم: نزل المطر مزناً، مرذولاً، مثل مزن الطلقات التي فاجأتنا، ولم تكن الأرض تستقبله بالمودة التي نعرفها رفضته كما يرفض الوليد صمغ الحليب الذي ينز من حلمة ثدي أمه بعد ساعات على الولادة، وكما يكون الثدي المتورم متسخاً بذلك السائل البني، كان الاتساع الأرضي أمامي يبدو قابلاً للوصف: اتسخ الطين بامتدادات هلامية وأشكال كبدية من الدماء والأمعاء المقطعة والأجساد التي بلا رؤوس والأرجل والأذرع المرمية هنا وهناك، وتناثرت خوذات الجنود وشارات الضباط الملطخة بالطين. ومن خلل الأبخرة والأشكال الأفعوانية للهب والدخان رأيت مئات الجثث تتمدد بوضعيات لم تخترها، وخيوطاً من الدم بين مفاصل أصابعي وفوق ملابسي. وكنت أفكر في وليد الأحمد. وللحظات تصورته في أحد بيوت المدينة يقود المقاومة من هناك. ذلك حلمه، قال لي: سترانا ذات يوم، سنقف وحدنا بوجه الغزو عندما يهرب الجميع.

إنني مثل أحمد العبدالله كنت أتوقع الغزو بين يوم وآخر، ولكننا سننكسر في المعركة، حساب القوة مطلوب ولا نزال ضعفاء في مواجهة قوة الغزو المرتقب، سيهجمون بأعداد أكثر منا، سنكون مثل قطرة في بحر، وبأسلحة لم نكن نفكر في قدرتها التدميرية. إنها ليست قوة فقط ولكنها حضارة، بيد أن الأنصار سيقاومون، أنا أعرف ذلك، وستجد نفسك وأحمد العبدالله وسالمة في صفنا، إن الله لن يخذلكم كما تفكرون، بيد أن قوة الغزو ستجعلكم تحسمون موقفكم في الحال: إما معنا أو مع أولئك التجار والمضاربين والموظفين الكبار الذين سيلجأون إلى مبنى دائرة الاستعلامات الوطنية أو يهيمون على وجوههم في البراري. إنني أعرف حربي مقدماً ولا أقدم أسلحة جديدة، ولكنني سأقدم رؤيتي للمستقبل، وسيكون الأنصار هم المستقبل.

وكان الأنصار حديث كل بيت في المدينة، كانوا يظهرون أمامنا وكنا نعرفهم من حديثهم، لم يكن لهم زي خاص كما كان لرجال دائرة الاستعلامات الوطنية، كما لم تكن لحاهم طويلة، فقد كان هؤلاء الذين يرتدون ملابس قصيرة عند الساقين واليدين تميزهم لحاهم الطويلة، كانوا شباباً بمظهر الشيوخ، وكان وليد الأحمد يقول: هؤلاء سيقاتلون الغزو أيضاً. ويقول: هؤلاء المندفعون سيقبلون على الموت في الأرض بأمل العروج إلى السماء. إنهم مثلي يؤرقهم افتقاد العدالة في هذه المدينة ولكننا نختلف عنهم. إن الأنصار يرون السماء جميلة حقاً لكنها لن تتدخل في القتال عندما يتم الغزو.

كان يتحدث إليّ وكأنه يرى معركته القادمة. ولم يكن يظهر أي أسى، كان يعرف الخسارة مقدماً ويقول: الحرب هي التي ستجوهر الكثيرين، وسيعرف هؤلاء أن حربي ستأتي ذات يوم ولن يهزم فيها الأنصار على الإطلاق، سنعود إلى »الم« بعد أن تكون قد تخربت، سنراها أطلالاً لكننا سنعيد بناءها: هذا هو قدرنا، إننا ننشئ المدن الجديدة في الأرض وأنتم تعيدون بناء »الم« في السماء«.

وكان ذلك مبعث دهشة كبيرة لي، وكنت كلما أتابع أنباء الأنصار أتوقف على أمور أكثر إدهاشاً، إذ إن المدينة تكاد أن تضيق بهم رغم عدم معرفتنا بعددهم، وكلما ازداد حضور رجال دائرة الاستعلامات الوطنية في الأسواق وعند مفارق الشوارع وفي نهاية وبداية الجسر كان الجميع يتوقع شيئاً ما، وكان ذلك يرتبط بهؤلاء الأنصار. وبات مألوفاً بعد ذلك أن المرأة التي تريد أن تنيم ولدها الرضيع تقول له زاجرة: »أسكت وإلا جلبت لك أنصار ابن أحمد العبدالله«.

كان ذلك لا يؤلم وليد الأحمد ولا يخيفه وإن كان يجعله يشعر بشيء من الأسى يحاول أن يبطنه، وعندما أسأله عن هذا الأسى يقول: »لا عليك سوف يتغير كل شيء وسيظهر الأنصار ذات يوم ويتعلق الناس بهم، وسوف تسمي كل أم وليدها الجديد بأحد أسماء الأنصار.

وقد ظهر الأنصار قبل ساعات، خرجوا بالسكاكين، والقامات والبنادق القديمة، ألقت بهم الشوارع والبيوت كالمرأة ساعة الطلق، واتجهوا إلى تلك المخلوقات البشعة. وكانت سالمة في ذروة نشوتها وهي تراهم يصرعون واحداً بعد آخر. كانوا قلة لكنهم أحدثوا صخباً حقيقياً في المدينة، وقال أحمد العبدالله: أولاد الكفرة.. إنهم يقاتلون ببسالة.

وكنت اتجهت إلى وليد الأحمد مباشرة حيث كان يدير المقاومة من مخبئه. قلت له: يجب أن ينسحب الأنصار.

قال: سيكون هذا في وقته المحدد.

ولم أعرف الوقت المحدد طبعاً لكنه كان واضحاً في ذهن وليد الأحمد. قلت له: هذا انتحار، الأنصار يقاتلون بضراوة. قال: هذه ساعة اختبارهم.

وكنت أرى ثلاثة منهم يهجمون على مجموعة من الغزاة ويشتبكون معهم في معركة خاسرة أصلاً، وكانوا يصرعون سوية بعد أن يكون رصاص الغزاة قد قددهم، حتى حدث ذلك المشهد المرعب: أحاط الغزاة بعدد من الأنصار بلغ خمسين رجلاً، كانوا شباناً، لقد تعرفت اليوم إلى أسمائهم وعائلاتهم واحداً فواحداً، كانوا من الفقراء والطلاب والمدرسين والجنود وقد اصطفوا متقاربين بخط مستقيم، وفي المنتصف وقفت ثلة من الغزاة صوبوا بنادقهم سريعة الإطلاقات نحوهم. وفجأة دوى صوت الرصاص، وأخذ الأنصار يسقطون نصيراً إثر نصير، وهم يصرخون بأصوات مخنوقة: الحياة لمدينة »الم« يحيا وليد الأحمد.

كان ذلك مفاجأة للجميع، خصوصاً أحمد العبدالله الذي قال لي ونحن نتجه إلى الخربة: يا للكفرة إنهم يموتون كما لو كانوا مسلمين في أحد.

واعتبر وليد الأحمد ما قاله أبوه بمثابة شهادة. قال لي: لقد أدرك أحمد العبدالله حقيقة الأنصار، وأن عليه أن يندم كثيراً لأنه لم يضع يده في أيدينا.

وقال أحمد العبدالله: ليكن ما يقوله وليد الأحمد صحيحاً بيد أن مخلصي ليس من الأنصار، إنه هذا الذي تحبل به الطبيعة وسيأتي من الكعبة المشرفة، حيث يتبعه الناس إلى باب الله، وعندما يحدث هذا قد لا يكون وليد الأحمد موجوداً، لكن أنصاره سيعرفون أن كشوفاتنا ليست رجماً بالغيب.

وقال وليد الأحمد: نحن الوقود وسيظهر كثيرون يحتطبون حربا باسمنا لكننا سنكون موجودين أكثر مما تراه اليوم.

وكان ذلك تاريخاً حقاً، فكل شيء صار الآن خراباً. والمدينة أوشكت تماماً أن تستكين للغزاة ، لكنني أثق أن وليد الأحمد سيزوغ منهم، وقد يكون الآونة بين مجموعة من الأسرى دون أن يتعرف إليه الغزاة. وكانت سالمة تشاركني أفكاري وتقول: ها هو وليد الأحمد يخسر معركة لكنه دفع بالأنصار إلى كل فرد في مدينة »الم« وقد يكون هو المستقبل.

وكان الجندي ابن التاسعة عشرة ينظر إليّ مثل ميت ويومئ إليّ ليأمرني بالسكوت. كان خائفاً ومقذوفاً إلى مسافة أبعد من الخوف ذاته، لقد رأى الموت يقبل نحوه وها هو يرتضيه دون أن يفكر في أية قضية أخرى.

ولم أكن أقاتل في ذلك اليوم، كنت أصطدم بالمقاتلين أو أقع على جثثهم، ولم أكن أحمل أي سلاح في يدي فالأسلحة كانت ممنوعة بأمر من دائرة الاستعلامات الوطنية، حتى في ثكنة الجيش التي تقع في بساتين المنطقة الشرقية، كانت باردة، ودون أي عتاد، غير أن موت أصحاب الوجوه التي كنت ألاقيها يومياً جعلني أؤكد لنفسي هذا الرأي: ذات يوم سوف أقوم بتسجيل كل تاريخ هذه المدينة المنكودة.

وكانت جريدة سعف النخيل لا تزال في يدي، وأنا أحط بعيني أخيراً على وجه أحمد العبدالله، فتفادى نظراتي والتجأ إلى الأرض. قلت له: هذه ليست عزاء، وهززت الجريدة في وجهه، فانطوى على نفسه وتحصن بعباءته وأخرج لفافة متسخة وأخذ يدخن. كان وجهه مصفراً، وما زال القذى في أمواق عينيه.

توقف الصوت الرقيق الناعم والحاد حدّ القتل قبل لحظات، ولا أدري من الذي منحني تلك الجرأة لأن أنصب مجلساً لمحاكمة: إننا مهدمون فهذا الخراب لمدينة »الم« التي تشكلت على امتداد عصور موغلة في القدم لم يكن ليتم بهذه السهولة لولا الجهود التي تضامنت جميعها على إلباسها ثوب الذل، كان العريف خائفاً مرعوباً، وكانت ملابسه رغم اتساخها لا تزال أنيقة. وقلت في نفسي: إن الجنود الذين يهربون من الخدمة باستمرا ر، وتسلط رجال دائرة الاستعلامات الوطنية على رقاب الجند، له باع كبير في خلق هذه الجريمة، وكان أحمد العبدالله يتابعني حتى خلت أنه يقرأ أفكاري فصرخت فيه: وأنت.. ماذا فعلت..؟ لقد كنت تهوّم فقط وتتحدث، كحديث المسجد، دون أن تتعلم حرفة القتال.

كنا نحن الثلاثة أبلغ ذرى المأساة تحققاً، ولم يخطر لي كيف التقينا، هل إننا نجونا لأننا هربنا، أم لأن الرصاص كان قليلاً إزاء الأعداد الغفيرة من الرجال والجنود والشباب الذين تجمهروا عند رقبة الجسر الوحيد الذي يقود إلى الضفة الغربية...

وعند هذا المكان، يميناً أو شمالاً تنتشر المقاهي الصغيرة، ويتجمع باعة الأرصفة، ويعرض قرويون يأتون من أمكنة بعيدة البيض والدجاج ومساحيق التجميل الشعبية. والمساومة وحدها بين رجل ورجل وامرأة وأخرى، سرعان ما كانت تتحول إلى علاقة. علاقة كبرت واتسعت شيئاً فشيئاً لتترك آثارها على كل عوائل المدينة. وشاهدت المدينة بعد ذلك ظهور وسطاء في البيع من أهلها، وأخذ مواطنون يقفون عند رقبة الجسر انتظاراً لمن يقودهم إلى العمل، وفي غمرة حركة واسعة من البناء والبيع والشراء. ظهر العسس والشرطة ونما العرف ليتحول بعد ذلك إلى قانون، وهكذا ولدت مدينة جديدة في رحم مدينة هانئة مطمئنة تأسست بين دق أوتاد بيوت الشعر وحفر لحد »الم«.

كانت مؤسسة جديدة: مدينة، أو مملكة للذباب وللباعة المتجولين وطلاب المغامرة، تترامى على الضفة الشرقية للنهر، غير مكترثة بهذا الذي يجري لها، بل إنها قبلته، وزاحمت الغرباء على الأرصفة التي تطورت إلى دكاكين، وأخذ العسس يمنعون أي قادم غريب من دخول المدينة إلا بإجازات مرور خاصة.

وكانت مدينة »الم« فرحة بهذا الذي يتم، وصار شيخ المسجد يطنب كثيراً في مدح أولئك الغيورين من أبناء المدينة الذين يتبرعون بترميم ما يتهدم من حيطانها. وكان أحمد العبدالله إذ يذكر ما يقال له عنها يردد محزوناً: مدينة »الم« لا بد أن تغادر موقعها الأول، هذه هي طبيعة الأشياء وعندما ظهرت مجموعات كبيرة من الفئران تحت الجسر القديم لم يعرها أحد أي اهتمام.

وفي يوم تالٍ عندما كان الناس يراقبون فيالق الفئران تحت الجسر تعترك فيما بينها، لم يبدوا أي تعليق غير أنهم مدوا رقابهم إلى الضفة الغربية، عندما ظهر أحمد العبدالله وإلى جانبه طفلة لم تتعد العاشرة، سوداء العينين دقيقة الأنف. كانت تلك »سالمة« التي كثيراً ما كانت ترافق أحمد العبدالله قبل أن تبلغ الرابعة عشرة، وبعد تلك السنة لم تعد تخرج معه في نزهاته المعتادة في سهوب الضفة الغربية، وفضلت أن تبقى في بيته الذي يشرف على المدينة، فوق تلة ترابية متماسكة، في القسم الشمالي من قسمها الغربي..

وعند هذا المكان، كان يمر، أيضاً، موكب العزاء التقليدي الذي يستمر طيلة شهر محرم، حيث يكسر الناس الجرار عند عتبات البيوت، ويوزعون عصيدة الحنطة تقرباً إلى الله، في حين ينشط باعة الأرصفة. وأصحاب الدكاكين، وتكثر الوجوه الغريبة في المدينة، ولم يشاهد أحد من الناس أحمد العبدالله يسير في أي موكب عائلي، كان يسير مع فرق المواكب جميعها، مع ابنه وليد الأحمد، على الرصيف، متثاقلاً، ومهموماً، يكاد ينكفئ على الأرض. ثم لما اختفى الشاب في ظروف غامضة، ظهر في حولين مع سالمة، ثم دأب على الظهور وحيداً في الأحوال التالية لكنه كان يتقرب من تجمع نسوي تتوسطه »ملكة« بثيابها السوداء، وفتياتها الثلاث يحملن صواني الشموع من حولها، وهي ترفع صوتها بالبكاء والعويل وطلب المغفرة.

لقد نبتت »ملكة« في أزقة مدينة »الم« مثل زهرة برية عندما وفدت مع مجاميع الباعة الجائلين واشتغلت ببيع الحناء وقشور الرمان المطحونة، ثم ابتاعت منزلاً قريباً من سكن أحمد العبدالله، لم تكن أنواره تطفأ حتى الصباح.

قال عنها الجيران إنها تأوي إليه الغرباء. وقال البعيدون عن بيتها. إنها تجالس صيادين ومتعاطي أفيون يمضون الليل في ضحك وعويل وثغاء، ولم أكن أرى شيئاً جديداً في »ملكة« قبل أن تموت سوى أنها كانت تنظر إلى وليد الأحمد بحب غامر. كان في تلك السنوات، صبياً صغيراً، اعتاد أن يلازمني، وعندما نمر من أمام بيتها كان يدير بصره عن بابها.

وفي ذات يوم بعد أن كبرنا سألني وليد الأحمد: لماذا كان أبي يتردد على بيت ملكة؟

عندما شاهد بعض سكنة الحارة أحمد العبدالله يدخل بيت ملكة لأول مرة التقت أعينهم بصمت، ثم لما رأوه مرة ثانية وثالثة استكثروا عليه أن يؤم بيتاً موبوءاً.

غير أن أحمد العبدالله لم يعر اهتماماً لكل ما كان يقال، لذلك كان ينظر إليها من الجانب الثاني، مجللة بالسواد، في موكب محرم التقليدي، دون أن تبدو عليه أمارات الكره أو المحبة. كان يمشي بكامل جسده، أما عيناه فقد كانتا شاخصتين، تتقريان شيئاً مستريباً، أو غير قابل للإعلان، أو حتى مجرد التلميح كان خائفاً مثل من ينتظر وقوع فاجعة، وفي تلك المواسم سمعه بعضهم يردد لنفسه: مدينة موت...

ومع الموت الذي شخص عند رقبة الجسر، كانت كل التفاصيل فائضة وغير ضرورية بالنسبة لنا ونحن في هذا الموقف، مع أنها تظل الإمكانية الوحيدة المتاحة لوصف ما تم في ذلك اليوم أو إيجاد تبرير له، ولكنني سأظل أتساءل ما قيمة أي تبرير يترادف مع القتل... ولماذا كنا نحن هدف القتل..؟ إن الدهر الذي عذب أجداد »الم« وحده هو الذي يقدم جواباً شافياً.

وكنت أناقش في وحدتي الأخيرة، وأنا أرى سالمة قد تجاوزت الثلاثين والطفلة الصغيرة تلعب أمامها: إن كل شيء في حركة وتنافر وتجاذب، وعقل هذه الحركة والتجاذب والتنافر وحده يستطيع أن يرى الأشياء بوضوح، إن العدالة لا يمكن أن تكون خارج الجريمة، وأحياناً أقول: كل شيء وهم مادام كل شيء يحمل معه ألغازه، إن القرى القديمة تعرضت إلى إبادة، مرة بالصاعقة، ومرة تالية بريح عاتية، وكانت النار تطهيراً لمدن أخرى تلفت. غير أن مدناً جديدة كانت تنبت، وعروقها تمتد بعيداً في ذلك الهشيم الذي خلفته المدن المبادة، وهكذا يرتبط الموت بالحياة وتكاد أن تكون الحياة هي الحالة المؤقتة، بينما الموت هو الحقيقة الوحيدة الخالدة. لذلك فإن دورة الزمن عادت من جديد وتوقفت عند مدينة »الم« ثم إن هذه المدينة لا بد أن تكون قد قامت بفعل الموت تجاه مدن أخرى، وقد يكون ذلك بصيغة أخرى، ترى.. لماذا كان الناس الغرباء يقدمون إلينا دون غيرنا من المدن..؟

إن مدينتكم خميرة،

سمعنا هذه العبارة منهم ولم نعرها انتباهاً أول الأمر، بيد أننا بعد ذلك فهمنا ما كان يقصده، هؤلاء الغرباء الذين جاءوا فجأة. لم يجوعوا ولم يتجولوا في موكب محرم التقليدي، لقد التجأوا إلى بعضهم بطريقة محسوبة مقدماً، عملوا في مناطق متباعدة لكنهم كانوا يتصرفون كالمتفقين، وعندما أطلقوا على »الجنرال« لقب الجنرال فعلوا الذي فعلوه دون أن يعتبروا أننا كنا موجودين، لقد كانوا هم الأصلاء ونحن الذين لا بد أن نكون كالنوق في آخر القافلة، وكانت تلك هي المحنة الحقيقية في حياة أحمد العبدالله. وهو أكيد في ذلك الظرف الدقيق من حياة مدينة آبائه.

كان الأمر الأكثر إيذاء لنفسه عندما يرى أبناءه ينقسمون إلى فريقين، ويفسحون المجال للغرباء يتسربون بين الجلد والعظم، ليلبدوا بين مسامات أرواح الناس. الفرقة، نعم الفرقة، وربما قرع وليد الأحمد كثيراً، ولربما وجد فيما يقوله وليد عن انقسام المدن شيئاً ذا بال، غير أنه فضل نسيان كل الذي يعرفه لينظر إلى الجنرال الغامض يعيد تشكيل المدينة بنظراته الساكتة والمعبرة عن الصمت في أرقى صوره.

كانت أياماً لا تعاش، لقد جاء الغرباء من دون موكب محرم حتماً، وأقاموا في الجانب الغربي وأخذوا ينحتون في صخور نقلوها على دوابهم ويقيمون أبراجاً تتطاول حتى عنان السماء، ويبنون تجمعات سكنية أنموذجية قرب مرقد »الم«. لم يكونوا يتجاذبون أطراف الحديث في ليالي الصيف والشتاء على حد سواء، كانوا يجيدون الصمت ويتلذذون بكل الألغاز التي يطرحها الصمت المتواصل، وقلنا حينئذٍ، إنهم قوم مطاردون، وقال بعضنا بعد ذلك لنفتح أمامهم جسر الشرق والغرب وعبروا إلينا فعلاً من الغرب، وبقي قسم منهم يبني بيتاً أو سوراً أخذ يكبر سنة بعد سنة حتى صار فيما بعد ذلك البناء الذي خفناه كما نخاف ساعة الحساب، كنا نقدم لهم الحياة الرخيّة، بينما كانوا يقدمون لنا بدايات الموت.

والذي حدث قبل أن نصل إلى هذه الخربة كان يمكن أن يحدث في الكوابيس فقط. كان الصباح مثل أي صباح آخر تستقبله المدينة، حيث اعتاد أحمد العبدالله أن يذهب قبل أن يطلع الفجر إلى المسجد - حينها يكون الصباح جنيناً، والريح الخفيفة المحملة بروائح الأرض والحيوانات والبشر والزهور البرية تنزلق على الأرض الحصباء من الضفة الغربية، لتدخل بيوت المدينة، بيتاً بيتاً، وتترك تأثيرها السحري، على مهود الأطفال الرضع المغطاة بملاءات زرق وحمر وخضر وبيض، وييمم وجهه شطر الكعبة.

كانت صلاته وقوفاً دائماً، وإذ رأيته - حدث هذا قبل عشر سنوات - يسبل يديه مع استقامة الجسد ويرفع رأسه نحو السماء، خلتُ أنه يتحدث إلى وجود يعرفه منذ زمن سحيق، ويخاطبه بلغة التصادق ولهجة المعاتب، مع أن شفتيه لا تتحركان إلا بالخشية. وجسده يهتز إلى اليمين والشمال مضطرباً مأخوذاً وهو يقول »إياي.. إياي من الكبيرة« ثم يحني قامته ويبرك على الأرض ويسجد، لم تكن سجدة بشر، كان يبدو كما لو أن جسده يرسم قوساً هائلاً. مثل القوس المزهو الذي ينفتح من أسفله مباشرة باب المسجد. ثم يهمهم ويكرر همهمات تتخللها أحياناً، كلمات مفهومة »فرحي.. أنني أعرفك. وعذابي أنني أعرفك وتعرفني، يا هو أنقذني من حبك، ويا أنت أنكرني حتى أمتحن في إنكاري لك فأنا فيك أول المبتلين وآخرهم..«.

وتعود الهمهمة غير المفهومة، العتاب الذي يتبين من النبرة والصمت ، الخوف الذي يشي به الصوت، الاقتدار الذي لا يعرفه إلا الصوت.. وكما لو أن الهمهمة أوصلته إلى ما كان يريد أو كشفت له ولها عزاءه الوحيد، يخلد إلى الصمت. فأحس به مثل جزء من جزيئات إحدى طابوقات أحد جدران المسجد، حاضراً في وجود غائب. وغائباً إذ الشمس تشرق على جدار متماسك مزين بآيات من القرآن الكريم، أو ببقايا رايات سود وحمر وخضر وبيض، تحولت إلى مزق صغيرة بعد أن مرت عليها الأعوام، وكان الصباح - آنئذٍ - لا يزال جنيناً يتنفس هواء الليل الذي قارب الرحيل مترقباً تلك اللحظة الفريدة ليضيف يوماً آخر إلى تاريخ هذه المدينة التي تكونت على ضفة نهر صغير، يشهد معها تقادم الليل والنهار، يتسع باستمرار ويتسع ويتغير مجراه، فتظهر فيه جزر صغيرة، ررملية، أو طينية، نبت فيها العاقول، ونمت فيها الزهور البرية والقصب وسكنتها طيور غريبة، مثلما التجأت إلى أدغالها الكثيفة حيات وخنازير وبنات آوى وكلاب سائبة وخيول مجذومة.

ولكن عندما يبدأ الخيط الأسود يفترق عن الخيط الأبيض، يغادر أحمد العبدالله المسجد، ويستمر صاعداً مع ارتفاع النهر، تتطاير ذؤابات كوفيته في هواء خفيف تموج وسط النهر، وتدخل البيوت الطينية بيتاً بيتاً، ولم يكن أحد غيره بقي محافظاً على هذا التقليد: الذهاب إلى المسجد في هجيع الليل، ومغادرته قبل أن يفترق الخيط الأبيض عن الخيط الأسود.. ومع الخيط الأسود الذي انفصل عن الخيط الأبيض تنفست الأرض وتثاءبت الخراف. وأيقظت الأمهات الزوجات الصغيرات ثم أُوجرت التنانير.. بعد ذلك كان الأطفال يجلسون عند عتبات البيوت، أو يدرجون في أحواش البيوت بينما كان الشبان المتزوجون حديثاً ينامون خليي البال بعد نهار من العمل الشاق وليل من الاتصال الجنسي المتقطع...

صباح... لقد كان ذلك زمناً ماضياً، لا يستطيع استحضاره إلا من عاش هذه الأيام. إن الذاكرة منقع للعذاب وللمسرات أيضاً. بيد أنها لا تتخلى عن ماضيها. إن الصباح، ماضٍ كذلك، وهو رديف حقيقي لتلك الوقفات المتأملة عند شرائع الأنهار والأسئلة الكثيرة عندما يتساقط حب الطلع من أعناق النخيل المتطاول. كما أن هذه الذاكرة لا يمكن أن تنسى كيف توسعت دائرة الاستعلامات الوطنية سوراً بعد سور، وغرفة بعد غرفة، وذلك العمل المثير للشبهة الذي يمارس بداخلها. لقد اكتشفت مع بزوغ أحد صباحات المدينة جثة مرمية عند رقبة الجسر، كانت جثة مذبوحة من الرقبة، وضعت فوق صدرها ورقة زرقاء كتب عليها التحذير التالي »إن سلطة دائرة الاستعلامات الوطنية أوسع بكثير من مساحة المدينة ومجالها الحيوي«.

وعندما ظهر »الجنرال« على جواده الأشهب وعبر الجسر ارتد أصحاب الدكاكين إلى الداخل، وبينما ظل هو يسير الهوينا لا يلوي على شيء ولا يسمع إلا وقع حوافر جواده فوق أرض حصباء معتكرة. كان ذلك في الساعة السادسة صباحاً من يوم بعيد. لكنه ظل مخزوناً في ذاكرتي ولا يرتضي الانفصال عنها...

وفي الساعة السادسة توقف الصباح توقف تماماً عن أن يكون صباحاً أو ليلاً أو ظهراً أو عصراً وسمعت صوتاً يعلو: هذا يوم الحشر، ومع ذلك لم يكن هذا الإعلان ينطوي على أية غرابة. فقد لاحظت مع شيء مع الدهشة، أن ذلك الصباح كان زمناً لم نألفه، ولم أعش أو أشاهد صباحاً مثله فيما بعد.. ففي ذلك الوقت هبت ريح دافئة، ما لبثت أن تسخّنت بعد قليل، واهتاجت الزرازير »وعاد الصوت يعلو: هذا يوم الحشر« والعصافير وطيور الفاخت والغربان، وقوّق الدجاج وصرخت الديكة وبدأت أرتال الهوام وأسراب الديدان تبرز من شقوق جدر الغرف المبنية بالآجر غير المفخور، ثم ظهرت حيّة سوداء الظهر، بيضاء البطن، في بيتنا. واختفت في الحال بعد أن وقفت على ذيلها، وبرزت الفئران من مخابئها في البيوت. أما في الضفة الغربية من النهر، والشاطئ الغربي منه، فقد تكومت آلاف الفئران الملطخة بالطين تعترك وتصيء.. بينما كان دخان يتصاعد من بيت أحمد العبدالله..

وحده كان أحمد العبدالله في بيته، في مخدعه، في الطابق الثاني، يطلّ من كوّة صغيرة على الشمس القادمة من الشرق، ولم يكن جذلاً أو مكترباً، كان ينظر إلى البروزات المنحنية في الجدر الطينية والأفق البعيد، أقواس كبيرة وقويسات متناهية الصغر، في سعف النخيل وأجنحة العصافير ودورات الهوام، أفواه الأطفال وسورات المياه في النهر الذي يجاور بيته، وكان يحس أنه قريب من هذا الذي يحدث كله، وداهمته في الحال فكرة أخرى: إنني أمتلك براق إسرائي ومعراجي، وتراجع قليلاً، إلى الخلف فسمع الصوت الرقيق الناعم والحاد حدّ القتل، ثم رأى صورته في الغيمة الصباحية التي تسوقها الشمس البكر، مترامية الأطراف، مترفعة حدّ الكبر ومرتفعة حتى لا يمكن أن تُطال، وقال: ذلك هو قلبي، لا شيء أكثر أولوية من القلب حتى إن العقل يبدو منفذاً كريماً لما يتطلبه هذا العضو الصغير.

ثم مرق البراق من أمام عينيه كان مسرجاً وحاضراً للرحلة.. مترفعاً في مشيته الهادئة الواثقة، لا، لم يكن يمشي، كان ينساب رقيقاً وناعماً. وجود أثيري: هو ذا إسرائي لأنني تطابقت إذ نظرت إلى عيني بقلبي، ولم تكن نفسي لوامة، فهي الآن مع الغيمة لطيفة بلا حركات، شاردة لكنها تقترب من الأرض لم يلتم فوق ظهرها غبار، منطوية على هذا الاحتواء للفرح والسعادة.

وراقته الفكرة، غير أنه لام نفسه في الحال وقال: »يا رب الكافرين وربي« ولم يسمعه أحد، كان الصباح يسوق الغيمة إلى حيث تقابل كوته، غيمة بيضاء، تدور حول نفسها، كما لو أنها تتمزق، فتنجذب إلى الداخل، والخارج، إلى أعلى وأسفل، وكان قلبها في الوسط يعترك مع أطرافها السائبة.

ولم يكن أحمد العبدالله أرضياً بما فيه الكفاية، كان يلمس أرضيته في تلك الهجرات الليلية إلى بيت »ملكة« فيلقاها تطرق ساهمة، فاتحة زيق ثوبها ليظهر ثدياها، فترفع إليه عينين ساهمتين، وتقوم على قدمين واهنتين، فيطيل النظر إليها. لا، لم يكن ينظرها، إنه يعيد هذا الشخوص الجسدي لامرأة في الأربعين، تمدد على يمينها ويسارها رجال جاءوا يسعون من أقاصي المدينة، فناموا بعد أن ضربهم سوط المخدر، ولم تكن شجاعتها كافية لمخاطبته، وفي مثل هذا الموقف تتقدم إليه، تطلق صوتاً أشبه بالبكاء لكنه ينم عن ترحيب وتقبل يده، فيكاد يقع على وجهه من شدة الارتجاف - كانت رائحة الأفيون تعبق في كل زوايا البيت وحجراته الثلاث حيث الفتيات يتضاحكن، ويعوي الرجال، أو يمشون على أربع، أو يصمت البعض منهم مقلوب العينين، بينما كان الآخرون، وهؤلاء قلة، ينامون عراة على أرض مرشوشة بالماء، كان يعرف طعم الفترة التي تتوسط الصحو والخدر تلك اللحظة الفريدة التي تجعل النفس تمتلئ رعباً وشجاعة ولوماً وكان يعرف أن هؤلاء فقراء مدينته، لم يكن يؤم بيت ملكة إلا الفقراء فقد كانت للأغنياء والسراة بيوت خاصة للهو وتناول الحشيش وممارسة اللواط والقصف ينعمون بسكينة مؤقتة، سكينة يشترونها بالعرق والعمل الفائض والخبز الكفاف. إلا أنه وهو الذي ينسى نفسه إذ يشم رائحة المخدر، يضع كفه اليمنى تحت ذقنها، ويرفع رأسها إليه بطيئاً، لينظر في عينين حزينتين برغم الكحل الذي يسخم أسفل الأجفان، ووجه حفرته المساحيق الشعبية، فيهمّ أن يقول لها شيئاً، بيد أنه إذ يرى السحائب مبعثرات في سماوة الوجه المحفور، يبرك على الأرض حتى يلامس قدمي »ملكة« ثم يقبلهما واحدة بعد الأخرى، وهي واقفة لا تدري ماذا تفعل وهي تسمعه يقول: »يا رب الكافرين« فترتعد.

تعشمت، أنه يمزح أول مرة عندما دخل البيت فهربت الفتيات ولاذ الصاحون من الرجال بالفرار بينما استقبلته نصف مبتسمة.

تصورت أنها تحلم، فداخت ودارت بها أرضية الغرفة وسقفها ولكنه أمسك بها من كتفيها الواهنتين، واستدار بكامل جسدها نحو القبلة وقال: تلك هي الكعبة هيا أمسكيها يا ملكة. وأخذ يدفعها دفعاً خفيفاً أمامه.

وكانت تصرخ: سيدي إنها تتقدم إليّ ولست أنا التي أتقدم.

ولما توقفت. استدارت إليه فرأت دمعاً في عينيه وتغضن وجهه مثل حبة عنب مجففة.

ولم يشعر أحمد العبدالله بأي دنس، وكانت ملكة أمامه مأخوذة بهذا الحضور المفاجئ، ومرتبكة من هول الذي حدث الآن، إلا أن ارتباكها ازداد كثيراً عندما رأته يخرّ على قدميها ويندفع يقبلهما ويقول: »يا رب الخطاة والكفرة... يا ربي هبني القدرة على الحياة مع القتلة«.

ران صمت كثيف على الغرفة، وكانت فتيات الدار ينظرن إلى سيدتهن عارية الصدر تنحني على أحمد العبدالله الذي كان يصرخ مستغيثاً في حين كان الرجال »المسطولون« ينامون بلا حراك...

أما في الشارع خلف البيت، فقد كان الأطفال يصرخون.. وكان ثمة صوت ندب وعويل.. وسمعت صراخاً في البيوت المجاورة. ولما استعلمت من أمي عن سبب الصراخ قالت غير معنية »عمل نسوان.. طفل تقنفذ«.

ولم أعبأ بما قالته.. ودفعت بجسدي خارج البيت. كان كثير من الأطفال يصرخون ويشيرون إلى السماء، في حين كانت ألسنة النيران تخبو رويداً رويداً في التنانير، وفي الفضاء الصباحي أسراب خفافيش وبوم وحدآت تزعق في اتجاه الغرب، تزعق وتصفق بأجنحتها، ثم ظهر جسيم غريب في فضاء المدينة.

كان مدوراً، مثل كرة اللعب الكبيرة بهالة حمراء تحيط به، وأزيز خفيف لكنه حاد أخذ يفرخ جسيمات أصغر منه وسمعت نفيراً من عند الثكنة. فعلمت أن الجنود يستعدون لأمر ما. بعد ذلك تحولت السماء إلى لون بني خفيف وكان الجو شبيهاً بوقت الفجر وأصدرت الكريات النارية أصواتاً غير مفهومة ثم أخذ يصل إلينا صوت ضعيف ارتفع قليلاً قليلاً. صوت ناعم ورقيق لكنه واضح جداً: استسلموا.

ارتفعت حرارة الجو، كان العرق يتصبب من أجسادنا. وكنا نهرول والرصاص يتساقط علينا. رصاص كثيف، وصوت رقيق ناعم وحاد حدّ القتل لا يني يكرر الأمر: استسلموا... و.... اختض أحمد العبدالله، كنت أسير إلى جانبه، وملكة في الجانب الآخر من الشارع، تتعكز على عصا خيزران لم يكن معها أي رفيق. وحيدة وتطرق برأسها إلى الأسفل بينما كانت »سالمة« تبتعد عنها عدة أمتار دون أن تنظر إليها، ثم اخترقت ضوضاء الموكب صرخة ناعمة ورقيقة كانت سريعة إلى الحد الذي توهمت أنني لم أسمع أي صوت، وسطع في نقطة بعيدة من السماء لون فضي أخذ يتفتت، وتنطلق من ذيله السائب الطويل ألوان منشورية، وهناك كان الأنين المحبوس.

رأيت أحمد العبدالله يطيل النظر إلى السماء الصافية. كان كل شيء بهيّاً في الأعلى. إلا الأرض فقد كانت مبتهجة بذلك العويل والندب والصراخ ورغم أن صوت »ملكة« كان شجياً وأنيساً حتى عندما تندب فإن أحمد العبدالله ظن أن الصوت الرقيق الناعم يأتيه من جانبها فحدق فيها، ولا أزال أتوهم أنه رفع كفه لها، ثم لما سكتت استمر الأنين المحبوس. كان الأنين يتضح الآن. ويغمر فضاء المدينة والموكب التقليدي. وسألت نفسي: أي معذب يطلق مثل هذا الصوت المفجوع؟ وحجب عني الفضاء السماوي الإجابة، فالألوان المنشورية اتخذت شكل الموكب وكان هناك أناس بقامات طويلة وقصيرة، وهياكل عظمية ملفعة بأغطية حمر وزرق وبيض بعضها يشتعل بنيران تتذوأب لتتخذ أشكال حيات ومخلوقات خرافية، وكان ثمة من ينقر على الدفوف ويدق على الطبول، وكان من يصرخ طلباً للنجدة أو يبكي للعفو والمغفرة، على أن الحراس الذين يسيرون على جانبي الموكب كانوا يتصرفون وكأن ذلك لا يعنيهم. كانوا طوال القامة ترتفع رماح فوق رؤوسهم بلحى طويلة تتدلى فوق صدورهم العارية وجدائل مضفورة تنسرب من جانبي الرأس وخلفه حتى أخمص أقدامهم، ومن البعيد كان يأتي صوت النفير.. فيتجه موكب الهياكل العظمية إلى مصدره المجهول.

في تلك اللحظات اكتشفت أن أحمد العبدالله ينظر إلى الأعلى أيضاً. كان وجهه الأسمر يلتمع في وهج المصابيح النفطية. ولاحظت عرقاً غزيراً يتصبب من جبهته، وجسده يرتعش من أعلاه إلى أدناه، لكنه داوم النظر إلى السماء. كما لو أن النفير كان يستدعيه شخصياً، ولأنني صوبت إليه نظري وعقلي كلية. حسبت نفسي أتخيل ذلك الذي رأيته، بيد أن الأنين المفجوع دخل سمعي دون مواربة بينما كنت بحواسي كلها متجهاً لمراقبة المشهد. ثم أحست بعد ذلك، بما يمكن أن أسميه خبالاً فجائياً تلبسني فقد سمعت أحمد العبدالله يرفع عقيرته بالنداء كما لو كان في أعلى ذرى الطرب والانشراح »يا هذا الذي لا تطاله المعرفة.. ينفتح الشدق.. ويتباعد الشدقان، العوز الثأري يحولني إلى واحد وأنت الواحد. فلا أجد الجواب بوحدتي ووحدانيتك ولا بقوة الحق لأنك خارج الاجتهاد«. وكان الموكب يواصل تقليده السنوي. الندابون كثر وعويل النساء يتصاعد. ولا أحد يعرف الذي يتم في الأعلى. ومع أن أحمد العبدالله استمر يردد »يا عوزي الثأري« لم يكن ثمة أحد يسمعه...

وإذ ذاك أدركت أن لا بد من صرخة مني توقظ الموكب. وحاولت لكن فمي بقي مغلقاً، وظل صوتي لا يطاوعني. لقد أقفل عليَّ باب كل شيء، إلا باب المشاهدة، فدنوت من أحمد العبدالله الذي قال لي راعشاً »يا إبراهيم.. يا بني.. زملني فالجرس يدق«.

ألقيت كوفيتي البيضاء على جسده. وفي الأرض يتصاعد الصراخ وفي السماء كان ثمة صوت النفير، غيوم بيض مثل ندف ثلج ربيعي تتموج تحت موكب الهياكل العظمية والأنين يتصاعد منه.

فجأة خرّ أحمد العبدالله إلى الأرض يتلوى ويعيط »يا عوزي يا قوس الدائرة الناقص«.

كان بعضنا يتفرج، وكان آخرون قد غادرتهم شجاعة الاقتراب منه. كان جسده الذي تترّب يرتعش مثل فرخ طير مبلل، وتعفر وجهه بالغبار إلا »ملكة« التي اخترقت الموكب تستند إلى عصاها ففسح لها الندابون طريقاً.. حتى إذا ما وصلت إليه جلست على ركبتيها وملست جبهته المتعرقة بأصابعها البيض التي خلت الآن من أي خاتم واستمرت جالسة إليه، وهي تحدثه في أذنه مباشرة والجسد لا يكف عن الارتعاش. حتى إذا ما هدأ نهائياً رفع إليها رأساً متعفراً بالتراب وسألها خافتاً »ملكة.. هل سمعت صوت الجرس؟« وأرادت أن تقول شيئاً.. و... ولم نكن جبناء ولم يكن جنودنا يقبلون هذه الخلة، غير أنهم أخذوا بهذه المعركة غير المألوفة ففضل كثيرون منهم رمي أسلحتهم على الأرض والالتحاق بالغرب. حيث الخرائب والحشائش قصيرة السيقان مروراً بالجسر الذي يتقوس على النهر وليكون الإشارة الوحيدة إلى الضفة الغربية. كنا جميعاً في الضفة الشرقية؛ وكان الجانب الآخر لا يعنينا، إلا بكونه مكاناً غير مأمون الجانب وقد يجعله ضريح »الم«؛ آمناً ذات يوم، ومع ذلك اندفعنا نحو الغرب. وكانت أضواء الكورنيش مشتعلة، نتعثر بصناديق العتاد وأكداس البنادق. وعجلات المدافع وطناجير المياه وأرزاق الجنود وحيث البغال والجياد وكلاب الشرطة النافقة. وعبرنا الجسر فعلاً.

واستدرت إلى الخلف دون إرادة مني، فشاهدت برج دائرة الاستعلامات الوطنية يطلق إشارات ضوئية باتجاه الكريات النارية والدخان يلف الفضاء وروابي البيوت وأعمدة مانعات الصواعق ومنارة المسجد بينما امتثل الأطفال والنساء لأمر الصوت الناعم الرقيق بملازمة البيوت.

وما إن تجمعنا في اتساع الضفة الغربية حتى داهمتنا مزن من النيران كان أزيز النار وأصوات الصافرات مألوفاً لدينا ففي السنوات الأخيرة كان على المدينة أن تختار الصمت طوعاً، بعد صوت الصافرة الأولى الذي ينطلق من برج دائرة الاستعلامات الوطنية، لتعود الحركة ثانية بعد الصافرة التالية، أما الآن فإن أية شظية من أية رصاصة تصيب جسد أحدنا ترديه قتيلاً في الحال، ومع هذا كان الصوت الناعم الرقيق والحاد حدّ القتل يقول: استسلموا.

استسلمنا. انزوينا نحن الذين كان من حسن حظنا أننا لم نتعرض إلى شظية، في البيوت الطينية الخربة، وبين أشداق الجداول الصغيرة المنسية أو فوق الحشائش قصيرة السيقان، وكان القتلى أمامي ينامون دون حراك، على امتداد الاتساع الأرضي، ونحن مستسلمون تماماً لما سوف يأتي.

الاستسلام هو شظف عيش المحارب، واللحظة التي يكون فيها الانتحار صائباً، غير أن أحداً لم يرَ رئيس الاستعلامات الوطنية يظهر من بوابتها الأبنوسية الكبيرة، كما لم نشاهد أياً من رجاله في تلك الجموع التي هرعت إلى الضفة الغربية. لقد ذابوا فجأة في أمكنة لا نعرفها غير أننا سمعنا الصوت الرقيق الناعم ينادي: »على رجال الاستعلامات الوطنية الالتحاق فوراً بمقر عملهم«. ومع انتهاء هذا الأمر مباشرة جاء الحدث المفاجئ.

توقفت الكرات النارية في الفضاء وانقطعت أصوات الأزيز وفتحت فيها أبواب وفجوات صغيرة، تبعها نزول كائنات بشعي الهيئة. أحاطوا بنا من كل جانب. بينما كشفتنا لهم الأرض، الأحياء منّا والأموات.

كانوا مخلوقات تكاد أن تكون آدمية يرتدون ملابس خاكية مرقطة، خضراء تميل إلى اللون البني. وبأحذية من جلد ذي لون أسود، ثم تبعتهم جماعات من مخاليق قصار القامة، يعلقون مدافع أوتوماتيكية على أكتافهم، أخذوا يتوزعون أمكنتهم في الاتساع الأرضي كما لو أنهم خبروا المنطقة الغربية من قبل...

والآن بعد هذه السنوات التي مرت على الغزو، حيث يتحتم عليّ ذكر كل الحقيقة، أستطيع أن أعرف مغزى تحذيرات أحمد العبدالله.

لقد كان يعرف أن ثمة مدناً أخرى تدفع الأرض باتجاه مدينتنا في حين كنا جميعاً لا نطيق أي حديث عن الغرباء الذين سيقدمون، كما قال أحمد العبدالله، وينامون حتى في مخادعنا الزوجية، فقد حرمت دائرة الاستعلامات الوطنية أي حديث عن الغرباء الذين كان يتوقعهم أحمد العبدالله.

وعرفت في تلك اللحظة لماذا تنازل العريف عن رتبته العسكرية.. ولماذا انحشرت معه وأحمد العبدالله في تلك الخربة؟ لم نكن نستسلم، لأننا لم نحارب أصلاً، أو لم تكن ثمة حرب البتة. كنا نصادر ونساق مثل قطيع غنم إلى المسلخ. كان الأحياء يعرفون موقع السجن القديم فتقدموا إليه كأنهم منومون.. أما الأموات فقد استراحوا من عناء ذلك الذي عانيناه فيما بعد...

وكنت واحداً من هؤلاء الذين لم يستريحوا، وأيام السجن أيامنا. لأننا اخترناها. أو لأنها تحولت إلى اختيار. ويصعب كثيراً على أي واحد منا أن يفرّق بين الغزو وبين السجن. على أنني سأظل أتذكر ما قاله أحمد العبدالله بعد يومين من وصولنا إلى السجن: اليوم يبدأ عذابنا الجديد. وكان عذابنا القديم ينطوي على الماضي بكونه ماضياً تكلس في الذاكرة أو في أكثر الأجزاء إيغالاً في مخداتها...

إن كل واحد من أبناء المدينة ابتدأ يتشكل مع هذا العذاب دون أن يتيح لنفسه فرصة المصارحة، وكان الحرفيون وأصحاب الدكاكين يقفلون أبواب مصالحهم قبل مغيب الشمس بساعتين، فقد قالت دائرة الاستعلامات الوطنية إن شبكة من أنصار وليد الأحمد بدأوا يعيدون ترتيب ذاكرة أولئك المواطنين، وعندما ظهرت ذات صباح عبارة »يا فقراء مدينة الم اتحدوا« اضطربت دائرة الاستعلامات الوطنية. وأصدرت على الفور أوامر تقضي بإقفال المصالح قبل مغيب الشمس بساعتين. حتى الرعاة أخذوا يعودون من المزارع إلى ضواحي المدينة في ذلك الوقت. بينما عززت الحراسات الليلية في الأزقة والشوارع والسوق المركزي في البلدة. وكان على أصحاب البيوت أن يقفلوا أبوابهم من الداخل بأكثر من رتاج. بعد أن أبدت دائرة الاستعلامات الوطنية أن هذا ضروري لحصر أولئك الذين يظهرون في الظلام ويكتبون على الجدران شعارات معادية، ولم يقل أحمد العبدالله شيئاً بعد أن قرأ التعميم، سوى أنه رفع بصره إلى الأعلى وقال: مدينة المؤسسات الغامضة آفلة وإن الله لا يحب الآفلين، وبعد ذلك عندما اختفى وليد الأحمد بصورة غامضة قرأت في النشرة اليومية التي تصدرها دائرة الاستعلامات الوطنية ما يلي: »ثبت للدوائر المسؤولة أن وليد الأحمد العبدالله آل الم يقوم بأعمال تخريب، ويدعو إلى عصيان أولي الأمر، ويعمل على تخريب المعتقدات والآراء الحميدة، لذلك قررت دائرة الاستعلامات الوطنية وضعه في المحتجز الخاص بذوي الميول الهدّامة، ليكون عبرة لغيره، وليعلم الجميع أن مصلحة المدينة فوق أي اعتبار«.

لم يعلّق أحمد العبدالله بأية كلمة بعد أن قرأ التعميم. بل ذهب إلى مسجد المدينة مباشرة، وجمع حطباً أشعل فيه النيران وظل هناك، في الباحة. ينظر إلى خشب السدر الأخضر الذي يعاند الاحتراق وهو يردد بصوت مسموع »أيها العصف.. أيتها الطيور الأبابيل« ثم عندما التقاني عند رقبة الجسر في الظهيرة ذاتها رأيت زبداً حول براطمه. وخاطبني غاضباً: »إبراهيم.. أما زلتَ لا تفهم.. لقد اقترب الانتقام«.. واستمر يمشي خطوات توقف بعدها واستدار إليّ.. شاهدت بريقاً يلمع في عينيه، بل دمعة مكابرة ومتكبرة وقال: »لماذا يحدث هذا؟ اليوم مع وليد وغداً مع سالمة.. وبعده تعم الفوضى بالمدينة.. يا إبراهيم إن هذا كله في سجل محفوظ«.

وتيقنتُ في تلك اللحظة، أن الفرصة باتت سانحة، لأن نتعرف إلى بعضنا كثيراً، لذلك سرت إلى جانبه. كان النهر أمامنا يرتفع ونحن نتجه إلى بيته.. وظل صامتاً لكنه كان محتدماً.. وهكذا ابتدأت الحديث:

- ربما يكون وليد على غير حق.

- لكن الدائرة ليست على حق فيما أرى.

- ربما يكون ما تقوله صحيحاً.

- يدعو وليد إلى جنة أرضية.

- هذا شأنه.

انتفض في وجهي:

- أنت تقول هذا الكلام.. كيف تبيح لنفسك أن تنطوي على هذه القذارة؟

قلت:

- يا سيدي أنا أسأل فقط ربما لأفهم.

- لا.، أنت تعرف تعرف كل شيء.

توقفت فتوقف هو أيضاً.

فقلت:

- وليد يقول إن الإنسان هو الله.

قال متأففاً:

- وماذا في ذلك.. تريد أن تكون الله. إذن اسمع...

قفّ شعر رأسي، وأخذ كياني يرتعش بأكمله، وقلت في ذاتي.. إن الولد يطوّر أفكار أبيه.. إن »الم« يتكلم في صوت أحمد العبدالله. ووليد يختزن كل تلك الذاكرة التاريخية من الهجرات والحروب وافتقاد العدالة كان ينظر إليّ وكأنه يريد أن يقول: أتريد أن تسمع؟ فقلت:

- إني أسمع يا سيدي

- هل رأيت الله؟

- لا يا سيدي

- لا تقل سيدي.. الله هو السيد فقط

- قبل لحظات قلت الإنسان هو الله

- وأكرر هذا عليك. اليوم وفي كل وقت... إن المسألة أبسط من البساطة، الله هو الخير والعدالة والسلام والمحبة والصدق. كن هذه كلها تنطق باسم الله...

كنا وصلنا إلى بيته فطرق الباب سريعاً، فجاء صوت سالمة من الداخل واهناً: من؟

وبثقة قال أحمد العبدالله:

- الحق!

وكان هذا جزءاً من عذابي وعذاب وليد وسالمة وأحمد العبدالله...

كنا نبحث عن الله، كلٌ بطريقته الخاصة، وحتى في تلك الأيام المرعبة؛ أيام كنا في الخرائب فإن فكرة وجود الله لم تفارقني لحظة، وإن كنت تطيرت مما قاله أحمد العبدالله - غير أني وافقته فالفكرة على بساطتها تربك أي إنسان حقيقي، ومما زاد في ارتباكي دخول ثلاثة رجال من بوابة الخربة التي التجأنا إليها. كانوا جنوداً تعرفت إليهم من بقايا أحذيتهم ووجوههم الصفر المزرقة، دخلوا علينا صامتين يجللهم الخوف واليأس ولم يرفعوا إصبعاً بتحية، إنما نظروا إلينا من عيون لا تطرف، كان أحدهم شاباً لا يتجاوز التاسعة عشرة يرسل إليّ نظرة من قارب على الاحتضار، كانت شفتاه يابستين وخيّل إليّ أنه يطلب ماء. لكنه كان لا يستطيع التلفظ بحرف »الميم«، كان كالمنوم أو كمن يرى طائر الموت يصفع عينيه بجناحيه القويين. أما رفيقاه فتوجها إلى الحائط مباشرة وأسندا إليه ظهريهما، ثم تراصفا إلى جانب الجندي ابن التاسعة عشرة.

ولم يتسنَّ لي أن أجيب عن تساؤل داهمني على حين غرة: كيف اهتدى الثلاثة إلى هذا المكان ومن هي القوة التي دفعت بهم إلى خربتنا هذه أتكون هي تلك القوة القاتلة أم الله..؟

بيد أن الوضع كان مبهظاً لأي جواب... فقد توقف في البوابة أحد الغزاة شاهراً سلاحه الأوتوماتيكي.. لم يكن رجلاً، إنه الموت، وفي تلك اللحظة فكرت ثانية: ماذا يجب أن أفعل...؟ إن الحياة تكاد أن تكون تافهة أحياناً، ولكن أي شيء يعادلها إذا ما انتويت فقدها...؟ لم أكن أفكر في الانتحار البتة، كنتُ راسياً في قارب الطمأنينة، إن كل شيء في هذه الخربة وخارجها يعيد ترتيب قدراته: القتلة الذين يكيفون الغزو لانتصار الجريمة. الضحايا المنهمكون في الصمت. أو في الحوار المستديم مع النفس، لم أكن أفكر في أي مشاعر بطولية.. وكانت الأجساد التي تجاورني تخصني الآن أكثر من أي وقت مضى. ربما يمتثل أحمد العبدالله لتاريخ أجداده في الموت البطولي، وربما يكون اللحظة أكثر مني قدرة على معاينة فعل القتل، بيد أن الجنود الثلاثة يتعرفون الآن إلى أدق تفاصيلي، لقد وحدنا الموت في هذا الزمن الذي لا نستطيع قياسه، كنا نرتجف، وانخلعت قلوبنا من داخل صدورنا، لكن أقدامنا كانت على الأرض ورؤوسنا تمتد نحو السماء. وتلك هي الخصلة الحميدة في هذا الموت الذي نحياه الآن.. إننا نتساوى في حضرته ونستطيع التخاطب معه بلغة لا يفهمها الغزاة والقتلة. بل إنني في تلك اللحظة وأنا أستغرق في الصمت اكتشفت عائلة العريف الذي تنازل عن شاراته الثلاث. كان عامل طابوق في فتوته، رأى في الجندية ملاذاً أكثر أمناً لأطفاله بعد أن يموت أو يتقاعد، وسمعته يفكر: »ضاع كل شيء«. أما الجندي ابن التاسعة عشرة. فقد كان يودع الآن والدته التي كانت تقف في بوابة الخربة وقد اصطكت أسنانها من الهلع والخوف. بعباءة سوداء. ودشداشة سوداء. حافية القدمين تمد إليه يدين راعشتين، بيد أنه لفرط خوفه لم يكن يراها، كان منغمراً في الإحباط وفقدان الشباب ووداع أجمل لحظات الفتوة، بينما هبط طائر الموت بكل جبروته على الجنديين الآخرين اللذين كانا ينتحبان. وهذه هي حالة مدينتنا في الخرائب، أو في تلك البيوت التي لم تقل لساكنيها وداعاً... فماذا يجب عليّ أن أفعل الآن؟ ربما كانت مدينتنا النموذج المثالي للتفاهة، وربما أيضاً النموذج البطولي للموت. ففي موكب محرم الحزين التقليدي، تزدحم الشوارع والحواري والبيوت والمساجد بأضواء المصابيح النفطية وبالتماعات الخناجر والسيوف والبلطات والصدور العارية وثياب النساء السود، ويقف الضاحكون إلى جانب الباكين. وينتشر الشحاذون بطرق لافتة للنظر حقاً، وربما تتحول الشحاذة إلى مأثرة مكرمة أو مأثرة اجتماعية ما دامت ترتفق بالغفران وإذلال النفس. وعادة فإن المدينة في شهر محرم تستورد، دون إرادة منها أعداداً غفيرة من هؤلاء يأتون من مدن وبلدان قريبة وبعيدة: باكستانيون، مغاربة، إيرانيون، لبنانيون، بحارنة، كويتيون، هنود، أوروبيون، صينيون، يفترشون الأزبال على الأرصفة أو يتكدسون على الشاطئ الشرقي للنهر دون أن يجرؤوا على الذهاب إلى الضفة الغربية، حيث يقع ضريح »الم« إلا في الموكب التقليدي.

وكان هذا التجمع الغريب لا يثير أية سخرية لدى وليد الأحمد. كان ينظر إليهم ويقول متألماً: سيعرف هؤلاء ذات يوم معنى أغلالهم غير المنظورة. ولكن إذا كان هؤلاء الغرباء يمدون أيديهم ويطلبون قطع نقد صغيرة أو هدايا عينية ولا يتورعون عن تناول فضلات الطعام، فإن جمهور مدينة »الم« الوطني من الأسر الموسرة وذوي الدخل المحدود أو ذوي العوز والفقراء يمدون أيديهم بطريقة مختلفة: إنهم يشعرون بالعوز في شهر محرم بالذات فيتجولون في الأزقة والشوارع من حارة إلى حارة حتى ساعة متأخرة من الليل طيلة الاحتفال السنوي الذي يستمر عشرة أيام يبكون ويستعيدون أحداث غزوات سابقة، يروون حكايات غريبة وخرافية ويجلس الغني لصق الفقير يستمعون إلى محدثي السيرة، حتى رجال دائرة الاستعلامات الوطنية يظهرون في هذه المناسبة فيرتدون المعاطف الطويلة، حيث الأسلحة تخفى بعناية، وينسابون بين صفوف البكاء والندب والعويل ولطم الصدور ولكنهم يظلون في حدود مهمتهم الأولى والأخيرة: الاغتياب المتواصل لكل مواطن وشحاذ وغريب. وفي آخر الليل عندما يعودون إلى مركز عملهم المحاط بالغموض والألغاز والحراسة المشددة، يهرعون إلى الأضابير ويدونون بدقة ودراية بالغتين كل ما لاحظوه وسمعوه، لتقوم مجموعة ثانية فيما بعد بتقديم ملخص كامل بالمعلومات اليومية إلى المسؤول الأول في الدائرة الذي لم يره أي مواطن من مواطني المدينة فيكتفي بمعاينتها في الغالب، أو يهمش ملاحظات قصيرة على صفحات منها.

إن دائرة الاستعلامات الوطنية في شهر محرم من كل سنة لا تعرف مقدماً ماذا سيحدث، ورغم أن رئيسها المتكتم على شخصه شغوف بنظرية الاحتمالات، يفاجأ جميع العاملين فيها وكثرة الشحاذين عن السنة السابقة بازدياد في حين يمتد بحر الصراخ والعياط والعويل والبكاء واللطم والندب والأضواء والشحاذين والامتزاج النفسي بين الأفراد طيلة الأيام العشرة، وبعد ذلك تعود المدينة إلى هدوئها التقليدي واهتماماتها الحياتية اليومية. وكنت لا أعاين هذه المناسبة إلا في صياغتها النفسية المعلنة، فأقول لوليد الأحمد: تستطيع أن تتكلم عن تغيير نمط عيش أبناء هذه المدينة... إن الكلام سهل ومريح، أنت تريد العودة إلى الحقيقة الأولى لإنسان مدينة الم: العدالة ضمن المشاعية؛ بيدَ أني أرى أن لا فائدة، فإن بناء القرون الطويلة، وسير الدهر المتصل.. لا يمكن أن يتيح التغيير الذي تنشده بمراسم اشتراعية، إن المدينة تكتشف سجنها الآن في هذا الطقس عندما تمارسه، باعتباره صياغة جديدة للحرية المفقودة في الوقت الحاضر، وأنا لا أستطيع أن أتحدث عن الحرية دون أن أتذكر السجن أو أقترب منه. وربما يستطيع والدك تقديم تفسير آخر فيقول: هذه فلسفة أرضية. تكونت بفعل العوامل الأرضية ذاتها لأن الخطأ والصواب ليسا نتاج المجتمع الطبقي وحده، وسيظل وليد يحلم بمساواة أرضية غير مؤكدة، إن لم أقل إنها وهم، وكما ترى فيما يقوله أبوك شيء من الصحة.. ومن يدري فلعلّنا في هذا الطقس السنوي نكون بين الحرية والسجن، دون القدرة على معرفة الاختيار الضروري.

غير أن وليد يحاول أن يعلمني بأنني حالم: أنت شاعر تستطيع إحداث تراصف جميل بين كلمة وأخرى، مثلما يستطيع رسّام ماهر أن يوجد علاقة من حسن جوار بين لون ولون ليكتمل بعد ذلك شيء تسمونه اللوحة الفنية.. ليست هذه هي أفكاري ولكن الأمثلة قد تكون نافعة. إن المدينة، أية مدينة كما هي حال مدينتنا، حيوان أرضي افتقد البراءة. وهذا أمر يحدث خارجك رغم اتصاله بك في أكثر من وشيجة ظاهرة ومستورة. فكل شيء يكبر سيكون على حساب شيء عداه. والمدينة مؤسسة تضم عدة مؤسسات تبدأ بالفرد والعائلة وتنتهي بالدولة. وباستمرار هناك صراع بين هذه المؤسسات، ونمو عمودي وأفقي في مرافقها. والحقيقة تكون مرادفة لهذا النمو الذي يميل إلى الانقسام والتبلور. حتى يصل صيغته كما نراه في مدينتنا. إن الجذر الأول للعلاقات خلقه الصراع.. وأنت وكذلك أنا لا نستطيع نكران هذه الحقيقة. وإذا ما تطور هذا الشكل الأولي للعلاقات فإنه سيفرخ أدواته التي انتهت إلى دائرة الاستعلامات الوطنية. هذه هي قصة المدن. نمو وموت. وجدل متواصل..

ورأيت وجهه في نصف القمر الباهت، فقد ابتعدنا عن مجموعات بشرية جاءت راكضة من أحد أطراف المدينة، يصاحبها عويل وزعيق وضربات صنوج حتى إذا ما انتهينا إلى ساحة ترابية كانت منعرجاتها تخلق بركاً من أضواء صفر باهتة وسود كامدة، استدار نحوي وقال بحدة: الخلاص في تحطيم المجتمع الطبقي. وافتكرت مع نفسي وتساءلت: ماذا يريد هذا النبي الأرضي الصغير..؟ غير أنه تراجع في الحال عن حدته وقال لي: مشكلتي أنني مهووس بالحرية.

ولا أدري. لماذا تصورته في تلك اللحظة ذاتها يقرأ في كتاب مفتوح. إن ما تحدث به منطقي، بل جميل حقاً، بيد أنني عجبت له كيف يفكر بتلك الطريقة. وهو الذي جاء من صلب عائلة »الم«. إن بيت والده من أكبر البيوت في المدينة، وكلمته تسمع حتى في أروقة ودهاليز دائرة الاستعلامات الوطنية. لقد عاش بيسر ورفاهية على خلافي وخلاف أقرانه. ثم أتيحت له تلك الفرصة التي ما كانت تتم إلا بواسطة الموافقة الكاملة لكبار المسؤولين في دائرة الاستعلامات الوطنية: مغادرة مدينة »الم« إلى الخارج. قالوا: ذهب يطلب العلم. وقال والده: يكون الله في عون وليد... ذهب ليعود لنا بالخير والطمأنينة.. غير أنه عندما عاد، بعد خمس سنوات، لم يوافق على العمل في وظيفة. لقد رفض أن يكون حاكم البنك الوحيد في المدينة. واستنكف أن يرى نفسه وسط مجموعة من أبناء الأسر الغنية في ثكنة المدينة... ومع ذلك كنتُ أحس به ميلاً للعمل. وأخبرني ذات يوم: ربما أوافق إذا ما عرضوا عليّ تدريس مادة التاريخ في المدرسة الدينية العليا.. ثم عاد وأكد: مادة التاريخ فقط، ومع التدريس ابتدأت مشكلته مع دائرة الاستعلامات الوطنية.. فقد كان يقول لطلابه: ليس هذا تاريخنا، إنه تاريخ الجباة. وكبار القضاة والعسس وأصحاب البريد. وأدباء السلاطين. وقصف الموالي. وموبقات رجال الحكم. وكانت تلك هي المنطقة المحرمة التي لا تتهاون فيها دائرة الاستعلامات الوطنية مطلقاً..

وكنتُ أعجب بهذا الذي يقوله، وربما وافقته أحياناً، على أنني في أحايين أخرى كنت أخبره: أنت تنتقم من وضعك بأكمله. ولربما تمتلك ذخيرة كبيرة من إضمار العداوة لأبيك. إن ما تقوله ينطوي على نزعة تدميرية هائلة.

وكان يفرح بما أطرحه عليه. ولا يغضب على عكس ما كان يفعله مع الآخرين. كان يقول لي: لا بأس. أنت متعلم والحوار معك غير مضر.. ثم إنك ستجد نفسك إلى جانبي وفي خطي فهم سيجبرونك على ذلك.

وبعد سنوات عندما أخذ يجاهر بآرائه علناً. عرفت أنه عوّل عليّ كثيراً فقد عمل مع عقله على تجنيدي في خليته الأولى.

قال لي بطريقته الهادئة التي لم تكن تفارقه: أرجو أن تلقاني في كوخنا عند شريعة النهر. وعندما نقرت على الباب ودخلت الكوخ، توقفت مندهشاً أمام سالمة وشخص بلباس الجندية. بينا كان وليد الأحمد يقتعد حصيراً من سعف النخيل.

ابتسم في وجهي وتأملني كما لو كان يلقنني بداية الأسرار. وقال: كل عمل يبدأ بسيطاً ليكون مركباً فيما بعد، محمد ابتدأ فرداً واختار خديجة ثم عليّاً. ونظر إلى سالمة فردت نظرته هادئة مستريحة، بعينين نجلاوين، على أنني فهمت إشارته في الحال.

كان بيديه كتاب مغلف بجلد أسود: لا قانون ثابتاً لدينا، لدينا الحياة وإنجازاتها، ثم تراجع إلى الخلف وأسند ظهره إلى جدار الكوخ. فرأيته وسيماً، كانت ملابسه أنيقة وبسيطة. وأصابع كفيه ناعمة بيضاء وطويلة، وأظفاره قصت بذوق وبردت بعناية وكان شعر رأسه يتدلى ناعماً على جبهة ضيقة، تليها عينان سوداوان. وفم صغير. دقيق الشفتين وذقن مدبب، وكان في مجلسه أمامي، يبدو مثل صقر ارتاح بعد طيران طويل. ولا يزال يبحث عن طريدته.. قال:

- سنقلب المعادلة..!

- أية معادلة..؟

- معادلة هذه المدينة الناقصة.

كانت سالمة ترمقه بنظرات متفحصة بين آونة وأخرى دون أن تتفوه بكلمة، رغم أنها أخذت هيئة التلميذ المطيع، بينما كان الجندي يبدو أقرب إلى الضيق منه إلى المشاركة، ربما لأنه استغرب وجودي بينهم..



استمر وليد يقول:

- الحقيقة في هذه المدينة مقلوبة على رأسها

فعلّق الجندي متحمساً:

- سنعيدها لتقف على رجليها إلى الأبد.

تضايقت من تعليق الجندي لكني لم أبدِ ما يدل على ضيقي.. فعاد وليد إلى الحديث مؤكداً:

- هذا عين الصواب.. ولكن كيف؟

مدّ الجندي رقبته الطويلة نحو وليد وبنفس الحماسة تساءل:

- نعم، ما العمل؟

ومنذ الآن شطبت على الجندي. ولاحظت أن وليد الأحمد يداري غضباً محزوناً في سره. فها هو يريد أن يطلعني على خيرة من اصطفاهم ليفاجأ بهذا الجندي المتحمس: ومن انطباق شفتيه بتلك القسوة عرفت أنه لم يرتح كثيراً لما قالته سالمة. فقد كانت في هذه النقطة بالذات لا تتقاطع مع الخيوط الجوهرية في كل أفكاره.. ثم إنها، مع ابتسامة خفيفة، استطردت: لا شك أن وليد يوافقني في أن مدينتنا مقسمة ومجزأة. والسبب الجوهري في هذا كله يعود إلى ابتعادها عن قيم جدها الكبير »الم« ولا شك أيضاً في أن كل واحد منا هو مدينة »لام« مصغرة ومتى ما ابتدأنا في فحص أنفسنا، ووضعنا أصابعنا على مواطن الخلل فيها استطعنا أن نتقدم خطوة أولية على طريق تحرير المدينة وتوحيد أهلها.

غير أن الجندي قاطعها متهوراً:

- هذا كلام مثالي.

- الحماسة جيدة.. ولكن من الضروري تهذيبها.

ارتحت في سري لما قاله. على الأقل أنه لجم الجندي بأسلوب رقيق لا يخلو من العنف، لكن الجندي الذي رأى عيني وليد تلومانه، ارتج عليه الأمر.. وفكرت: إن امعاءه الآن تتلوى في داخله.. ثم أردت أن أقول كلاماً لأقطع الصمت الذي ساد للحظة، غير أني عدلت في الحال بينما ظل وليد ينظر إلى سالمة وكأنه يستعجلها في الكلام..

رفعت إليه عينين سوداوين. وقالت كأنها تتحدى شيئاً سرياً لا يزال يطويه وليد الأحمد في مكان ما من عقله: نعم، ما العمل؟ لنبدأ بأنفسنا. أنفسنا نحن. طريقنا فيما أرى، هو طريق الانقلاب على النفس، وسكتت فجأة ونظرت إليّ. ثم انتبهت إلى ما سيقوله وليد الأحمد، وكأنها كانت تعرف، نظر وليد الأحمد إلى الجندي آسفاً وكدت أراه يقوم إليه ويأمره بترك المكان. لكنه نثر علائم البشر على تقاطيع وجهه. وأرخى ذراعيه. وتحدث بصوت خافت كأنما كان يؤكد أفكاره لنفسه:

- هناك بعض وجاهة في رأي سالمة. فالنفس، ربما، تعبير تجريدي. لا. ليست مثالية. هناك الموضوعي. أولاً وقبل كل شيء، وكما يؤكده التحقق المادي في الكون والمجتمع، ثم يأتي بعد ذلك دور الذات: أنا أفرق بين الذات والنفس. الذات هي بداية الطريق إلى الموضوعي أما النفس فهناك من يقول عنها إنها لوامة.

وحدج سالمة بنظرة خاصة. وقال: ربما يكون هذا صحيحاً من وجهة نظر أخرى. لكن السوء يوجد في هذا الانقسام الاجتماعي. لا بد أن نعرف هذا جيداً. إن نفس سالمة خيرة جداً، لذلك لا داعي للانقلاب عليها. ثم إن الضباط ليسوا هم الجنود.

رأيت الجندي يبتسم.. بينما بقيت سالمة تنظر إليه في ابتسامة محايدة.

كانت تعرف أفكاره مقدماً وكان بإمكانها أن تقول شيئاً مضافاً. وفعلاً قالت:

- الانقسام الاجتماعي موجود في مدينتنا وأنا لا أنكر الموضوعي. ولا أغلب الذاتي عليه.. إنني بدقة أقول: إن تكوين مدينة »الم« تكوين تاريخي متميز. إنها تمتد من هنا. حتى الكوفة والحجاز وسورية ومصر وتطوان، وهذه المدن متشابهة في كثير من النواحي إنها تقابل بالاضطهاد والمحو الحضاري. لذلك يبدو من الضروري ربط الانقسام الاجتماعي فيها بشيء آخر، ربما أسميه الصياغات المتناظرة بين »الم« وبقية المدن الشبيهة بها.

سكتت فجأة. كما ابتدأت فجأة. وتغضن وجه الجندي. لأنه لم يفهم ما أرادت. في حين كنت مأخوذاً بطلاقتها. لقد عبرت بعفوية ودقة عما كنتُ أريد قوله، وكان وليد الأحمد يراقبها الآن. كما لو أنه سيعلن بعد قليل خلافه معها. غير أنها وهي تنظر إلينا جميعاً بحياء، عرفت أنها قطعت آخر الخيوط بينها وبين ملكة وقلت في ذاتي، ها هي سالمة تضع حداً فاصلاً بين طفولتها وصباها في ذلك البيت الذي لا تطفأ أنواره حتى الصباح. إنها تتفاهم مع وليد الأحمد بصيغة الاختلاف معه.

لقد عاشت مع ملكة حياة غير معلومة تماماً، ولم أجد أنها كانت تزور الأضرحة المقدسة. وعندما جاء بها أحمد العبدالله إلى بيته كانت تعيش مع وليد الأحمد في البيت ذاته، غير أنه من المستحيل كتمان مشاعر العاطفة، ولم أكن لأشك في أن وليد الأحمد معجب بها.

وكانت تتفحصني في تلك الآونة، لقد ركزت عليّ وجهاً جميلاً. مصنوعاً بعناية فائقة. كانت ترتدي ثوباً واحداً وتحيط رقبتها بسلسلة فضية وكان صدرها عاجياً، ويكاد يلمع في ضوء الكوخ الخافت. وعقصت شعرها في ضفيرة واحدة إلى الخلف. وكانت حمرة خفيفة تشوب خديها. ربما كان بفعل خجلها أو احتدامها المستديم. أو لأنها شعرت بأنني أتملاّها بالطريقة التي تروقني.. ولم يكن الجندي يدري الذي يدور في قلبي. كما أن وليد الأحمد غرق في تأملاته. فخاطبت روحي مفكراً. أيمكن أن يحدث هذا؟

وكان الرجل يجيب على أفكاري كما لو أنه عرف سؤالي في الحال، كانت رائحة ما تشبه رائحة النشادر والعفن تفوح منه. وثمة مناطق حمر عند الرقبة، عند الإبطين وفي مآقي العينين. وكان وجهه المغطى بغلاف شفاف يشبه الزجاج إلا أنه معتم قليلاً أو مضبب، يظهر عينين مدورتين واسعتين، وفماً كبير الشفتين مرطبتين.. وأنفاً بعد الحاجبين المحلوقين، ليعلو قليلاً وينتصب مثل خوخة تالفة فوق شفته العليا التي كانت ملساء أو محروقة.

كان متوسط الطول، يغطي جسده بملابس شبيهة بالمطاط أو النسيج. بلون حائل يلصف فتحسبه مطاطاً. كان لا يتكلم. مع أن نظراته تطلق أوامر لا تراجع فيها. وكان الرشاش الأوتوماتيكي معلقاً بكتفه بحزام جلدي، وكفه اليسرى تقبض على سبطانة سلاحه وسبابة كفه تضغط على الزناد.

قالت عيناه: ارتصفوا.

ارتصفنا. وقف أحمد العبدالله قبل الشاب ذي التاسعة عشرة فأمرته عينا الرجل أن يقف بين الجنديين. وذهبت أنا إلى الجانب الأيسر، الجانب الأخير، ووقف العريف في مقدمة الصف يرتجف.

ولاحظت ارتجافاً في شفة الرجل السفلى. كان يقف على مسافة خمسة أمتار منا. في نقطة تماس نصفي الصف، ومن هذا البعد حاولت أن أدقق فيه، فرأيت شعراً أسود قرب أذنيه، كان شعراً قصيراً مسترسلاً ولامعاً، ولم نكن نعلم متى يضغط على الزناد. وينتهي كل شيء.

وباغتني بنظرة من عينيه. فابتعدت إلى اليسار حتى لامست الجدار الأيسر، ثم أرسل نظراته إلى بقية من في الصف.. فتحرك أحمد العبدالله باتجاه الجدار الأيمن. كنا متقابلين، وكان بإمكاني أن أرى اللحظة جريدة سعف النخيل، قرب قدمي، وقد فقدت حيويتها في أن تكون سلاحاً أو منشة للذباب، مهملة حد المبالغة، لكنها وضعتني أمام ذلك الحضور الوبيل الذي لا يمكن أن يستشعره إلا من يُساق إلى الإعدام. ويقتل في الحال.

اليأس من النجدة. وانتظار الآتي بصيغة القبول به. وتهيأ لي أني سمعت الجرس في داخلي يرن.. إن هذه اللحظة وحدها تكفيني لإدراك الصدع الذي يحيط عالمي. إنني رجل أكاد أفتقد العداوة، وكان شعوري بالأخوة هو الخيط الذي يربطني بالذين حولي قبل أن أصل هذا المكان، غير أني كنت على وفاق مع نفسي حتى عندما أصبح بعد لحظات وجوداً نافلاً بدون قبر.

وهذا هو الذي أكسبني قدرة فحص يأسي.

إن الأموات يتحدثون. إن الجسد أكبر من أن تغادره خصائصه بعد رعشة الإطلاقات، وإن بعض الزهور لتستحي من الشمس أحياناً، لكن عودة أحزمة الضوء إليها ترفع عنها نقاب الحزن، فامتثلت إلى قدري في أنني سأقبل الموت لأنه لا خيار لي في الحياة في هذه اللحظة إلا أن أموت..، وللتو برقت في ذهني هذه الإلماحة: إن الحياة يقظة عابرة وان الموتحياة اخرى. إنه الإحالة الثانية للحياة البشرية الأرضية في صورة غير بشرية ولا أرضية. إنه ربما النوم المؤكد في حالة من الحلم الدائم. لذلك أيقنت أن أحمد العبدالله يجرب الآن مرونة أعضائه في تقبل الحياة الجديدة. وشعرت أنني أقترب منه أكثر من أي وقت مضى..

كان أحمد العبدالله بقامته المديدة التي تشي عن ثوب مخزق، ينظر إلى الأمام في غياب عن هذا المشهد الذي لا يعنيه، واقفاً، وظهره إلى الحائط مسبلاً ذراعيه براحة، ويعرب وجهه عن هدوء وراحة بال، إلا لمعاناً في عينيه يصل درجة الاتقاد.

ولأنني داومت النظر إلى العينين المتقدتين سمعته يقول لي مفكراً: هذه هي اللحظة، كم سيكون شقاؤنا قاسياً. إذ لم نعرها اهتمامنا..؟

قلت: أنت تتحدث عن قضية، تعرف المدينة وبيت ملكة. وأحلام وليد وغموض سالمة. أما أنا فقد كنت مراقباً، والآن أنا مراقب، وبعد الآن ماذا سيتبقى لي؟ لا شيء.

أدركت ذلك من نظرة خاطفة أرسلها نحوي الرجل المسلح. في حين كانت جريدة سعف النخيل مطروحة فوق أرض الخربة المغطاة بالطين وروث الحيوانات.. ثم نظرت إلى أحمد العبدالله فوجدته يصلي أو يمارس رسماً قريباً من أن يكون صلاة.

كان يستدعي آباءه الأولين ، آباءه الذين تحولوا إلى طين وهواء وماء وأصوات سرية في سورات مياه النهر ورطب في عذوق النخل، آباءه الذين نهضوا من الصحراء في ليلة مقمرة وخلفوا مضاربهم في ذلك الأوقيانوس الرملي وجاءوا إلى هذه المدينة وبنوها طابوقة فوق طابوقة. وها هو يراهم يقبلون على خيولهم المطهمة. يرفعون الغدادير.. وينحنون على أعراف الجياد التي أضناها لفح الرمل. ثم يتوقفون قرب النهر بكامل ركبهم ويقف كبيرهم. دون أن يرى نجمة الصباح فقد كان »الم« كفيفاً.. فيرفع يديه إلى الأعلى وينادي: باسمك اللهم، ثم يخرّ ساجداً على الأرض. وكان أحمد العبدالله ينظر إلى الأرض الآن وجسده يتموج خفيفاً هادئاً كجسد حية أسطورية تنهض من سبات دهري تتخلله رفسات صغيرة من أدق مكان في أظفر إبهامه حتى أدق شعرة في رموش عينيه.

صلاة: الحياة إذ تبدأ تتكون..

صلاة: الحياة إذ تقبل الانطفاء وتعاند الانطفاء.

صلاة: الاستغراق في هذا اليأس الكامل دون أن تكون قادراً على التقاط شهقة قصيرة. لكنه التشبث في تلك اللحظة بكونها حياة لا ترتضي القسر..

صلاة: كنظرته إلى »ملكة« حين كانت غرغرتها الأخيرة الإعلان الأكثر تأكيداً على طي قيدها في السجلات الرسمية.. كانت ممددة على سرير حديدي ظهر الصدأ على قوائمه وحافاته، فوق حشوة قطنية منخسفة في كثير من مواضعها، توسد رأسها وسادة متسخة التصق عليها شعرها المفلول. وكانت عيناها متجهتين إلى سقف الغرفة الأجرد إلا من نتوءات بارزة هي بقايا جذع نخلة شطر إلى أربعة أشطر، وكالعادة كان البيت مضاء إلا أنه خالٍ تماماً من الصخب والضجيج السابق، وعندما دلفت في الدرابزون الذي يؤدي إلى غرفتها. شاهدت أحمد العبدالله يجلس قريباً من رأسها ويقطر لها ماء بملعقة شاي صغيرة، كان جسده يرتعش، وكنت أفكر أنه يرى موته، وكانت ملكة منفوخة البطن، وبان ثدياها من تحت دشداشتها مثل بطيختين حائلتين ولا تستطيع أن تقول كلاماً مفهوماً.. إنما تهمهم وتلغو وكان لسانها يلوب بطيئاً داخل فمها المتيبس الشفتين.

حاولت إزاء نظرات أحمد العبدالله بعينين تغالبان الدمع أن ترفع إحدى ذراعيها فلم تستطع. واكتفت برفع سبابة كفها اليمنى قليلاً إلى الأعلى. فأشارت إلى السقف الأجرد ثم عادت السبابة إلى وضعها الأول المرتخي بارتجافة واضحة.

نظر أحمد العبدالله إلى الأعلى فلم يجد إلا السقف الأجرد فوق رأسه.. وفي أحد أركانه ثمة أبوبريص يخرج لسانه الرفيع خارج فمه بسرعة، وينظر بعينين محتقنتين. إلى ذبابة منزل كبيرة في وضع التجمد. بانت ابتسامة مرهقة على فمه وظهرت عليه سمات الانشراح حتى خلت أنه سيطلق صوتاً ضاحكاً.

لكن »ملكة« لم تترك لنا فرصة تبادل حديث سريع لنكسر الصمت الذي يحيطنا، فقد رفعت رأسها عن الوسادة قليلاً، فبان اصفرار وجهها في ضوء المصباح الشاحب، مثل برتقالة تالفة ومتروكة، كان ينز ماء أسود من داخل جوفها إلى خارج فمها. كان كثيفاً كالدبس، فسال على جانبي فمها. واستقر قسم منه على الوسادة الزرقاء المتسخة ببقع حمر وسود وصفر. وعادت تنظر إلى السقف، حيث إن أبوبريص تمكن الآن من القبض على الذبابة المنزلية الكبيرة. وكأنها تريد أن تقول شيئاً ما. وعند ذلك أدنى أحمد العبدالله أذنه اليمنى من فمها. كانت تحرك شفتين مصبوغتين بقيء أسود كثيف، وكان وجه أحمد العبدالله يبدو ممتقعاً في تلك اللحظة. حتى إنني تصورته سيعيط بأعلى صوته، غير أنه قال بصوت خافت: أنا الآثم يا ملكة.

ثم رفع رأسه إليَّ فشاهدت عينيه مغرورقتين بالدمع وقال: ماتت...!

كنت بين مصدق ومكذّب.. فقد كانت عيناها مفتوحتين وفمها مفتوحاً. ولسانها يكاد يبرز من شفتيها الملطختين بالقيء الأسود، وفي السقف كان أبوبريص يبتلع الذبابة المنزلية الكبيرة. واكتشفت أنني وأحمد العبدالله وحيدان مع ملكة التي كانت كالنائمة تماماً. وهذا الصمت الذي سينطق لقوته وجبروته.

لم أكن أصدق الذي جرى. فقد كنت أؤكد لوليد الأحمد أن ملكة لن تموت. صحيح أنها في السنوات الثلاث الأخيرة هجرت من كل فتياتها لكنها كانت تبدو سعيدة، فلم تترك زينتها يوماً واحداً. واستمرت تجلس عند دكة باب بيتها المضاء باستمرار ساعات طويلة في كل مساء، ترقب المارة وتدخن، أو تتلهى برسم خطوط ودوائر بعصاها الخيزران على التراب، دون أن تنطق كلمة واحدة، بيد أن مروراً عابراً لأحمد العبدالله من أمامها كان يجعلها أكثر سعادة، إنها تستوقفه أحياناً. فيجلس قريباً منها. فوق الأرض التربة. ويطيل الإنصات إليها. وكان صوتها من الضعف والوهن، بحيث يجعل أحمد العبدالله يدنو منها كثيراً. وفي إحدى جلساته عندها. لم يسعفها صوتها كثيراً فدنا منها حتى كادا يتشابكان.. وإذ ذاك رمت برأسها على كتفه وطفقت تنشج، وسمعها أحد المارة تقول: كل هذا خراب في خراب.

وعندما غادرت مخدعها. لم يبقَ معها إلا أحمد العبدالله والصمت وأبوبريص، بينما تلقفتني ريح حارة في الأزقة التي حومت فيها.. وتذكرت ما قاله وليد الأحمد: هذه هي القاعدة نولد لننمو، ونكبر ثم نهرم. ونموت؟، وشعرت بالتقزز من هذه الفكرة، فقلت لوليد الأحمد: أنت تقول هذه البشاعة؟ ولم أقل له، إن عدونا الوحيد هو الزمن، وإنه يختار لحظته، كما يحددها بعيداً عنا، ثم ينهمر بكل ثقله وجبروته على كل شيء. وكان الرصاص في الخربة ينهمر علينا من كل الجهات، كان الرجل المسلح يمسك مدفعه الرشاش بيده اليمنى ويرسم دوائر في الهواء، ولم نكن نعرف في أي جسد ستستقر إحدى رصاصاته. إنه يرفع المدفع الصغير الأسود، المدهون حتى ليلتمع، إلى الأعلى ويردد صوتاً مبهماً: هذا قدركم. لم يكن صوتاً بمعنى الهمهمة بل شيئاً لا يمكن وصفه. فهو بعد أن رنق عينيه أطلق تلك الأصوات..

هل كان يترنم؟ إنه بالتأكيد يحيا أوج عاطفته، في هذا الموت البطيء الذي يزحف ابتداء منه وانتهاء بنا خلال مسافة قصيرة جداً، لقد كان يقول شيئاً ما، أشبه بتقارير موت لمن لا نراهم، صوت كصوت من يستغرق في حالة تعبد. مثل صوت الذي يتهدج مغروراً فرحاً بهذا الاختفاء الكامل للحياة في حركة صغيرة، ليست عابرة، ضعيفاً وهادئاً، عندما وجه ماسورة المدفع الرشاش بدءاً من الحيطان إلى الأعلى. إلى الأسفل، وكنت أتنفس بصعوبة. وأحس جفافاً في لهاتي وشفتي ، وكان لساني مثل عظمة مهملة، جافة وصلدة ومصعوقة.

وتوقف انهمار الرصاص، أبصرت جسدي مسنوداً إلى الجدار الأيسر، متخشباً ومصلباً ذراعي على يمين ويسار الجدار. وكان أحمد العبدالله مصاباً في يده اليمنى.. بيد أنه ظل في وقفته، بينما برك العريف على ركبتيه متأوهاً، وكان الجنديان جثتين هامدتين، أما الجندي ذو التاسعة عشرة فتقدم نحو الرجل المسلح صارخاً: »من أنتَ، من أنت؟ كان صوته فتياً وملتاعاً، خالطته الرهبة.. ونظراته مثبتة في ماسورة المدفع الرشاش، بينما كان الرجل المسلح ينظر إليه من دون اكتراث ويتحرك خفيفاً وهادئاً. مثل حية أسطورية استيقظت للتو من سباتها الشتوي. وصرخ الجندي الشاب مرة أخرى، من أنت؟ وفي عينيه المفتوحتين حدّ اليأس والرعب، كانت صورتي واضحة: آخر أمارات الانكراب والخوف واليأس..

تراخت ذراع الرجل المسلح اليمنى، وجسده الصغير الممتلئ استوى الآن مثل فقاعة بيضاء ضخمة، وركل رأس الجندي الشاب واستدار إلى الخلف بعد أن نظر إليَّ وإلى أحمد العبدالله فتيقنت أنه قال لنا: أنتما متما أيضاً.

إن الصمت في مثل هذه الحالات يشكل إنقاذاً. والحديث معضلة، فالموت فرض حضوره الوبيل، ليس لأن الجثث الأربع حاضرة بما في الموت ذاته من صخب وصمت.. بل لأن الدخان كان يتأفعى في جو الخربة وأصوات الإطلاقات النارية لا تزال تصل من الخرائب المجاورة. والصوت الرقيق الناعم والدقيق حدّ القتل يأمر: استسلموا، ولم أكن سعيداً في عدم موتي. كما أنني كنتُ مندهشاً من كل هذا الذي حدث..

حسبتُ الأمر مفارقة. أو حلماً كابوسياً. غير أن الفجيعة كانت تعيد تركيب معنى المفارقة بشكل آخر، والأحلام وحتى الكوابيس منها، كانت ممنوعة في هذا المكان. ثم لاحظت جسد أحمد العبدالله يتراخى ليجلس على الأرض. ويلتقط جريدة سعف النخيل ويقبض عليها بيده اليمنى. ماذا تريد؟

ولم أكن بحاجة إلى أية إجابة.. فقد كان أمامي يشدّ قبضته على السعفة المجرودة.. ثم قالت لي نظراته: باتت الحياة زائدة بعد فراق الوجوه التي ألفناها، ولم يكن وليد الأحمد معنا.. فقد وضعه رجال دائرة الاستعلامات الوطنية في مكان مجهول: وحدها سالمة كانت تسكنني في تلك اللحظة.

ورأيت عينيها تطلان عليّ من سماوة الخربة، كانت حزينة ودامية بدشداشتها الحمراء المشدودة على جسدها الفتي. وشعر رأسها يتطاير في الريح.. لم تكن تتكلم، كانت تنظر إلى أحمد العبدالله دون أية إشارة.. وتبادلني نظرة غاضبة وسمعت أحمد العبدالله يقول بصوت خافت: يا ربي.. يا رب القتلة.

وقلت لنفسي: قد يبرر القتل ولكن أية جريمة أشد إجراماً من القتل ذاته سيكون التبرير: ويقول وليد الأحمد: ينبغي ألا تستغرب. أرجع الأمور إلى جذورها أو جذرها الواقعي. وسترى أنك تستطيع النظر إلى الأشياء بصورة صحيحة. أو أنك ستراها كما ترى وجهك في مرآة صافية. على أنني، كنت وما أزال أرى أن استجواب القتلة. وإعادة تأليف تاريخ القتلى عملية لا تستجلب الطمأنينة، ويقول وليد الأحمد: الطمأنينة قرينة الدعة البرجوازية. وإنك بالأساس لا تمتلك شيئاً لتفقده.. ولا أحد يستطيع حتى لو امتلك فظاظة رجال دائرة الاستعلامات الوطنية أن يصادر أفكارك وأنت تتحدث صامتاً أو تفكر وأنت صامت، ويقول أحمد العبدالله: الطمأنينة هي الرذيلة بعينها. وتقول سالمة حين لا تجد بداً من طرح أفكارها بهذه الجدية: الطمأنينة إلى الماضي مغلوطة، والمستقبل هو الحاضر في إطار التصور. وأنا أعاين نفسي بهذه الصورة، ولا بدّ أن تعرف أننا في الحب وحده نضع أنفسنا في ذروة الطمأنينة غير البرجوازية ثم نبحث عن الفعل الذي يحمي هذا الحب. كيف نحمي هذا الحب؟ والحكاية ملخصة أنني أرى تاريخي، بكل ما انطوى عليه من قسوة وانهماك في الوحشية. لأننا في النهاية لا نمتلك إلا هذه الفضيلة. وأعتقد أن مدينة »الم« وحدها القادرة من بين كل المدن على أن تتحدث عن الحب بلغة أكثر صفاء. وكنت أقول إن الكتابة هي الاختراع المستديم والإبراء المستمر للذاكرة، وفي ذلك المنعطف الخطير الذي لا يدركه كثير ممن يزاولون احتراف الكتابة. المنعطف الذي يمثله أحمد العبدالله في انجذابه السماوي الأرضي. لا بدّ للكاتب أن يقول كلمته. وهي كلمة تتضمن الحب. الكتابة حب حتى عندما يكون على الروائي أن يفري كل الدمامل في أكثر الجهات سرية من مناطق مدينته. ويعيد ترتيب الخارطة الجغرافية النفسية لمدينة مثل مدينتنا المنكوبة.

لأن استجواب القتلة. وإعادة تأليف تأريخ القتلى عمل ينطوي على الحب لكن قتلى مدينتنا لا يتحدثون. ولا يوجد من يجبر على استجوابهم، ثم إن أي حديث جاد يكاد يكون محرماً بعد أن انتقلنا باتجاه السجن.. وصبحنا رئيس عرفاء السجانة بصيحته اليومية التقليدية: »ولد الفقراء.. مساكين.. كلكم سجانة ومساجين«.

وماذا يفعل السجين..؟

لا شيء، وكل شيء! وكنت أقول: السجين لا يغادر حريته، ويرفض أي إجراء لإعطائه حياة مجزأة في الدقيقة التي يدخل فيها بوابة السجن الرئيسية. حيث يكون السور خلفه. وقد يوجد الاعتياد امّحاء لأهم ما في الذاكرة من بروزات تقترن في الماضي ولكن ثمة تشكلاً جديداً لا بد أن يحدث، وهذا ما كان يفزعني خصوصاً عندما لاحظت التنميط اليومي لحياة السجن.

وكان عليّ في اليوم الأول أن أكون ضمن ذلك التنميط: الرياضة الصباحية، العد التصاعدي. الكوابيس النهارية، أوقات تناول الطعام. العلاقات غير المتكافئة، التحكم بالآخرين من خلف زواغير السور وأبراج المراقبة. التقارير السرية للعملاء. وهذا هو الخطير جداً إكساب السجن صفة المدينة. وبالنسبة للآخر، وخارج السجن غالباً، يظل هذا البناء الأصم مصدراً لكثير من الأوهام، ولربما وهذا ما حدث بعد ذلك، تستقر هذه الأوهام في رؤوس كثيرين. لذلك لا يبدو شيء من غرابة، عندما نتناول قدح الشاي المر.. في هدأة الليل وهسيس الصمت. ثم يأتيك صوت مباغت: هذه هي خمرة الثوريين. أما عندما تريد امتصاص الزمن في قراءة كيفما اتفق فإن تعليقاً مصنوعاً مثل: السجن محطة مؤقتة للتثقيف. قد يكسب وجهك مسحة من سخرية لاذعة. مع أنه ينطوي على مخاتلة كبيرة وإيهام أفظع للذات.

إن تحدي السجين هو الزمن، أو هكذا خطر لي في السنة الأولى، كنت أتصور زمني عجينة هائلة، عجينة من مخاط وقار وطين وأفيون وشذوذ وتمارض وادعاء حب وتفكير مستمر في التخطيط الذهني لجريمة منظمة، وأنا أتلعبط في طياتها. دون قدرة على تحديد ماذا يراد مني أو ماذا أريد أنا شخصياً؟ وهكذا إذ كنتُ أتذكر أيام الخرائب بكل قساوتها ، وذلك الخوف الذي سكنني ، وأنا في تلك الزنزانة الطويلة مع خليط من ضعفاء أو نصف أقوياء أتمنى أن أعيد خيط الزمن من جديد إلى الوراء إلى الوراء، حتى أصل إلى ذلك الصباح الشتوي بين الخرائب في المنطقة الغربية لأعلن في وجه أحد الغزاة: أيها الجبان: أقدم، فتستقر رصاصة عابرة من مدفعه الرشاش تحت ثديي الأيسر وأستريح من هذا العناء. غير أن الرصاصة العابرة كانت من البطء الشديد بحيث إنني كنت أراها قادمة طيلة تسع سنوات في ذلك البناء الذي يشبه الفطر، دون أن تطال الجزء الأيسر من صدري.

وما زلت أعتقد أن ذلك الاحتمال المتوقع للموت. أو اليأس منه، لطول المسافة التي تقطعها الرصاصة وكأنها تسير في دائرة كونية لا حدود لها، هو الذي قدم لي تلك الانتباهة الفريدة ذات يوم: انني أستطيع أن أكون حراً، إذا ما أردت حريتي، حتى لو كان ذلك في السجن، بل إن فعل الحرية يكسبني تلك الشراسة في قبول اليأس، وكان أحمد العبدالله يراقبني وأنا أضع قدمي في أول هذه الطريق. إلا أنه بعد السنة الخامسة، لم يعد يهتم لأي سؤال أو جواب من ذلك الخليط من الضعفاء وأنصاف الأقوياء.

كان يشعل النار فقط في مكان قرب الباب الرئيسي الذي يوصل إلى حجرة الإدارة حيث السور الحجري المتعالي والمتطاول يطل على مديات واسعة من رمال تغير مواقعها باستمرار، وحيوانات دقيقة تهوم ليل نهار، فوق رمال تصطلي بالحرارة نهاراً، وتبترد ليلاً، حتى إنه في النهار المتلظي يديم إشعال النيران بالعاقول والعوسج وقشور الرمان والرقّي والجرائد القديمة وجوارب السجناء المهترئة وملابسهم الداخلية المتروكة، وغالباً، ما كان هو يشحذ هياج النيران بجريدة سعف النخيل التي لم تفارقه، وفي ذلك الحين انقطعت عنا أخبار المدينة نهائياً لكننا عرفنا بعد ذلك أن بيوتها ومرافقها قد هدت عن آخرها ، وأجبر الغزاة الأطفال والنساء على الرحيل فوراً منها إلى أية جهة يشاؤون. وفي وهج النيران رأيت أحمد العبدالله يفكر قليلاً ، فعلمت أنه يقرأ أفكاري. كانت جريدة السعف في يده، وقد بان القصر في طولها واضحاً، وهو يلاعب نيرانه. وعندما أدار رأسه نحوي أدركت في الحال أنه يراني ويرى سالمة ووليد والنملة البعيدة المتوحدة خلف السور.

- هذه هي الحالة يا سيدي.

أجاب هازاً المجرودة في وجهي:

- أية حالة تعني، ثم إنني لستُ سيدك.

قلت متراجعاً:

- مدينة »الم« اندثرت.

قال مبتسماً بصوت يشبه البكاء:

- مدينة »الم« لن تندثر.. إنها طحلبية..

- ماذا تقول؟

أجاب: هرب وليد من مكمنه..

ثم عاد إلى نيرانه يلاعبها وخاطبني بصوت خفيض:

- لم نكن نعرف وليداً جيداً. إنه مثل طحلبة، يتوزع الأمكنة التي يريدها أو أن الأمكنة تدعوه إليها.

- وسالمة..؟

نطقت اسمها دون إرادة مني. فعاينني من أسفل قدمي حتى رأسي. ثم ركّز بصره على أبعد نقطة في سماء تلك الظهيرة الصحراوية وقال:

- كنت أعرف. أنت تحبها.

- نعم.

واستطرد بفرح مفاجئ:

- لو تدري.. إنها تحبك؟

كان ذلك مفاجأة لي، وكنت في داخلي أضمر لها عاطفة خاصة، نعم كنت أحبها ولا أزال كذلك. إن الأمان المطلق يحضر معها إذ ألقاها في زقاق من أزقة المدينة أو تقف أمام بيت والدها. أما الآن، فإن الأمان الذي تحمله يدخل قلبي كمدية من يترصدني طوال عمري، ثم إذ تتيح له غفلتي فرصة أن يدسّ المدية من تحت إبطي إلى القلب مباشرة، يكون فعله القدري قد وضعني في موقع آخر. لأقول: إن الشيء المهم نفس ذلك الكائن هو الذي دفعه إلى اختيار فعله. لربما كنت أفهم دوافع القتل عند كثيرين من القتلة بيد أن تقبّل سالمة لقتلها، بتلك الطريقة الفذّة الإنسانية والرائعة. كان ينسف كل ما تعارف عليه أهل »الم«. لقد دخل احد الغزاة إلى بيت أحمد العبدالله فوجدها وحدها. وفي الحال انفرد بها في حوش البيت واغتصبها ثم خرج دون أن يقول كلمة. أما سالمة فقد بقيت في مكانها ساعة أو أكثر، كما عرفت منها فيما بعد تنظر إلى السماء متكئة إلى حائط البيت، لا تدري ماذا تقول، غير أنها عندما كانت السماء تحترق خرجت إلى شوارع المدينة وهي تصرخ: الأطفال. عليكم بالأطفال.. وبعد ذلك كنت في حالات من التمزق عندما أفكر بذلك الطفل الذي ينمو في بطنها دون أن تعرف أباه لكنها تقبله. وكانت تبسط الموضوع كالآتي: لستُ مذنبة. إن القتلة مغتصبون بالضرورة، كما أن الطفل لا علاقة له بذلك الذي جرى فكيف أسقطه من رحمي أو أخنقه؟ لابدّ أن أربيه. هذا هو رأيي، وكان وليد الأحمد لا يطيق حتى الاستماع إلى هذه الفكرة ولكن لأن الذي حدث، حدث فعلاً. تصرف وكأن شيئاً لم يحدث. وأخذ يعيد تقييم سالمة بطريقة يختلف فيها معها اختلافاً تاماً.

وقطع أحمد العبدالله صمتي قائلاً:

- سالمة ليست ابنتي!

- كيف؟

- هي من صلب ملكة فقط..

ولا أدري كيف وجدت نفسي أعود إلى عدة سنوات ماضية لأكثفها في لحظة قصيرة جداً. فرأيتها في مكان ما لم أكن أعرفه في سنوات السجن.. تقبل عليّ رافعة ذراعيها بينما السماء تضج بطيور التم.

غير أن أحمد العبدالله تدخل في صمتي مرة أخرى..

- رأيتها أليس كذلك؟

- نعم.

- هذا حسن. لو أنك تستمر على تدريب نفسك. فستراها معك إلى الأبد.

- لا أفهم!

- بالتأمل.

- والطفل..؟

- ماذا... هل مات؟

- إنه ثمرة..

- محرّمة.. أليس كذلك؟

- لم أكن أقصد هذا.

- إذن ماذا تقصد؟

- لا شيء.. نعم لا شيء.

بقيت أنظر إليه، وقلت في نفسي: إنه مع ناره يرانا جميعاً، وليد وسالمة ومدينة »الم« وما أسميه بمستقبلي المجهول، ثم حرّك النار فارتفعت ألسنتها. رأيته يمد كفيه بين اللهب. ويبتسم.

- النار.. ألا تحرق جلدك؟

فقال مغرورق العينين:

- يا إبراهيم لا تزال نصف مبصر. كل شيء حولك يدعوك إلى التمعن والإبصار.. حياة متعددة. ولغات أكثر تعدداً، وأنت سادر في تدوين حياة هذا السجن.

قلت:

- أكاد أفقد ذاكرتي، فقلت أستعين بالتدوين.

تساءل: وقلبك؟

- تبّاً له.

أربد وجهه:

- إياك من الغلط، هنا الغلط وحده. عندما تقيم فاصلاً بين عقلك وقلبك. ودون أن يكمل استدار برأسه نحو السور حيث تفرس في نقطة بداية الظل. كان مبنى السجن. مثل انتفاخ هائل ينبعج من أرض شديدة الانخساف. وكان سوره المربع، الذي يحيط بعشر ردهات، قد كسي بطبقة زلقة من تراب مفخور إلى درجة التزأبق. ويبدو من الانخساف الأرضي بشكل نبات الفطر، ذلك النبات الأملح الذي يميل إلى البياض قليلاً والمر مثل ثمرة الصبر، ومن الرابية الشمالية التي تبعد عن المبنى قرابة ثلاثين متراً يمكن مشاهدة الدخان الذي يتصاعد من المطبخ مع أول الصباح، غير أن السجن من الداخل، ليس إلا أرضاً واسعة محاطة بسور مرتفع في حدود خمسة أمتار وفي ردهاته العشر توزع السجناء أمكنتهم الخاصة. بطانية سوداء ووسادة تبن وملابس وصناديق صغيرة. وفي كل ردهة يوجد مسؤول. يشرف على مسؤولين أصغر منه. وكانت ثمة هيئة غير معروفة العدد تشرف على سير الأمور في داخله يخضع إليها السجناء جميعاً. وفي كل يوم كنت أسمع عن تأليف لجنة جديدة. فهناك لجنة المطبخ، ولجنة شراء المواد الغذائية و... للشعر.. وأخرى للعلاقات ولجنة للحراسة. وسادسة للمعلومات. هذا عدا اللجان غير المعلنة التي أسمع عنها الكثير ولم أعرف مهامها حتى إنني قلت ذات يوم في نفسي مدينة »الم« تحولت إلى سجن. ثم تيقنت من ذلك الذي قلته مع نفسي بعد فترة، فقد جاء إليّ أحد السجناء وانتحى بي جانباً قصياً وأ سرّ في أذني.

- لا تتقرب من أحمد العبدالله. سألت مستغرباً.

- لماذا؟

- إنه خطر.

قلت مغتاظاً:

- ولكنك تعرف صلتي به.. إنه..

قاطعني بحدة:

- هذا غير مهم، إننا نفكر جدياً في مصلحة السجن.

سألت:

- وماذا فعل ليتعارض مع مصلحة السجن؟

- النار...

- وماذا بها؟ إنها ناره.

ردّ وكأنه يريد إنهاء الحديث:

- لقد أبلغتك رأي المسؤولين وأنت أدرى بمصلحتك.

وشعرتُ بقشعريرة »تسري في جميع أوصال بدني فلم أكن أرى في نار أحمد العبدالله ما يبعث على القلق. لقد كان يتلهى بها.. ولم يكن يفكر في حرق السجن. ولم ييأس ذلك السجين مني. فجاء بعد ثلاثة أيام. وجلسنا في المكان الأول ذاته، وبادرني قائلاً:

- أحمدك مريض.

إذن، نرسله إلى طبيب السجن.

- لا.

- ولكنه مريض، كما تقول؟

ضحك وضرب بكفه على فخذي فشعرت بالاشمئزاز. وتابعت:

- إنه مريض فعلاً ألا ترى نحول جسده؟

ضحك مرة أخرى وقال:

- لم يروضه المستنقع لثلاث سنوات فهل تعتقد أن طبيباً سيشفيه!

والمستنقع سجن مركب، فهو مكان ما في السجن. يُعزل فيه السجناء من قبل السجناء أنفسهم ثم تتخذ صيغ صارمة في التعامل معهم، فلهم أرزاقهم الخاصة. ولا يقوم بزيارتهم أحد، ولا تلقى على أحد منهم أية تحية. وغالباً ما تبدأ فكرة إيجاد المستنقع بسيطة وفردية، ثم تتحول تدريجياً إلى نظام أخلاقي وسياسي صارم. وحصة الذي يكون المستنقع مكانه من الكرامة ضئيلة حتى بين زملائه القاطنين معه. فمواقف الضعف والجبن تعاد صياغتها من قبل فريق ذلك المكان ذاته. ليتحول إلى عدة مستنقعات. ولأن نزلاءه معزولون فإنهم لا يحظون باحترام حرس السجن، ومن يتجرأ على تحية أحد نزلائه، فإن عقوبات فورية توجه إليه. وعندما التقيت وليد الأحمد، فيما بعد، وأخبرته عن حكاية المستنقع بدا عليه التوتر وقال: هذا إجراء احترازي. لم أتفق معه، وقلت: ألا يعيد إليك المستنقع الفكرة البسيطة التي قامت عليها دائرة الاستعلامات الوطنية..؟ تغافل وتصرف كما لو أنه لم يستمع إليّ. فقلت بلهجة أكثر حدة: من أنت حتى تصدر قراراً بإعدام أحد..؟ فصرخ فيّ متوتراً: ومن قال لهم أن يكونوا ضعفاء..؟ وليد الأحمد سجين أيضاً.

تماماً كذلك السجين الذي حذرني من والده.

وعندما عدتُ إلى أحمد العبدالله وناره، كنت أردد مع نفسي: الأمن؟ أي أمن يريده هذا السجين؟ وكان أحمد العبدالله يديم اشتعال ناره. دون أن يكترث بي، حتى إذا ما دنوت منه هزّ جريدة السعف في وجهي وعاط فيّ: انتهت مدينة »الم«. كنتُ أعتقد أنه ينهر السور. فقد كان خلفي وأنا أعاين اللهب دون أن أفطن إلى ما كان يرمي إليه، لذلك همهمتُ، همهمتُ فقط، ونظرت إليه. كان الفصل صيفاً والرمال المتحركة خلف السور، تعلن عن حضور ليس بحاجة إلى تأكيد، تئز لترتطم ذراتها بصوت العنف الذي يولده اصطدام حركة الرياح اللولبية السريعة، فرأيت أمامي رجلاً يتحصن بعباءة من الوبر. يداعب ناراً متقدة بجريدة سعف النخيل، وهو يقول: ماتت مدينة »الم«، ثم واجهني ولوّح في وجهي بالسعفة المجرودة زاعقاً: وأنت. ماذا تقول؟

لو كنت في السنة الأولى لاستحضرت جواباً في الحال، إلا أن الزمن كانت له حركة الرمل خارج السور، حتى إذا ما أمعنت النظر إليه وكان يمر من أمامنا فريق الكورال، لم أمتلك نفسي وأخذت أصرخ في وجهه: يا بن »الم« إن هذا كله هراء.. النار المشتعلة هنا.. النار الموقدة في المطبخ والنار التي تحت أوعية الشاي في الردهات والحرارة المحفوظة في الترامس.. وذلك الدفء الخبيء بين الجلد واللحم.

وكما لو أنني عتلت عتلاً إلى الأيام الأولى لمدينة »الم« وطفولتي وذكريات الخرائب وسالمة ووليد، حاولت أن أفتكر هذا الزمن، كان زمناً خاصاً بالسجناء، زمن النهوض المبكر أو المؤجل في الصباح أو المساء.

زمن الصخب والعنف والاعتقادات التي لا تمتثل إلى يقين سوى القبول بالذي يحدث داخل السور. إنه زمن المدينة القديمة في أكثر تشويهاتها حدة، كان زمناً مخالفاً: حضور الجسد في أعلى ذراه التصاقاً بالأرض. الجسد المحكوم بالأرض، المنغمر في امتثالاته كجسد يتقبل أصغر تشوه إزاء الجمال الذي يوحي به جسد السجين ذاته. ولكنه الجسد المتعارض مع اندفاعاته وصبواته أحياناً، ثم إنه أيضاً رغبة الجسد في أن يحيا ويتحرك تماماً كالرمال المتحركة خارج السور. كان زمناً استثنائياً: انهيار الروح. انثلام العقل ورغبة الجسد في أن يكون سيداً وعبداً.

ولما قلت لنفسي: لأماحك ذاكرتي، أيقنت أن هذا هراء أيضاً. فهذه الذاكرة تكاد تكون نشفت. فراغ دائم متصل، وحركات ميكانيكية محضة، الاعتياد يتحول إلى نمط، والكل يتحركون مربوطين في خيوط سرية إلى جهة ما في إحدى الردهات العشر، تماماً كما كان يحدث في أواخر أيام مدينتنا، حين كان الجميع، بلا استثناء. يقادون سراً وعلناً بالخيوط السرية ذات البكرة الواحدة الموجودة في أحد دهاليز دائرة الاستعلامات الوطنية. وإذ وجدتُ نفسي أفتح عيني على سعتهما لم أجد إلا شمس تموز الحارقة وأحمد العبدالله متحصناً داخل عباءته وجهه إلى النار يوجرها بالسعفة المجرودةوألسنتها تطول وتقصر، ومن حواليها وفي داخلها تتحرك الريح رضية، كأن شيئاً ما لا يرين على هذا المبنى المسكون بالأجساد والحركات والصراخ في أحيان كثيرة.

اقتربت منه فاقترب هو مني دون أن يتحرك. وللآن لم أرَ ماذا كان الجسد داخل العباءة يتضمن من تفاصيل سوى أن الوجه بعينيه اللتين كفتا عن أن تطرفا، والفم المزموم الشفتين، الشفتين الرفيعتين والفم الأدرد، يقذفني إلى أيام بعيدة، لا أمتلك الآن ناصية الحديث لوصفها، لأنها كانت خارج حدود الوصف، فهي حركة لا تنتمي إلى أي قوة ولا تقترب لأن تكون في دائرة الوهم، حين توقف الصباح عن أن يكون صباحاً أو عصراً أو مساء. أيام: أمام حبل الإعدام. طلقة الإعدام، شتيمة الإعدام. وقلت له: تساوت الرؤوس وتشابهت الحيوات، وكنت أعتقد أن كلماتي سوف تستفزه، بيد أنه بقي مصغياً لحديث النيران، يدير بصره بين حركة والتواءات ذؤاباتها، ثم حدث الحدث الذي لا أزال أخاله حلماً: وقف أحمد العبدالله على قدميه وبحركة مباغتة من يديه ارتمت العباءة فوق الأرض: كان عارياً بصدر أعجف، وبطن ضامرة. وساقين هزيلتين. ويدين أكثر هزالاً وتقدم إلى النار حتى وقف وسط اللهب وزعق:

أين أنت يا سالمة!!

وخرّ على وجهه بينما كانت النيران تنمو فوق ظهره وكتفيه.

لم يقترب أحد منا. كان الجميع يسيرون قريباً من المكان دون أن يطلقوا نأمة صغيرة: ماتت مدينة »الم« وأيقنت بما قاله أحمد العبدالله عندما لاحظت ذلك السجين الذي تعوّد تحذيري من أحمد العبدالله ينظر صوبنا ساخراً. ولم أمدّ يداً إلى الجسد العاري الذي تنمو عليه النيران، فقد كان أحمد العبدالله يبكي لأول مرة وآخر مرة.

لم أنسَ ذلك البكاء. وحتى بعد أن فتحت بوابة السجن الرئيسية، وخرجنا منها، لم يغب عني مشهد جسد أحمد العبدالله في ذلك الوضع الرزيء. وكنت أزداد اقتناعاً بأنه كان يخاطب الحياة الحقيقية داخل السور وخارجه، مثلما أيقنت من وجود زمن في هذا المنفى الذي تحول إلى مدينة، على أنني عندما التقيت سالمة بعد ذلك بخمس سنوات تعرفت إلى زمن أحمد العبدالله، وكان يقهقه كأنه يقرأ أفكاري، رجل في الخامسة والثمانين. قائم فوق ناره التي يعلفها يومياً متحصن في جلده المتغضن فقط، وهو يقهقه بطريقته التي لا تجارى، رجل في الخامسة والثمانين ينهمر تاريخه في صمته وفي ضحكه الفريد وحركة مشيته المنكفئة.

لم يكن يضحك، كان يرفع ذراعه إلى الأعلى من دون ان يشير إلى أية نقطة، لكن حركة ذراعه كانت كافية لتؤكد له أنه كان حياً بعد ذلك الصباح الشتوي، وإن هذه الذراع التي توقد النيران بإمكانها أن تستدعي الله. وتسأله عن نهاية هذا الخراب، وتمتد إلى آخر نقطة في السماء، وتطال الشيء الذي تريده ويتابع قهقهاته، بينما عيناه لا تطرفان. أو ينحني فيديم اشتعال النيران. أو يباغتني بكلمة..

في الأيام الأولى كان يروق له الحديث. كان يقول لي: اقترب من نفسك أكثر مما تستطيع ثم اهجرها إذا شئت هذا إذا استطعت هجرانها. ويقترب من مصباحه النفطي في الردهة الأولى بالمستنقع ليعاين زيته ويقول: هذا هو المستنقع إذن. ويتابع بعد أن يشير وكأنه يرسم دائرة: هذا السور يتحول إلى حياة أكبر منه.. لماذا؟

السور. لم نكن نفكر في عبوره. كنا نصبحه ونمسيه، ونعلق عليه حبال ملابسنا، ونبني في زواياه والتقاء جدرانه أقفاصاً للطيور والحمام. أو نزرع مع امتداده بذور الرقّي. والبطيخ، تحت الظلال الوارفة، لشجيرات عبّاد الشمس. وفي الليل يكون السور شاهداً.

في الليل يتحول إلى السور إلى رفيق صامت ورقيق. وأكثر سرية. إنه معي ومع أحمد العبدالله وبقية الذين ينامون في النهار أكثر من صديق ورفيق رحلة لكنه العدو أيضاً. فإذ ندور مع استقامته وانحرافه المفاجئ. يقابلنا بذلك الهدوء والصمت الأسطوريين. وبذلك التلغيز المبهم والمحيّر للحيوات التي تتناسل خلفه. وأية حيوات؟ لم يكن بالمستطاع حصرها في راحة اليد أو حتى الإخلاد إلى كونها حقيقة. كنا نعرف أنها تتنفس مثلنا لكنها تظل نقيضنا: كانت حرّة ومحايدة في حين كنا سجانة ومساجين كما يقول رئيس العرفاء.

قال أحمد العبدالله

ـ أترى؟ إن هذا حلم

- سألت: - من هو..؟

- أنت لم تفهم بعد. فلنقل إن مدينة »الم« ماتت. فلنقل هذا.. لكن كيف نستسيغ إبدالها بسجن؟

في تلك اللحظات مرت من أمامنا فرقة الكورال، فتذكرت صافرات السجن وأناشيد القتال في ذلك الصباح البعيد، والأخبار المتضاربة عن وليد وسالمة، ثم إنني كما لو اخترمتُ تلك الفاصلة الدقيقة بين الماء وبخاره رددت أمامه هذا حلم. هذا كابوس.

خزرني بعينين لا تطرفان مستفهماً، كابوس: ماذا تعني؟ وكانت الشمس خلف الرابية الشمالية كابية ومحزونة، ثم تساوت المسافة بين النور والظلمة، فاختلطا.. وكنا في الظلمة في تلك الظلمة الموحشة: الليل المتصادق أبداً مع الظلام والصيحات الغامضة خلف السور وصوت ارتطام الأبواب والزعيق الفظيع الذي تطلقه الأرض الحصباء في فترات متفاوتة. بينما كان النور ينبعث في إيماضات من نار أحمد العبدالله. التي أخذ يعلفها بأحجار غريبة بعد أن مانع السجناء في إعطائه الأوراق المتسخة والملابس القديمة، كان ينظر إلى الأرض بشراسة ويبرك على قدميه ويحفر بخشبته في الرمل حتى ينتهي إلى نتوءات تلك الأحجار. كانت أحجاراً جوزية اللون، شفافة وهشة فيرفعها برفق من جذورها الأرضية ويضعها برفق أيضاً وسط النيران المشتعلة، ولم تكن تخبو بعد خفوت ألسنتها.. كانت تستمر في اتقاد لامع أخّاذ.

وعندما باتت الأحجار تنضب، حدث ذلك التطور الذي لم أحسب له. كان ذلك في صباح خريفي، رأيته يحزم فراشه ويكوّم متاعه الضئيل في علبة ورقية سميكة، ولم يكن ثمة ما يثير الاستغراب، فلقد تعودنا على ما كان يؤديه أحمد العبدالله يومياً مع بداية الصباح: إذ يستيقظ من نومه. يركن إلى فراشه الرث، ويطويه بعناية ثم يشده بحبل ويجمع متاعه في العلبة الورقية. ويجلس القرفصاء هنيهة. ثم يدخن قبل أن يبل ريقه، مطيلاً النظر إلى الأرض. ومتحصناً بعباءة الوبر المرقعة. بعدها يتوجه إلى السور ليحاذيه في مشي سريع خفيف. أما في ذلك اليوم.. فقد جلس القرفصاء كعادته ودخن سيجارته. لكن بدل أن يتوجه إلى السور حمل فراشه واتجه صوب بوابة السجن الرئيسية وأخذ يحفر في الأرض الحصباء متسعاً منخفضاً. وجاء بحزمة من عاقول ووضعها في الموقد وأشعلها.. وطفق يديم إشعالها والنظر إليها.

منذ ذلك اليوم ترك صلاته المعتادة، في الردهة الأولى حيث تقاليد المستنقع. بعد أن يتأكد من أنه أصبح وحيداً يتربع فوق البطانية السوداء ويبدأ ينود.. لم يكن يصدر أي صوت، كان يحرك شفتيه متيحاً لفكيه حركة دقيقة.. مرسلاً بصره إلى الأسفل مسافراً في ملكوت الأحياء والأموات دون أن يعير انتباهاً لخفق أحذية النزلاء الذين يمرون أمامه، بعد أن بدأت الشمس تطلع في الجانب الشرقي من السجن والعالم.

بالأكيد كان يصلي. كنت إلى جانبه في تلك الأيام. صاحيا أو ناعساً. أنظر الجسد المتحصن بالعباءة يلتفت مغمض العينين إلى اليمين والشمال. يمرر كفيه على جبهته وخديه ويهبط برأسه إلى الأسفل، كمن يهبط في مرجل لا قرار له، معطياً جسده تلك المرونة التي يتحكم بها من يعيشون اتصال الليل بالنهار. ثم تبيّن ارتعاشات جسده، من داخل العباءة أنه يخاطب أناساً لا أراهم ولا أعرفهم، ثم يغمره السكون بينما وجهه يصفرّ ويرتعش منخراه، وكأنه يحمل على كتفيه وزراً ثقيلاً، على أنه أحياناً، كان يلتفت إليّ ليقول بإشارة مقتضبة: هل ما زلتَ تعتقد بالغلط والصواب؟ وكنت أقول في خلوتي إن أحمد العبدالله يخضع نفسه إلى مرافعات مستمرة. إنه الحاكم والمتهم والشاهد والشرطي والسجّان وأسياخ السجن. لكنني كنت أقول أيضاً إنه يحاكم الذين لا أراهم وليد وسالمة وملكة والذين في دائرة الاستعلامات الوطنية وأولئك الذين هبطوا علينا من علٍ لأن ارتعاشات جسده، من داخل عباءة الوبر تتحرك مثل أسماك صغيرة تلبط في كيس شبكي ضفرت عيونه الصغيرة بدقة.

وعند الليل افتقده السجناء. كانت الزوبعة الخريفية خارج الردهات عارمة. اختفت النجوم خلف سماء محمرّة الأديم والهواء المجنون ينقل ذرات الرمل بسرعة أكثر جنوناً. وفوق السور كانت الأسلاك الشائكة تطلق أصواتاً غاضبة إذ تصطدم بها الرياح بينما كان أحمد العبدالله قريباً من البوابة الرئيسية يديم إشعال ناره المدمرة، وبيده اليمنى يمسك جريدة السعف ويجأر: هراء. إن هذا هراء. هذا الذي يحدث كله هراء.

كان وجهه ملتهباً بلون سمكة شويت على عجل بروث البقر. وكانت عيناه لا تطرفان. وهو ينظر إلى نيرانه، خيّل إليّ في تلك اللحظات أنه يسافر إلى حيث يشاء، ويحرق بنيرانه كل من يعرف، والذين يكره أو الذين لا يريد أن يراهم. وكان قريباً إلى النار حتى لتكاد تصفعه. متراجعاً في نظره إلى النيران إلى ماضٍ غير قابل للحفظ. إنه ماضيه ماضي المدينة، لأن »الم« انتهت في عقله وقلبه، ورأى في النار صورته القديمة، وتلك الهجرة من الكوفة إلى العمارة والتوقف عند النهير الصغير، كان يرى قافلة جده الأكبر، وفي المقدمة »الم« كفيف البصر يترنح »لقد أغلق الإبصار جفني من شدة البصر.. فيا لتعس النور والظلمة«... و..

وسمعت صوت رئيس عرفاء السجن: »هذه ولاية؟... تف« واستدار راجعاً إلى مبنى الإدارة، منحني الظهر، متقوس الكتفين يدوس على أرض حصباء. ويردد »هذه ولاية السجانة والمساجين.. تف«. بصق على الأرض. بينما اقتعد أحمد العبدالله علبة من صفيح. كان الوقت بداية الصباح. وقد توزع السجناء المسافات الصغيرة التي تفصل بين الردهات. كان هذا بداية اليوم السجني وكان ثمة من يقوم بعمل شاي الصباح،والاستعداد لتهيئة طعام الغداء، وفي الزوايا القصية كان هناك من يخيط حقائب صغيرة من خرز ملوّن.

وإذ وصل إلى البوابة الصغيرة التي تعزل القلعة الحجرية عن القلعة الجديدة نظر رئيس عرفاء السجن باتجاه البوابة الرئيسية المغلقة، حيث كان أحمد العبدالله يقول: »اسمع الحكمة من سجانك. هذا زمان« داخلني شيء من الاطمئنان فقد تحدث إليّ بعد انقطاع. لكني تشاءمت عندما سألني:

»وماذا بعد النار؟«

الجنة. قلت هذا لنفسي. وخمنت أنه يعاتبني. وفي لحظة تشبه لحظة انخطاف قلب الطفل الصغير عندما يسمع كلباً يعوي في ليلة باردة ومطيرة، أدركت ذلك الذي حدث: كنت مشاركاً فيه ولم أذنب، وكان قسط منه داخل عباءة أحمد العبدالله، ولم يكن خارجه وليد أو سالمة. أما دائرة الاستعلامات الوطنية فهي التي قادت المدينة إلى الخراب، ثم إننا بعد هذا كله، سلمنا لقمة سائغة.

كان قرار دائرة الاستعلامات الوطنية من الغزو قراراً آثماً. لأن أيّاً من رجالها لم يقاتلوا، لكن الذي كان أكثر إثماً قرار الاستسلام. لأن رجالها لم يقاتلوا لقد اجتمعوا إلى الغزاة. وصفوا الحساب في لقاء واحد.

وكان أحمد العبدالله يورث ناره عندما سألني »ماذا يفعلون في الردهات الأخرى؟« يلعبون النرد والدّاما، يتماحكون بالقراءة واصطياد الأفكار. يتحدثون عن الماضي ويمارسون كذباً أسود وأبيض.. يكتبون رسائل عاطفية لنساء متوهمات. يدارون الهزيمة بالشعر.. ويعالجون الخراب بأفكار المستنقع.

وفي بداية السنة التاسعة خمدت ناره فجأة..

قل لي يا أحمد العبدالله... ما هو الأمل؟

وعرفت أنني تورطت. فما كان عليّ أن أنكل به بمثل تلك القساوة. كان موقد النار وسخاً، فجاء بأحجاره الهشة وكومها من جديد فوق الوساخة وأدنى منها عود الثقاب المشتعل. بيد أن الأحجار فضلت أن تظل باردة، وحاول مرة أخرى، وثالثة، ورابعة لكن الأحجار ظلت ترفض الاشتعال.. عند ذلك استدار إلى صندوقه الصغير وفتحه وصرخ »هراء.. هراء، ذاكرتي فرح كافٍ«.

ولم أتمكن من مصادفة الرجل وحديث السور بعد ذلك اليوم. والآن إذ أقف في المكان الذي كانت فيه مدينة »الم« قائمة فإن ما أقدم عليه أحمد العبدالله لا يمكن أن يمحى من ذاكرتي.

إن للضفة الغربية رائحة الماضي ومعناه، بين هذه الخرائب، رأيت الخراب وعندها اليوم اجتمعنا. وليد وسالمة وأنا..

قال وليد الأحمد:

- والدي لم يمت

قالت سالمة:

- روح المدينة باقية.

ولم ترق فكرتها لوليد الأحمد، تساءل:

- أحمد العبدالله؟

لكنه كان أمامي منكرباً وحزيناً، فقد كان أبوه أيضاً قلت:

كان متوحداً، أخرج مقتنيات الصندوق. وفرشها على الأرض وقال: هؤلاء هم جنودي. إن جنودي لا ينهزمون وسوف يتعين عليكم استدعاء الموتى، وقولوا لهم يقول أحمد العبدالله... تعالوا يا أولادي.. تعالوا أيها البؤساء.. الذين قاتلتم وهربتم، ثم قال لي: اذهب عني أنت.. فتحركت قليلاً.. غير أنه أمرني: ابتعد.. ابتعد.

قام على حيله، ورمى عباءته على الأرض وتحرّك باتجاه السور. كان يمشي متطاولاً.. صاعداً إلى الأعلى ومنكفئاً إلى الأرض، عارياً تماماً، حتى إذا ما التصق بالسور. أمسك بأول بروز قابل يديه وحاول أن يتسوره. كرر الإمساك بالبروز وتشبث بالجدار بيديه ورجليه. حتى استطاع في الأخير أن يعلوه. ويجلس على قمته..

كان السجناء قد اجتمعوا حينئذ وهم يراقبون الرجل العاري الذي سيغادرهم للتو.

فجأة صرخ أحدهم

- يا رئيس العرفاء.. هرب أحمد العبدالله.

من الرابية القريبة.. كان أحد الحرس يراقب الموقف ساخراً.. لكنه إذ سمع صيحة السجين سدد بندقيته على أحمد العبدالله. وأطلق رصاصة.. ثم الثانية.. فانهار الجسد العاري نصفه في داخل السجن.. ونصفه الآخر خارج السور..

لم يكن ميتاً، قلت، كان نائماً. وجهه إلى الأرض، ورغم الضوضاء، اقتربت منه كثيراً فسمعته يقول: »يا عوزي الثأري كيف الغلط.. كيف الصواب؟«.

قالت سالمة:

- كل المدن ترفضنا.. إننا نعيش حياة سرّية..

وكان وليد الأحمد قد غيّر هيئته.. فلقد تزيّا بزي رجل دين، وبدت سالمة أمامي، مثل ربة بيت من بيوت مدينتنا القديمة.







 


ملحق



صحف إبراهيم



أنعمتُ فكري فيك. ثم رميتُ
بكأس المدام تجاه الجدار.
الآن. ما أنا سكران أو في إفاقة
أثبُ لأعلى وأدنى، فكلي مُخبّل؟
 

جلال الدين الرومي





آه.. يا »الم«

يا كوننا الفسيح وقبرنا الضيق

من ذا الذي يدعونا، لنتذكرك، أكثر من الصلاة الوسطى، حتى ونحن في زنزانة سجنك المظلم!

ربما يحدث هذا، لأننا ما انفصلنا عن بعضنا، أو لأنه قدرنا المبصر أو الأعمى، نجذبه إلينا باختيار قديسين، أو ننجذب إليه بغير أية إرادة منا.

مهما يكن، يا كوننا الفسيح وقبرنا الضيق، ها هي روحي تقابلني وتسألني: إذا كنت قد ابتليت بهذا الصبر والحزن والخوف، فما هو الذي يتبقى لك إذاً - يا إبراهيم - لكي لا تنساني؟(*)

لا شيء - يا روحي - إلا الكلمات.

وها أنتِ، وأنا أراك في هذا الجزء المتقد من ذاكرتي، إلا كلمات. كلمات. كلمات. أو لأقل صحفاً. أو دعيني أنسبها إليّ: صحف إبراهيم.

لم أكن أعرف، لا اسمي ولا عائلتي بما يكفي، لأعيد تشخيصك من جديد أمامي، إلا بعد أن ابتعدتُُ، مختاراً أو مكرهاً، عن ضريح جدنا ورايته الحمراء.

هنا، لا شيء آخر لديّ سوى الكلمات. »الم« كلمات. الناس كلمات. الله كلمات. وأنا كلمات أيضاً.

لذلك لا أمتلك سوى الكتابة التي بها أستعيدك، وبها أيضاً أنغمر فيكِ حباً، ومن خلالها أجلس على كرسي إمارتي، متوجاً جبهتي بشعرك، منتظراً ذلك الذي سيطلق عليَّ رصاصة الرحمة في أية لحظة.

فليحدث - بعد هذه الصحف - ما يحدث، لأنني سأستقبل ملاك الموت باهتمام، وبمعرفة الطريق الذي سوف أسلكه.

أعرف ان من يطرق بوابة هذه الغرفة سيدخل دون أي استئذان. سأرحب به وأجلسه قبالتي وأخاطبه: أيها الملاك الجميل.. لا أنت ولا الجنرال، تستطيعان هزيمتي.

كلانا يعرف دوره ومهمته: دورك أن تستعيد روحي وتبعث بها إلى حيث المنشئ الأعظم. ومهمتي أن أستجيب لدورك وأسلمك روحي، لأذهب للمرة التي لا أعرف، وبالهيئة الجديدة التي لا أعرف أيضاً، إلى حياض المنشئ الأعظم.

لن يتم ذلك بدون ألم.

أنا أعرف، تماماً ما هو الألم. لكنني لن أنسى مهمتي، لأنني أعرف الذي يحبني وأحبه ويدعوني إليه، بينما الملاك الجميل، أو هو منشغل بدوره ينسى - أو فرض عليه نسيان - مهمته.

بيد أنه عندما يجالس نفسه، وحيداً - ذات دخان - سيكتشف كم كنت جميلاً عندما عرفت مهمتي، قبل أن يعرف هو مهمته.

ثمة فرق بيني وبين ملاك الموت: إنني أخلق صحفي، وهو لا يمتلك إلا دوره.

هنا المسألة الحقيقية الموكلة إليّ: الحرّية.

إنني أصنع الحياة والموت، في صحفي، بينما هو ينفذ دوره مثل مأمور.

ثم إنني، بفعل منه مضاد للحرّية، سأرحل قبله إلى حياض المنشئ الأعظم.

يا سالمة.. هنا الفرح. وهنا العذاب، حيث....

-----------

(*) يبدو أنني أخلدتُ إلى إغفاءة ما، بعد أن استطعتُ تنقية هذه الكلمات من بين أسطر وصفحات، يخيل إليّ أنها رسالة كتبها إبراهيم الأحمد إلى سالمة، من داخل غرفة في مدينة على ساحل بحر، بينما كان يستعد لاستقبال ملاك الموت.

رأيتُ - كما رأيتُ أثناء تلك الإغفاءة - أنني أقف وسط قارب صغير يطفو على مياه بحر صافٍ، نتجه صوب ساحل ربما شاهدته ذات يوم: كان الساحل رملاً تعلوه تلة صغيرة، تطلع منها أبنية قديمة مبنية على باللبن الأحمر، وهناك لسان خشبي طوله خمسة أمتار تقريباً يطفو على مياه ضحلة، يستخدم مرسى لقوارب صغيرة.

كان معي في القارب صبي وصبية، الصبي يشبهني تماماً في صباي. سمعته يقول للصبية: يا سالمة، هل سأكون هذا الرجل - وأشار إليّ - عندما أغدو في الخمسين من عمري؟

قالت سالمة: نعم، يا إبراهيم.

اقتربنا الآن من المرسى الخشبي. لقد تركنا البحر خلفنا، وها نحن نواجه الساحل. قال الصبي: سيقتل أحد في هذه الساعة.

فجأة، رأيتُ رجلاً طويل القامة، مقنّع الوجه، يرتدي ملابس عسكرية مرقطة باللونين الأخضر والأسود، وهو يشهر مسدساً حربياً في وجهي.

وجّه الرجل كلامه إليّ: أنتَ جمعة اللامي أم إبراهيم الأحمد؟

- جمعة اللامي.

قال الرجل: إذاً سأقتلك.

ثم أفرغ خمس رصاصات من مسدسه في رأسي.

عدتُ إلى اليقظة متعباً وقلبي يخفق، فاتجهت إلى مكتبي، حيث توجد مسودة هذه الرواية، كما هي الآن بين يدي القارئ الكريم.

أخذت أعيد قراءة بعض »صحف إبراهيم«، وبعد ساعة أعدت أيضاً قراءة مسودات هذه الرواية، فاكتشفت أن شبهاً كبيراً يوجد بيني وبين إبراهيم الأحمد، في بعض منعطفات حياتي، وخصوصاً منها تلك التي تتعلق في مغادرتي العراق منذ مطلع عقد الثمانينات من القرن العشرين.

كان ذلك في النصف من شعبان من سنة خلت. وعبر نافذة غرفتي الوحيدة المطلة على البحر، شاهدت قارباً صغيراً يدنو من الساحل، يتوسطه صبي وصبيّة. كان الصبي يطالع شيئاً في كتاب، أما الصبية فكانت تغرق في صمت عميق.

وانتبهت مرة أخرى، من إغفاءة قصيرة ثانية، وتذكرت أن هذا الحلم - الكابوس، منظر ذلك الضابط وهو يفرغ الرصاصات الخمس من مسدسه في رأسي، يطاردني في النوم والصحو.

ألقيت نظرة متأملة على هذه الرواية، وقلت في نفسي: ليحدث ما سيحدث. لا بدّ من الاستمرار في تدوين التاريخ الشخصي لمدينة »الم« والبحث عن كل مفقودات إبراهيم الأحمد.

اقترب الصبي مني، وقال هامساً: هذه صحفي، وانتبهت للمرة الثالثة من إغفاءة قصيرة ثالثة أيضاً.






--------------------------------------------------------------------------------







صحيفة العزلة





لا سُكْري يَضيقُ بِيْ

ولا ضَجري

يختارُ هجراني

لا نُوري

لا دَلالي يفارقني

وأكواني

لا تَسطيع نِسياني

وحَدْي،

حيثُ لا أحدَ سواي

في كلِّ أزماني

أُهاجعُ مَللي

لينساني.

فتعالَيْ، يا خَمْرتي ومائي

نذوبُ

في الكأْسِ

***

كأْسِي الأرضُ

وخَمْريَ الماءُ

وها أنا، حيثُ لا أَحَدَ

قبلي، أو بعدي

وردة فوق عرشكِ

يا عَرْشي ومائي

أحْلُمُ بِكِ

وأمزجُ

الخمرَ بالماءِ

***

كُلُّها:

بَلابلُ المنازل

ونيرانُ أصفهان

حَمامُ المساجد

و»عصافيرُ« العرب

»فواختُ« النخيل

وجيادُ سليمان

»لاميّاتُ« القدس

وعذراواتُ بابل

ثيران سومر

و»غاقات« الرافدين

النومُ، البحارُ، الجبالُ، الريحُ، المياهُ، السماواتُ المجرّآتُ، الملائكةُ، الانعامُ، و»الأنانوكي«..

سَكْرى مثلي

بعد حُقّيْ خمرٍ

من سرّتك

وركعتَيْ صلاةٍ

بَيْنَ نَهديكِ

***

أيها السّاقي:

عينا حَبيبتي كأسان

من خَمْري

وصِراطُ عشّاقي إلى غرفتين

في جنتي

عينا حبيبتي:

كلماتي وأسمائي

أورادي وأحزابي

بين

يقظتي ولا نومي

أنا الذي

لا تأخذني سِنَةٌ ولا نَوْمْ

***

سُرَّتكِ كأسي

وخَمْري رِضابُكِ

أيها الساقي:

لا تَدَعْ كأسي فارغةْ.

ومن رحمتي،

أنا الذي

لا قَبْلي قَبْلٌ ولا بَعْدي بَعْد

سأشربُ

من سُرّةِ حبيبتي

كأساً دهاقاً

وأعود إلى

عُزلتي

***

أيها السّاقي:

خَمْرتي لذيذةٌ

مثل رِضابِ حبيبتي

وعفيفةٌ

مثل أشواق عشاقي

خمرتي طاهرةٌ

مِثْلها مثلي

عَصَرْتُها بيديَّ اللتين

ليس كمثلهما شَيء

وغمرتُ بها

جسدَ حبيبتي

***

أيها الساقي:

جَسَدُ حبيبتي

منازلي

وأكواني

جَسَدُ حبيبتي

روحي

***

أيها السّاقي:

عُشّاقي السُّكارى،

الملائكةُ المقربون

أو تلك الأسماء الأكثر طهراً

سُكارى محبتي الذين

يعرفون سكري

وكمْ هي زَكيّةٌ خمرتي

يُقْرِئونني منّي إليّ السَّلامَ

لأن التي صيّرتُها

على عَيْنيْ

بَكَتْ في حَضْرتي

فَملأتْ كأسي

دمُوعُها

***

أيها الساقي:

لمَ يَحْْسِدُك هؤلاء الصاحون

ألأنك ثملٌ برحمتي؟

سُبحاني

ما أعظمَ أسئلتي بِيْ

سبُحاني

ما أجملَ حبيبتي بيْ

سُبحاني

ما أعظمني ... بي

***

أيها السّاقي:

سُبحاني في ضجري

سُبحاني في سُكْري

سُبحاني في خمرتي

التي لا تخلو منها

محاريب المؤمنين

***

أيها السّاقي:

امتلأتْ بي حبيبتي

بعد أن اصطفيتُها

على عَيْنيْ.

أفبعد هذا الوصال

تسأل نفسك:

من أنا ومن هي؟

***

أيها السّاقي:

كأسي المترعةُ

مُنشغلةٌ بي. أنا الرحمة،

وبينما الملائكةُ من حولي

يُسبِّحون

تَعْرُج حبيبتي إليّ

فتراني بقلبها.

وأُبْصرِها بِعيْنيْ

أيها السّاقي:

.. أو بعدَ هذا الوصول

تسأل نفسك:

من أنا ومن هي؟

***

أيها السّاقي:

أوقفتُها بين يديْ

فرأتني في عَيْنيْ

أوقفتُ نفسي بينَ يديها

فرأيتها فيَّ

ورأتْني في نفسي

أيها السّاقي:

هي أنا

أنا هي

وكلانا نحن

***

أيها السّاقي:

في راحةِ كفي اليُمنى

تَسقطُ أفلاكي

لتتقدَ - بعزّتي -

مثلَ فُصوصِ مِسبحتي

وتُصلّي عليّ

أيها السّاقي:

أفلاكي بعضٌ من تُرابٍ

في قبضتي.

وَحْدَها، حبيبتي

سِعَتي ولا مُنتهايْ

وهيَ - برحمتي -

وَحْدها النورْ

***

أيها الساقي:

بَينَ قدمي

تقْعي النارُ متأبطةً بردها

والبحارُ تَسْكِنُ مُعلنةً طاعتها

تُقبّلُ الرّيحُ شسع نعْلَيَّ

ويَخْلد النومُ إلى يقظةٍ عابرة

تُمسّدُ الأمطارُ على ريشها

وتحتشدُ الشموسُ خوفاً ورهبةً

أيها السّاقي:

بينَ عينيْ

حبيبتي وَحْدَها

تضيء روحُها بخمرتي

وتغفو

بين جَفنيَّ

***

أيها السّاقي:

لا تحزنْ، ولا تفرحْ

لا تمتْ

وكُفَّ عن الحياة

لا تهربْ مني

ولا تتقدمْ إلاّ إليَّ

لا ترفض هذا

ولا تقبلْ بذاك

كُن العدَمَ

أو كُن الدهرَ

لكنك، طائعاً، ستقبضَ روحَكَ

لأبقى وحيداً، كما كنتُ،

وأنادي: لمن الملك اليومْ؟

فتجيب روحي:

يا روحي:

سبحانك، ما أعظمَكْ

***

أيُّها العُشّاق:

حبيبتي خمرتي

وسُكْري حقيقتي






--------------------------------------------------------------------------------

صحيفة المطر





لن أطلب القمر
لا،
لن أطلب الشمس
لا،
ولن أطلب الشمس
التيجان للملوك
عصا الحرب للجنرالات
والمجد - كل المجد - للرؤساء والقياصرة
والبترول
أشتهي، فقط...
خصلة من شعرك
***
حتى لو بلغتُ آخر العمر
حتى لو قذفت مدبِّرةُ الملجأ
بجسدي الشائخ خارج السّور
حتى لو أغلقوا الكوّة الوحيدة
في زنزانتي
حتى لو وضعوني في حوض »الأسيد«..
سأهتدي إليكِ.
ومثل جروٍ أعمى
فُصِلَ - الآن - عن أمه النفساء
سأَتَشمّمُ أصابع قدميكِ
وأبكي.
***
في »تموز«
وُلِدْتُ
وبََلغتُ سنَّ الرُّشد
***
في »تموز«
عرفتكِ.
في اللحظة التي عرفتكِ فيها
عرفت شبابي
وهَرِمْتُ.
في تلك اللحظة
عَرفتُ الله
ورَجَمْتُ هذا العالم
بخرطوم خِرتيت ميّت
***
قلبي الذي أحبَّكِ،
مقبرةُ أطفال
وأنتِ سياجها
***
يذكرني بكِ المطرُ
عندما يغسل الرملَ في باحة السجن.
يذكرني بك..
نعاسُ الحدائق،
فتأتين إلى وحدتي
متوَّجةً بالآس
وبَعْضٍ،
من سَقَرْ
***
اخَتَبَلْتُ.
نعم. ها إني أعترف: في ذلك اليوم الممطر
من تمور، اخَتَبَلْتُ.
رأيتكِ في شارع الرشيد، يغمرك المطر،
بلا مظلة، ولا نقاب.
ماذا أُقدِّمُ إليكِ؟
في الطريق إلى صالة الفندق، تخلصتُ من كوفيّتي.
وحافياً وقفتُ أمام بائعة الورد. ابتعتُ زهوراً،
وجريتُ خلفكِ.
ألا يحق لي أن أختبل، خمس دقائق فقط، نعم،
إنني اخترت الخبالَ دقائق معدودات. وهكذا: اقتربتُ منكِ، عاينت حذاءيكِ المبلّلين بالمطر، وتقصّيتُ حبات المطر عند مفرق شعركِ الأسود، واستنشقتُ عطركِ مبتهجاً بذلك المطر الميساني.
سبقتكِ خطوتين، ووقفتُ أمامكِ: سيدتي.. سيدتي. وانحبس صوتي، سيدتي، وسمعتكِ تقولين للآخر:
- ماذا يريد هذا المجنون؟
قال رفيقكِ: إنه مجنون، فعلاً.
اللحظة، صرتُ الخبال نفسه. رميتُ كل الأزهار، واحدة بعد أخرى،
فوق رأسك.
آه، لو تعرفين، كيف كنتِ حينها؟: زهرة رازقي أسطورية.
- ماذا يريد هذا المجنون؟
- إنه مجنون فعلاً. ردَّ رفيقك.
وكنت مجنوناً بالزهور تحتضر على أرض الشارع، زهور تعفّرت بالطين، سحقتها الأحذية، ولوّثها بصاق السّكارى.
أخذتُ أجمع زهوري، زهرةً بعد زهرة، من بين الأقدام ووسط سخرية المارَّة. وضممتها إلى صدري، كانت زهوراً معفّرة بالطين، سحقتها الأحذية ولوّثها بصاق السكارى.
كنتُ أعيط. أنا... آخر مجانينكْ
عند الفجر، قصدت مقهى »تموز«. اقتعدت الأرض، وتوسدت دكتها البليلة، ونمتُ.
حلمتُ باثنتين:
بكِ... وببغداد.
أنتِ المطاف الأخير
... وبغداد آخر الدنيا.
***
في الصباح، استيقظتُ على مواء: قِطةٌ صغيرةٌ عمياء، تتقدم إليَّ، على ثلاث أرجل. اجتمع المقهوران: ألقيتُ بكل زهوري، على قِطّةٍ عرجاء.. لا تُبصر.
كان ثمة شرطي يراقبني:
- ماذا يريد هذا المجنون؟
- إنه مجنون، فعلاً. ردّ رفيقكِ.
***
بكفّي اليمنى، استخرجتُ قلبي من صدري،
ورجمتُ به هذا العالم،
وأنا أُقهقه:
أنا.. آخر مجانينكْ!


 


صحيفة الرماد



-1-
لو أنّها، مرّة
في خاطري
مَرّت
كأنها الدنيا
في خاطري
مَرّت
 

-2-
الاسطبلات بلا جياد
البراري خلت من الغزلان
الأطفال بلا لعب
النفانبف لم تتعطّر
الأقمار بلا سماوات
السماوات خاصمتها الفضاءات
أنتِ، وحدكِ،
غزالة البراري
وسيدة الأقمار

-3-
مُنذُ أقدم الحقب
مراهقون وساحرات
عنادل ولبؤات
يرقصون في حدائق قلبي
أنا صغيرهم
الذي علمهم الحب
رغم سنوات عمري الألف
 

- 4-
نادلةُ الحانة
لا تعرفكِ
لكنها
- إذا رأتني أفكّرُ فيكِ -
نطقتْ باسمكِ
وضحكتْ

- 5-
أنا طفلكُ السماوي
أهدتني أمي اليكِ
قبل قرنين من زفافها
تعالي. خذيني »إلى الذّيد« أو »رؤوس الجبال«
إلى »حراء« أو »الحِيرة«. إلى »القارة السادسة« أو »بنات نعش«
تعالي إليَّ وخذيني منّي إليكِ


- 6-
سَيّدةُ الرماد، أو عاصفة البنفسج في دمي.
امرأةُ العذاب المختار كناموس
امرأةُ الفضّة الغالية كالبياض
امرأةُ النوافذ والبراري وحقول القمح
امرأةُ الغرفة التي مثل قلب عندليب
امرأةُ الصمت والانتحاب
امرأةُ الرماد،
الرماد الذي هو دمي
امرأةُ الرماد الذي هو قلبي
تاهت مني في الحلم.

- 7-
مثل كمانٍ ميت
أو جواد يستعد لاستقبال
طلقة الرحمة
كان قلبي يستعد لليقظة
 

- 8 -
في غرفة غافية كالبياض
أو في كلّة« عرس
استأذن قلبي الأرق
وكسّر المشارط


- 9-
عندما مرَّ بي المشيّعون
أمام بوابة الحديقة
قالت زهرة الأوركيد:
هذا شهيد آخر.
 

- 10 -
ندما حملتني أكف المشيّعين
وداروا بي - حسب وصيتي -
ول سور المدرسة
قال الحارس الأشيب:
هذا آخر مجانينها

- 11 -
في عنبر الموتى، عندما رأيتكِ
تلقين عليّ نظرتكِ الأخيرة
استيقظتُ من موتي
لأموت، مرة أخرى،
بين ذراعيكِ

- 12-
سَيّدةُ الرماد، تمر الآن،
في دمي
عاصفة بنفسج
وقطيع أفيال بيض.

 


صحيفة البياض





تلك الليلة البيضاء
في عمق مرآتي أرى وجهك/ عند مواقف حافلات المدارس وفي المكتبات ومحاريب العزلة/ في عربات العشاق وفوق قباب النور/ في المسارح الخالية وغرف السجن المهجورة/ في جوف الحوت وبين خطي السكة الحديد/ في قصور مخيلتي وخرقة العارف / تحت جلدي ومخدتي الأخرى / في هذياني النهاري ورقصي الليلي..
أرى عطرك
وأشم هفيف مروحتك
 

***

في تلك الليلة البيضاء.
ليلة اللحى والوجوه الملثمة/ ليلة الخيل المجنونة والأفاعي ذات الأنياب الخضر / ليلة البرد الأزرق وصراخ الصندل/ ليلة ابتهال نخلة الدار وعواء الذئاب/ ليلة خروج الضباع من أوجارها/ ليلة انتزعوني من حضن جدتي/ ليلة قيّدوني إلى سارية المركب..
سمعتك جواري
تقيدين يديك إلى سارية المركب
وتقولين:
حريتي حيث تكون
حُرّاً أو مكبلاً

***

يا صمت رماد روحي
يا الماء والوعد
يا نرجسة الفراغ
عندما كنا في الأعالي / لم يكن ماء ونار / لا جبال ولا أنهار/ لا خيول ولا مدن / لا غابات ولا صحارى / لا غزلان ولا حمر وحشية..
كنا - معاً - نقدّسُ القُدوسَ
منازلنا الفراديس
وهودجنا الفراغ

***

في تلك الليلة البيضاء
ليلة الضباع الملتحية الشهباء / ليلة الذئاب المزججة الحواجب / ليلة انتحاب المعابد / ليلة الفزع والخوف / ليلة انتزعوني من حضن جدتي / ليلة قيّدوني إلى سارية المركب..
رأيتك جواري
تقيّدين يديك إلى سارية المركب
وتقولين:
معك،
أختارك حريتي
وموتي

***

عَطّرتُ جديلتك بـ »سِعْدِ« الأهوار
فغفت على عضدي الأيسر
حرزاً أكديّاً
ونَمتْ على صدري
ضَوْعَ قرنفلةٍ
وغصناً من غار
يا امرأة الصمت
صمتك، هذا،
نار باردة
أم ثلج ميساني الأسرار؟
يا لفرحي فيك
مختبلأ
مجنوناً
أو زلزالاً في الدار!

***

في تلك الليلة الليلاء،
سمعتك تتضرعين: يا خالق الطين والماء.
عندها، صارت السارية مباركة من ماء
فامتزجنا،
ماءً بماء.


 


صحيفة المروءة


- 1 -
أرنو إلى شاهديّ، فلا أرى قبري
أرنو إلى غاباتي وليس ثمة أشجار
أرنو إلى افتتاحيات ماضيّ، فأفتقد المطبعة السرية
أرنو إلى حبي المذبوح من الرقبة، فتطالعني كربلاء
أرنو إلى تفاصيل حياتي، فيداهمني مقص الرقابة
أرنو إلى طلقة المستقبل، فأرى جسدي ملفوفاً بقماشة بيضاء مرمياً عند شاطئ »الكحلاء«.
أرنو إلى أناشيد سومر وبكائيات بابل، فأرى السيوف والسيانيد والغرف السرية في قصر النهاية.
أرنو إلى مجردات الصحراء، فتطالعني الشعبذة الآسيوية.
أرنو إلى نفسي، فلا أرى إلا أنت.
أرنو إلى إسرائي فيلاقيني معراجي.
أرنو إليك - سيدتي - فتطلعين نحوي، غزالة الصبح البيضاء، عندما طاردك الحرس القومي، بين سطور الكلمات، والزنزانة رقم »1« في السجن رقم »1«.



- 2 -
تجلسين في غرفتك المغلقة بإحكام، تكتبين اسمي كتعويذة بالحبر الأخضر، وها أنت - الآن - تقذفين بها إلى النهر، وللتو.. صرتُ أنا الطريدة، وأنت الصياد.
صدقيني - أيتها المروعة بالصمت وبيانات الحرب اليومية - أنني لن أخجل إذا قالوا إنني متيمك الأخير، ولن أخجل إذا ما أمسكتُ بربابتي، ورددتُ اسمك عند أبواب المساجد والكنائس والكنس وحانات وأسواق هذا العالم.
لن أبالي - أبداً - بلعنات وحجارة وسخرية أبناء هذه المعمورة، إذا ما مشيت في الأسواق عارياً، وعلى جسدي حروف اسمك.
ولن أخجل، بل سأفتخر، إذا رويتُ للطيور العجائزعند »شاطئ الكحلاء«، وساحل الجمرية أنباء جنوني فيك.
لأنني - يا سيدة الوقت - ورثتُ من جدي السومري، سِرَّ عظم الهدهد وماء حياة الحيّة.
وها أنا، مثل جدي السومري، أرسم وجهك على الماء، وأعيد تركيب كيانك الروحي، من مفرق شعر رأسك حتى أدق تفاصيل الخارطة العجائبية في حنّاء كفيك.
الآن - سيدتي أمزجك بحفنة ماء من دجلة، لاكتب بحبر أبيض، أسماء القتلى في ملعب ملعب الكشافة.
الآن - سيدتي - أهرب إليك، كما ينفر الحجيج، راجماً ديناصورات المؤسسات بحجارة من سجيل.
الآن - سيدتي - نجاور قبور أجدادنا، ولا نبكي.


- 3 -
أخيراً، ذاب جليد روحي: صار جسدي غواصة وتنزهت في مفازات مملكتي. رأيتني أتقدم إلى جثماني بعد أن صُرعت برصاصتين من مسدس كاتم للصوت. قتلني الحارس برصاصتين: الأولى اخترقت جبهتي فحاصرها مُخّي، والثانية استقرت في القلب.
كيف اهتدى إليّ القاتل؟
إنه من زمرة تشمُّ رائحة الكتابة. وكنت أعرفه فكرة وكياناً. لقد رأيته في بث تلفازي، كان يرتدي بدلة خضراء مرقطة وغطاء رأس أسود، أما عندما واجهني هذه المرة، فكان يردد قصيدة عمودية على هيئة قسم ثلاثي الكلمات.
دم في فمي، وفضاء أبيض في ضميري. ولذلك عندما رأيته، ينظر إليّ، وهو يسند ظهره إلى الجدار، تقدمتُ نحوه. جفل فجأة ثم صحا تماماً، عندها استخرجت الرصاصتين من مخّي وقلبي، وقدمتهما إليه.
أخذ الرصاصتين وأعادهما إلى مخزن المسدس.
كان ذلك يشبه الحلم، أو هو حلم لواقعيته الشديدة، ولذلك قام القاتل بإفراغ الرصاصات في قلبي، وشعر أنه تخلص مني نهائياً عندما رآني أخرُّ صريعاً على الأرض.
لكنني نهضت، وأخذت أطارده. وكما حصل في المرة الأولى، أخرجت الرصاصات من قلبي وقدمتها إليه، خمس رصاصات مكسوة بالدم.
ما إن تسلَّم القاتل الرصاصات الخمس، حتى أعادها إلى مخزن المسدس، ثم أطلق على صدري وابلاً من الرصاص، وفرّ هارباً.
والآن - أيها الحارس - ها أنا أنهض من مقتلي للمرة الثالثة، أنت الطريدة.. وأنا الكلمات.



- 4 -
مثل طفل في سنته الثالثة.
تركه أبواه في غرفة شبه مظلمة يلاعب دمياته
وذهبا ليلعبا بالورق في الدار المجاورة
أجالس نفسي وماضيَّ
مسدلاً ستائر جسدي على نوافذ روحي
أرقبُ وقع خطوتك - سيدتي - في غرفة حلمي منتظراً الحارس القاتل.
لأتلو بين يديه مطلع قصيدتي المؤجلة:
أنا متيمك الأخير!



 


صحيفة الحب


- 1 -
عند سور الحديقة، وجدت سعفة شاحبة، ثم فكرت ملياً: لا شيء لديَّ الآن، أغلى من كفني، وها أنا أكفن قلبي بالسعفة الشاحبة، وأبعث به إليك، فلربما كلمة منك، تعيد للسعفة الحياة!
أما قلبي... فيكفيه كفن من سعفة شاحبة، هفهفت قرب نافذتك المضاءة نهاراً.


- 2 -
تطلعتِ في المرآة،
فلم تري سوى عينيّ
تطلعتُ في المرآة
فلم أجد إلا امتداد
روحي فيك.
ليس في المرآة،
إلا وجهي ووجهك


- 3 -
وها أنا أراك محراباً، بحجم قبضة يد، أدخلهُ بسلام، شاكراً الطهر الذي قادني إليك.
شكراً للسيد أندريه جيد عندما قال: أمن أجلنا، يا رب، جعلت الليل بهذا العمق والجمال؟
كنتُ مثل ثمرة تين، نضجت تماماً، وكان خوفي أن أسقط على الأرض، كما في كل مرة، فتدوسني أقدام الدواب. كنت أتمنى أن يقترب مني هزار، ليثمل من عسلي، من الأذان الأول إلى الأذان الأول في اليوم التالي:
لكن المباركة المغربية، قادتني من يدي، كما لو كنت طفلاً رضيعاً، وأجلستني قبالتها، وقالت: أنت تحب وهماً.
كنا نجلس على البحر، فرأيتك تتقدمين نحونا.
لم يكن ذلك وهماً. لقد أمسكت بطرف عباءتك، وأخذت أنشد:
قبل هذا كله، وبعد هذا كله
لا تفطميني،
فلا أزالُ وليداً صغيراً
يتشهى الحبو حولك
رغم سنواته الخمسين
بل هذا كله، وبعد هذا كله
لاتفطميني،
فلا أزالُ رضيعاً صغيراً
يتمنى البكاء عند قدميك
رغم سنواته الأربعين
قبل هذا كله، وبعد هذا كله
لا تفطميني،
فلا أزال فتى قليل الصبر
يتمنى مشاكستك
رغم سنواته الثلاثين
قبل هذا كله، وبعد هذا كله
لا تفطميني،
فلا أزالُ شاباً صغيراً
لم يقدَّ قميصه، لا من دُبرٍ ولا من قُبُلٍ
رغم سنواته العشرين
قبل هذا كله، وبعد هذا كله:
أحبك

- 4 -
ثمة ضجيج من حولي، في المقهى الأجنبي.
تَفَلتُّ من المباركة المغربية، وقذفت بجسدي في لجّة الضجيج. كانوا أقواماً أخلاطاً. بحثت عن لسان عربي، كما كان المتنبي في ذلك الشِعْبِ الفارسي، لكنني وجدت رجلاً أمريكياً، يشبه الضجيج، يتحدث إلى امرأتين أمريكيتين، مثل ديك عربي في قن دجاج!



- 5 -
رسمتُ قلبي على منديل ورقي،
وهاجمت البحر،
بقلب هدهد.


- 6 -
أوقفني بينه وبين نفسه، وقال:
هذه مسافة التلف، فهل تستطيع أيها الولد، قبول الفقر واختيار الإذعان ومصادقة القبول، والاعتكاف على حبس العافية، والصعود إلى الأسفل، والارتقاء إلى الداخل، وغض البصر، والحياة مع الشهوة، والامتداد بين الأبيض والأسود، ومحادثة الليل، ومخاطبة النهار، ومجالسة المحنة، وفهم حديث الأسماك خارج الماء، والتصاول مع السلاطين، والقتل في برودة، والانهيار بعيداً عن الخوف، والخوف من الخشية، وخشية الحق..؟!



- 7 -
لقد جئت في الوقت المناسب
وتوجهت إليك في الوقت المناسب


- 8 -
شكراً لأندريه جيد الذي قال:
الريح المتشردة
داعبت الأشجار
إني أصغي إليك من كل قلبي
يا أغنية صباح العالم الأول


 


صحيفة الفراغ





1 - فراغ المرأة والمرآة
 

الفراغ:
امرأةٌ من نور
تحلمُ بي
وتستحم


الفراغ:
مرآةٌ في عمقها
امرأة من نور
تحلمُ بي
وتستحم


الفراغ:
أنا وامرأة من نور
في عمق مرآةٍ
عادلة
مثل ميزان بابلي
شاهقة
كما عمود في معبد »أوروك«
تحلمُ بي
وتستحم


أيها الفراغ:
أنتَ جسدي والمرآة
ثمة امرأةٌ
هي جسدي والمرآة
تحلمُ بي
وبنوري تستحم
لا أتشكّل
لا أتبدّل
أتحوّل
مِنّي النورُ
وروحي الفراغ
لا أحد يماثلني
يدي اليمنى امرأةٌ
واليمنى الأخرى مرآة
يا يدي:
في الفراغ الذي يفيض مني
أمتدُّ إليَّ
لأراكِ فيّ
جالسة
في شرفة روحك


2- قصور من هواء
العَسَسُ الليليون
عسّوا قليلاً، وإذ باغتهم الفجر
أفطروا سمكاً نيئاً
وناموا
فوق ظلال منازل مقفلة
منازلنا التي نساكنها
أسوارها هواء
بواباتها هواء
وحدها المفاتيح.. يقظة
تنام فوق الظل
وتفتقد الفراغ
في منازل الهواء
وَجْدِيَ الأنيق
قميصهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ
فماتَ
مثل طفلٍ غريق
وَجْدِيَ المتوحش
والطليق
وَجَديَ الحريق
جاور منازل الهواء
عقداً ونيِّف
ثم خرج
ولم يَعُدْ
يا وَجْدِيَ المثكول
أنت أيتها الشجاعة غير المؤجلة
تلك منازل الهواء
تترصدني
عقب كل نداء
ذات محلٍ
قارفتُ عشقاً في قصور الهواء
فصرتُ
تكبيرة وبعض ماء
وَجْدِيَ!
أنت، يا ناقة الوقت
وجندي الهواء
لماذا جاورت
قصور الهواء؟
 


3 - منشور علني للحبّ
من أجل تلك التي أهدتني
نصف كفني
ونصف تفاحة
بَرَيْتُ ذاكرتي
ذات أصيل
استضفتُ نفسي
فبنيتُ في قلبي
مرآبا
بدون أبواب
الطريق إلى الفراغ
رَسم في قميصي
قميصي الذي قُدَّ مَنْ دُبُرٍ
الفراغ الذي لا يعرف
غيري
هو الحب
يجلس بين يدي
وينتحب.






 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM