الثلاثية الأولى

بعض ما جرى للصديقين الحميمين
عزيز الموسوي وغريب المتروك
بين بغداد و (ديرة حلم العمر)


 


غلاف الطبعة الاولى 2000نيقوسيا قبرص

تصوير واخراج رضا حسن

 


-1-

حدث هذا في الرابع عشر من تموز. في إحدى الساعات الثلاث التي تلي انتصاف النهار على وجه التحديد. ضوضأت السيارة بعد أن فرملت فجأة ثم توقفت. تنشق الركاب هواءً حاراً: رائحة الصحراء، قال عزيز الموسوي:

نادى السائق: تفضلوا وصلنا ديرة حلم العمر.

وبصق أمامه مباشرة، وكانت الصحراء تتشكل، أمام عزيز الموسوي، بحراً، بحراً ساكتاً صلداً، لم يحدث فيه هدير السيارة سوى حركة تلاشت في الحال.

أخذ الركاب يترجلون من السيارة، كانوا يحملون زنابيل ملئت بالخضار، وسلالاً خيطت على فصوص تمر، وتعالت قوقأة دجاج تدلت رقابها الملساء ذات اللون الأحمر، من بين أصابع بعض النسوة، واختلطت بصيحات ندب ولطم وعويل، تصدر عن نسوة رافقن رجلاً ملثماً بكوفية مرعز، وكان آخر ممدداً داخل تابوت، وضع فوق سطح السيارة، بينما كان ستة رجال يجرون خلفهم خرافاً صبغت الحناء مؤخراتها.

أخيراً، هي ذي ديرة حلم العمر، افتكر عزيز الموسوي، وتدافع مع زحمة رجال تكوموا جنوب السيارة يتلقفون التابوت الذي كان ينزلق نحوهم من الأعلى. تكاثرت الأيدي حول التابوت، كان الجميع يتنفسون هواء مشبعاً برمل أحمر. حاول ملامسة التابوت ورفعه مع تلك الأيدي والأكتاف، ولكنه وجد جسده خارج الزحمة، يلهث.

كيف حدث هذا..؟ تبين لعزيز الموسوي، بعد هنيهة، أن كراديس من الرجال والفتيان تدافعوا على التابوت صائحين: الله أكبر، لك العقبى يا فاعل الخير. حتى إنه شاهد التابوت ينزلق بتموج، كقارب ورقي في جدول صغير منحدر، فوق أكتاف المشيعين.

إنه عزيز الموسوي، إزاء الموت الآن.

وتحولت ذاكرته إلى منقع للعذاب، ذلك العذاب الذي ما افترق عنه وقال لنفسه: أما يزال »غريب المتروك« مقمطاً بتاريخه؟ ولم يكن على استعداد لينسى كل شيء. لقد تراكضت الأحداث في ذاكرته، وتداخلت الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات أمام عينيه، وأحس أنه يتنفس هواء يتقدم من أمكنة بعيدة، ويسمع هدير آلة »الرونيو« المخفية بعناية تحت الأرض، في الكهوف الجبلية، في عرائش البساتين، أو في بيوت التنك. تك.. تك. كان يحب صوت »الرونيو« ويجلس إليها مترقباً صدور الورقة الأولى، وبعد أن ينظر إليها بعينين أتعبهما السهر والجو الشبيه بالظلام، يتصور أنه يمسك بين كفيه رائحة رغيف الخبز الساخن، إذ تلتقطه أمه من التنور في عِزّ برد الشتاء الجنوبي، ويقربه إلى صدره.



-2-

خالف عزيز الموسوي، ساعديه عند صدره، وقال:

- نعم. أنا شيوعي.

نظر إليه المفوض، بعينين اختلطت فيهما أمارات الغيظ والغبطة والكراهية.

- تعترف أنك عضو في الحزب!

- لا. أقول: أنا شيوعي.

نهض المفوض من كرسيه، وأطلّ على عزيز الموسوي، الذي كان مقيّداً إلى كرسيّ حديدي ضيق وصغير.

- هذا أبلغ من الاعتراف.

- أنا أصف نفسي.

- تريد أن تكون بطلاً، أليس كذلك؟

كان عزيز منغمراً في نفسه، مثل ناسك يرى نور الله ينبع من قلبه، وهو يصف نفسه، أمام هذا الرجل الذي يعرفه جيداً.

قال:

- لم تعد البطولة قضية.

- أنت تقول هذا؟

رفع عزيز رأسه ليواجه المفوض، وقال كما لو أنه يتحدث إلى نفسه:

- نعم.

- ما هي قضيتك؟

استمر عزيز يتحدث إلى نفسه:

- الله الذي في السماء، وماركس الذي على الأرض.

امتعض المفوض قليلاً، لكنه استعاد هدوءه فجأة. رأى إلى عزيز من علٍ فشاهد رجلاً، يخالف ساعديه عند صدره، ترتجف شفته السفلى قليلاً، فيما وجهه يبدو ممتقعاً.

قال المفوض بلهجة شامتة:

- سيقولون: اعترف الموسوي.

قال عزيز مخاطباً نفسه:

- ليس هذا من شأني.

عاد المفوض إلى كرسيه، جلس إلى مكتبه، وأرسل نظرات خاصة إلى عزيز الموسوي، ها هو أمام رجل على خلاف كثيرين مروا في هذا المكتب: شيوعيون، بعثيون، قوميون، ومسلمون متدينون. كان بعضهم يعترف على رفاقه بأسمائهم الحركية ومهامهم، بينما كان آخرون، بعد حصار قصير بالأسئلة، ولسعات من عصاه الخيزران، يوقعون على ورقة مكتوبة مقدماً، يعلنون فيها براءتهم من أحزابهم وتنظيماتهم.

قدم المفوض، ورقة صغيرة، عرفها عزيز في الحال فقال:

- هذه الورقة ليست لي.

- أنت تجمع بين الزيت والنار، يا موسوي.

يا موسوي، ورأى عزيز المفوض في ذاكرته، كان ذلك قبل ثلاث سنوات، في مركز شرطة الماجدية بمدينة العمارة، يدخل إلى غرفة التحقيق صارخاً: أولاد الكلاب، سأجعلكم تعترفون، ثم توقعون على »البراءة«.

وكأن المفوض قرأ أفكار الموسوي.

- في كل الأحوال، أنت الذي جلبت اللعنة على نفسك.

اعتدل المفوض في جلسته، ثم نادى على شرطي يقف قرب باب مكتبه. بعد لحظات دخل إلى الغرفة رهط من الموقوفين. تملاّهم عزيز الموسوي واحداً واحداً، كانوا طلاباً وعمالاً وعسكريين في عمر الشباب، وكان خالد الأمين بينهم.

تقدم أحدهم نحو المفوض، وأشار إلى عزيز:

- هو مسؤولنا.

طأطأ عزيز برأسه إلى الأرض، وأخذت شلالات النور تتصاعد في قلبه.

لقد كان هو الذي رأى ما رأى: الأجساد التي بلا توابيت، والتوابيت التي تنتقل بين العمارة والنجف، الأجساد المعلقة في مسالخ التعذيب، الأجساد المرمية في المقابر الجماعية، الأجساد المزرقة للأطفال أيام المواجهات. أجساد الأمهات، والزوجات والحبيبات أمام بوابات السجون ينتظرن الإذن بالدخول إلى الباحات السجنية الصغيرة، وكنتُ في تلك الليالي الشتائية، حيث ينهمر البرد خارج ردهات السجن، وتئز الريح بعد أن تغادر المنحدر الترابي خلف سور السجن، أرى السجناء، يتمدد كل واحد منهم على مستطيل عرضه شبر وأربعة أصابع، يحيطهم صمت هواء أسود، يتخلله بين الحين والحين عويل فجائي، يطلقه أحدهم. كان ذلك لافتاً للنظر في الأيام الأولى، أما بعد ذلك فقد كانت تلك الأصوات، العويل، تتردد في أغاني السجناء.

نعم. أنا الذي رأيت ما رأيت.

والتفت إلى الخلف: ها هو عزيز الموسوي، إن كان قد رأى حياته في كل الموتى، فإنه لم يكن ليعرف البتة هذا الذي يتمدد داخل التابوت. وكانت امرأة قد شقّت زيقها وطيّنت رأسها، جعلته يتذكر أمه، مريم بنت مطر، في تلك السنوات. آهٍ منها، كانت تنظر إليه من خلف نقاب نسجه الماضي، الهجرة من الريف إلى المدينة، النهوض مع الغبش والذهاب إلى سوق السمك، وأمراض مستديمة في المعدة والعيون، امرأة في الخمسين، أحاطت عينيها هالات سود، تعودت ألا تتكلم عندما يتحرك القطار. كانت الدموع تسيل على خدّيها، وتحرك ساقين هزيلتين واهنتين خلف عربة القطار المخصصة للسجناء السياسيين، وبعد ثلاث دقائق، وإذ يصفر القطار للمرة الأخيرة، ويستعد للإقلاع بسرعته الجنونية، تطلق المرأة ساقيها خلف القطار، تلوح بفوطتها السوداء، وكان القطار يجعلها تغيب تدريجياً عن عيني ابنها الوحيد، إلا أنه يظل ينظر إليها متجمعة في تلك النقطة الصغيرة.

ورأى أمه مرة أخرى في هذه المرأة التي شقت زيقها وطيّنت رأسها فأحس بعاطفة قوية بدفع كتفه تحت التابوت وتنشق رائحة عرق المشيعين وتراب التشييع.

إنه يعرف لِمَ جاء إلى هذه البلدة. وبرقت في مخيلته ضحكة »سافرة عبدالمسيح« وأصدقاؤه في جريدة »الوطن«.

قال أحد الزملاء: ها، عزيز، بالمناسبة، ألا تزال تتذكر »غريب المتروك« الذي طالما حدثتنا عنه..؟

فوجئ أول الأمر، ثم سأل: أهو في بغداد؟

لا، ردّ زميله: إنه في ديرة حلم العمر.

وكان قد استمع إلى نبأ مماثل قبل أسبوعين عندما فاجأه صديق قديم: غريب في ديرة حلم العمر.

في ذلك اليوم، بعد أن وضع قلمه جانباً خاطب نفسه: هل صحيح أنني دمرت حياتي...؟

إلا أن الصديق فاجأه: أنت متزوج.. كما علمت..؟

- نعم.

وملأ عينيه بصورة رفيقه القديم، لا يزال كما كان منذ أن التقيا في معتقل الخيالة، ينظر إلى العالم من خلال قناع، لكنه إذ نظر إلى صديقه شاهد يده اليسرى مقطوعة، واستقامت ذاكرة عزيز الموسوي.

قال خالد الأمين: لابد أن نذهب.

ثم ردد بصوت أقوى: عزيز هذه هي الحقيقة، أتدرك ذلك التاريخ الهائل من البيانات السرية والمظاهرات..؟ إنه يبلور نفسه في هذه البندقية.

كانت بندقية انتصبت ماسورتها نحو الأعلى، أعلى بقليل من رأسه، كأنها سارية علم لم تعين ألوانه بعد.

وصرخ فيّ: ها، أليس هذا ما كنا نريد؟

وعندما وصلنا إلى القرية المترامية البيوت، في أقاصي الهور، التفت إليّ وقال: عزيز، إذا لم تقتنع بما نريد فالأجدر بك أن ترجع.

ثم إني رجعت فعلاً بينما كان خالد الأمين يشيعني مبتسماً.

ابتسم الصديق القديم وقال:

- لا أغبطك..؟ واستمر خالد الأمين يبتسم.

كان عزيز الموسوي في الفترة الأخيرة يضع نفسه خارج اللعب، وكان يجد في جريدة »الوطن« مكاناً ملائماً لاستعادة أنفاسه، لا اختيار إلا في الحياة الدنيا. لا أحزاب في الجنة، هذه هي الزبدة التي التقطها من ماركس. الدنيا اضطربت لدى كثيرين، بيد أنه كان منسجماً مع نفسه. كان يفكر كثيراً ويتوصل إلى إعادة تجديد بناء نفسه ويتجول مع سافرة عبدالمسيح.

وأحسّ عزيز الموسوي بنوع من العاطفة تجاه صديقه القديم. إنه يعرف مكان غريب المتروك، إذن، قال عزيز:

- ليس هذا وقت للمراوحة، ثم إنه وقت يحمل أكثر من مفاجأة يضحك خالد الأمين، يجاريه عزيز الموسوي، لقد أراد في تلك اللحظة أن ينفلت من أي أسر، فأخذ الصديقان يحدقان ببعضهما وازدادت ضربات أكفهما على المنضدة. كان سروراً من ذلك القبيل الذي يقود إلى الحزن المفاجئ، وطفق الرفيق القديم يبكي. وعندما عاد من دون يده اليسرى لم يكن يبكي. كان يجلس إلى عزيز الموسوي وينظر إلى الدنيا من خلف قناع، يرسم دوائر في الهواء، أو يتحدث في الثقافة. وفي الليالي الباردة بعد أن يغادر غرفته في الحيدر خانة، يجلس إلى منضدة صغيرة، في البار الصغير الذي يطل على دجلة، ويبدأ في الشرب: الآن لا أملك إلا الشرب.

ثم يستدرك: لا أعرف يا عزيز كيف انتهت المسألة، لقد كان ذلك كله أشبه بالحلم.

حلم، وأردد معه ذلك بينما أواصل معاينة دجلة المختال بين ضفتيه وأبدأ بتقشير الكلمة: ح. ل. م، وتكتظ المنضدة الصغيرة بزجاجات العرق، وأواني الكوامخ، وعلب السكاير الفارغة، ثم يتحول البار الصغير إلى بلم صغير ينزلق إلى دجلة، وتنهمر الطفولة. أحلام، صرائف »خلف السدة« التي لا بُد أن تتحول إلى مدن حديثة، و»الشاكرية« إلى ملاعب للأطفال، كان يحدثني، إذ نزعت التعب عن نفسي، وأخلدت إلى راحة بعد معركة مع النفس: وماذا بعد ذلك..؟

ولم أكن على استعداد لتبديل ماضيَّ. إن الأسئلة تبدو في الغالب سهلة، أما الإجابات، وكان سيقول: ستعيد رأيك السابق، الإجابات صعبة ولكنها ضرورية، على أنني، خالد الأمين، أعيش الآن نصف إنسان.. بيد واحدة، وتاريخ مقطوع، بلا صداقات، وشبعت ضجراً من هذا العالم المائل - كان يصرخ بصوت عالٍ في البار الصغير - وأريد أن أصنع عالمي من جديد: الثقافة، وزعق بصوت مسموع، هي الرد الوحيد على هذا التفتت، وقلب هذا الوضع إلى خيار آخر.

كان يسكر بإفراط من دون أن يمنعه ذلك من قراءة المصحف باستمرار. كان يقول: ليس هذا انقلاباً، إنه الوضع الطبيعي. وهناك، في غرفته الصغيرة إذ يجلس وحيداً يتناوشه طريقان: الانغمار في عالم الخمر، والانغمار في القرآن، ولما خلع عن جسده البنطلون والسترة وارتدى الدشداشة، وودع كل المقاهي القديمة وبات صديق المقابر، كانت الشوارع الضيقة تتلقفه، إلى حارات أكثر اتساعاً، فيسير حافي القدمين، مشعث الرأس، مفتوح الصدر، يرسم بعينيه المذهولتين خرائط حياة غير مؤكدة.

وكان يقول: صدقني، ليس هذا انقلاباً.

وفي المقهى الصغير المحاذي لدجلة، كان الصديق القديم يبكي أيضاً، بينما كان دجلة يستقبل الفجر برائحة الطين المتخثر المختلط بالزيت عند الحافة، وبالقناني الفارغة التي تعوم أعناقها، فتخر عليها النوارس إذ تحسبها طريدة سهلة، وبازدحام الماء وهو يسرع باتجاه الجنوب، حيث الأهوار، هناك، هادئة وساكتة.

فكر عزيز الموسوي: أية تجربة كانت الذهاب إلى هناك ببندقية..؟ وكان الصديق القديم يبدو متلائماً مع ساعات الفجر الأولى، فغادر كرسيه واقتعد ضفة النهر، ولامس بأصابعه الماء الممتزج بالطين والزيت، وقرب قطرات منه إلى عينيه وجبهته وشفتيه.

وعزيز الموسوي يلحظه: كان خالد الأمين باركاً على ركبتيه، نحو النهر، يرسل أصابعه إلى مخاضة الماء، وها هو يلمس الرمل. عزيز الموسوي، لا يزال يعاود، بحذر، التحديق في فكرته السابقة »أكان صحيحاً أن يذهبوا إلى هناك...؟« »أكان عدلاً أن يدخلوا معركة خاسرة؟«.

وأراد أن يستطرد. أفكاره تبدو واضحة. إنه يرى الآن القصة بكاملها البداية والنتائج، قال في نفسه إنه لم يكن هناك لا في الحلم ولا في اليقظة، وإنه الآن قرب النهر، حيث الجسر يربط الضفتين بثقة، وبغداد منسجمة مع هوائها الجديد، وتساءل مرة أخرى: ماذا فعل خالد الأمين بنفسه.. ولماذا هو بهذا الشوق إلى الماء والأرض والبردي والماضي..؟

يقوم خالد الأمين ويجلس إلى كرسيه، كانت أصابعه محناة برمل النهر، ينظر إلى قوارب الصيادين والجسر وأنوار الكورنيش التي لا تزال مضاءة، حيث اللافتات الحمر والبيض والزرق تزين واجهات الدوائر الرسمية والنقابات، أو تربط بين جانبي شارع »أبو نؤاس« بينما كان وجهه الذي نبتت فيه عروق الشعر، يبدو هادئاً، كقطعة حجر مرمية عند شريعة نهر مهجور.

قال خالد الأمين:

- عزيز. لا أستطيع أن أخرج من جلدي. أنا معك في أن البلاد تتعرض إلى هزة عنيفة، تتحول في سرعة، وفي سرعة مدهشة، إنما أنت الوحيد بيننا الذي تعرّف إلى قدرة الفعل، هذا ما أظنه الآن في الأقل.

ربما تذكر الصديق القديم ليلة البارحة.

ولكن أين كانا قبل الليلة البارحة..؟

لا يدري، لا يتذكر الأسبوع الماضي، فهو بقامته الفارعة الطول يبدو مساقاً لمكان آخر. إنه يتذكر دخوله دهليز الجريدة، حيث يعمل عزيز الموسوي، ثم: النظرات المتبادلة. الضحك المتواصل، والليل الذي أمضياه سيراً على الأقدام، والتوقف عند الأشجار العتيقة في طرف المدينة القصي، وانتهاء ما كانا يحملانه من عرق.

- إيه. وماذا ترى..؟

- لم أشعر بالهزيمة أبداً.

- ولكنك أخفقت.. ألا تذكر؟

- لم أكن أنا الذي هزم.

- من هو إذن؟

عدم الصلابة، أو عدم الوضوح الكافي.

- أجادٌ أنت...؟

- هذا هو العراق كما تراه الآن. الأرض لم تتبدل، الأشجار في أماكنها، ودجلة لم يغير مجراه.

لم يعلق خالد الأمين بشيء، وكان عزيز الموسوي يحس طعم الانتصار على النفس. كان الليل حولهما أليفاً: إن الضياء يسقط في الجانب الآخر من الأرض، هنا ليل وهناك نهار، هنا ليل بقمر وهناك نهار بشمس، وشعر أن الليل ينظم أفكاره، وأنه يتجمع بعد سنوات من التشظي، وقال:

- المهم أننا لم نهزم، وهذه زبدة الحكاية.

قال خالد الأمين »سأغني« رد عزيز: أغنيتنا القديمة.

وكانت سافرة عبدالمسيح تغني أيضاً بصوت حلو »أنا هويت!« ثم تلتفت إليّ وتعيط: »لن أغني أبداً قرب مهد« فماذا تفعل الآن.. وهل عافت أغنيتها المحببة »أنا هويت...«؟ ورأيتها تضيع في ذلك الحشد البشري الذي يطوف في شارع »الحمراء« أو تنظر إلى البحر ذي اللون الحالك عند المساءات قرب صخرة »الروشة«.. لكنني علمت فيما بعد أنها كانت تغني بشكل آخر: شعرها الأسود استحال قصيراً، نسيت ثيابها البيض القصيرة، كفت عن الثرثرة، وغيّرت اسمها، وها هي أمامي الآن أراها بفمها المدور الصغير، وعينيها المشعتين، تفرد إحدى ذراعيها في الفضاء وترسم بإصبعين علامة النصر. تلك كانت صورة فتاة تقف على سلم إحدى الطائرات المخطوفة، بيد أنني عرفتها في الحال: سافرة عبدالمسيح.

وإذ كان عزيز الموسوي يرى في ذاكرته حياته القديمة، ومدينته القديمة المرمية عند الهور، ويستعيد تاريخاً استله من الماضي ووضعه جانباً، لمح من بعيد ضوءاً مشعاً يتقدم نحوهما، فانطفأت رغبته في الغناء.

توقفت السيارة لصقهما مباشرة، كان خالد الأمين قد أشار نحوها بذلك، فشاهد عزيز الموسوي تابوتاً مشدوداً إلى سطحها بحبال بيض وفي داخلها كان الجنّازة يدخنون.

- نار، طلب خالد الأمين.

كان الجنّازة يدخنون داخل السيارة عندما أشعل أحدهم عود كبريت في وجه خالد الأمين. وكان الجنّازة في ديرة حلم العمر قد مروا جوار المقهى، واستداروا ناحية اليمين، خمّن عزيز: سيصعدون إلى الأعلى ولما همّ أن يتبعهم، شاهد رجلاً طويل القامة، يرتدي دشداشة سوداء ويشد رأسه بكوفية من اللون ذاته يخرج من المقهى ويسير إلى جانب المشيعين.

عرفه في الحال: غريب المتروك. كان عزيز يدخن ويرقب الرجل يسير جنب الجنازة، وينادي بصوت أجش. الله، الله، في من ينكره الموت. »إنه لا يزال مقمطاً بتاريخه« وكانت الأتربة تصنع سوراً من الدكنة البنية بين عزيز الموسوي وحشد المشيعين فاتجه نحو المقهى.



-3-

المقهى خلفه الآن، وكانت ديرة حلم العمر مكشوفة أمام عزيز الموسوي: امتداد مقوس بمسافة خمسمائة متر تقريباً يتدرج في الارتفاع. ثمة حوانيت مبنية من قصب وتنك وبردي وطين، تعرض واجهاتها للشمس والريح، أواني مليئة بالدقيق والذرة والهرطمان والرز ثم دكانان: واجهة أحدهما الأمامية من زجاج، هو محل حلاقة وتزيين رجال البلدة والوافدين إليها، بعده دكان القصاب. وإلى يسارهما دكاكين ربطت داخلها خراف هزيلة وعجول ضامرة، وأخرى رصفت تحت سقائفها أقفاص يتصايح ويقوقئ داخلها الدجاج. وأمام الدكاكين كانت كلاب تتوسد أقدامها الأمامية، وجياد ينز الدم من مؤخراتها وصدورها، إنها جياد مجذومة هجرها أهلها.

ولم يكن عزيز الموسوي يبتسم.

بعد صف الدكاكين مباشرة، يقوم صفان من البيوت الواحد يعلو الآخر، لم يستطع عزيز أن يميز أبوابها من نوافدها، جال شيء في خاطره، هذه ثقوب وتجويفات نحتت في صخور التلة. وكان ثمة أطفال يلعبون أمام بعض تلك الثقوب والتجويفات، أطفال عراة، بينما نساء اتشحن بأغطية سود يتحركن، كما الأشباح، بين ثقب وتجويف.

المقبرة هي الفسحة الباقية الممتدة بعد الصف الثاني من البيوت حتى قمة التلة. شواهد تلتصق إلى تعليات جيرية، وأخرى ذات لون كالح بعضها مسيج، ونبتت الطرفاء هنا وهناك. إن عزيز قادر على عدّها واحدة، اثنتان، ثلاث، تسع، وقدر أيضاً أن يشاهد امتدادات هلامية يميل لونها إلى الاخضرار، ساءل نفسه: هل تلك نباتات »الشفلح« أم »الحنظل«..؟ وإذ لاحظ تلك الأشكال الكروية وسط تلك الامتدادات الهلامية، تأكد له بثقة: الشفلح بثماره القرمزية معدوم هنا والموجود فقط هو الحنظل الذي يشبه الشمام في لونه.

وأمامه مباشرة كان البناء المكعب لمرقد الإمام سيد نور يبدو شامخاً: بناء مطلي بالجير وقبة اعتلاها علم صغير، أحمر اللون، على سارية من جريد النخل، وإلى جانبه الأيمن ثمة أخدود يتعرج في الأرض الصخرية، غُطّي بعضه بقصب.. وكانت الجثة قد سجيت فوق القصب، الجثة التي حملت إلى فوق قبل قليل. هناك شخّص عزيز الموسوي رجلاً بملابس سود، تقرفص قريباً من الجثة وأخذ يدلق الماء فوقها. ذاك كان غريب المتروك.

استدار عزيز صوب المقهى، وعندما دفع الباب واجهته أجساد مرصوفة على أرائك وتخوت، وسيل ضاج اختلط بثغاء خراف.

لو أن سافرة هنا، لو أنها فقط تعرف هذا المكان فقد تعيد إليه شيئاً من الماضي. إنه يتذكرها حتى في هذه الصحراء. لكنها كانت قد شحنت نفسها في سيارة كبيرة، بعد أن أبدلت اسمها، وقالت لمساعد السائق ضاحكة: أرجوك دلّني على »شارع السلط« عندما نصل »عمّان« تضحك - كانت تشرق دوماً إذ تضحك، تلتمع العينان ببريق غير مألوف ويرتد شعر رأسها إلى الخلف، مهرة جامحة، كان شعرها طويلاً وفاحماً، وكانت تقول إذ تركع في كنيسة الأثوريين القديمة وتترّب جسدها: سأقصه، سأقص هذا الشعر الطويل المتعب.

بعد ذلك تقوم، دامعة العينين، لتغسل وجهها عند حنفية الماء الصدئة، وتقول: مكاني ليس هنا.

وفي تلك المساءات من أيام الآحاد، حيث تذهب كل العائلة إلى الكنيسة، تجلس قبالتي، محلولة الشعر تصلب ذراعيها على صدرها، ويبدو وجهها محتقناً، ربما بفعل النبيذ، أو الانغمار الميؤوس منه في حاضر يدينها، وتقول: ما العمل يا عزيز؟

وكنت منهمكاً، وكان الخدر الجميل يطوي جسدي بأُزرٍ أسطورية. هل يحدث هذا لأنها جنبي.؟ لا أدري. إنما أنا عزيز الموسوي إذ أقف أمامها يتنمل الهواء بنقاط سود وصفر وحمر ثم تقبل الكلاب خلفي، قطعان من تلك الحيوانات ذات الأقدام الصغيرة والعيون الخفية، لتحاصرني فألقي بجسدي إليها، مقروراً برغم حرّ الصيف البغدادي، فتأخذ رأسي إلى حضنها، وتمرر أصابعها من بين مفرق شعر رأسي، وتقول: عزيز من يخلصني من هذا الوضر الذي يحيطني..؟

وكان المساء حينها يتدرج لاحتواء بغداد، حيث الأضواء تتألق على امتداد شارع »أبو نؤاس«.



-4-

وفي ذلك المساء لم يكن شارع »أبو نؤاس« محايداً. صحيح أن البارات والمقاهي والعلب الليلية قد اتقدت فيها الأضواء، وصحيح أن دجلة كان ساكتاً تحيطه هالة من الضباب الحار، إلا أن الصحيح كذلك أن بيوت الشارع ومقاهيه وباراته كانت قلقة ومتحفزة. وهناك في الشوارع الفرعية كانت سيارات صغيرة تطلع هادئة، تحمل رجالاً مسلحين ودراجات هوائية ونارية يقودها شباب يرتدون الخاكي، يستمعون إلى أغانٍ من الراديو، بينما كانت أجهزة التلفزيون في البيوت والمقاهي والبارات في شارع »أبو نؤاس« كما في شوارع العاصمة وكل مدن البلاد الأخرى تعرض الأغاني وبرامج السهرة المعتادة.

فوق السطح، في الظاهر الذي يعلن عن نفسه بنفسه، لم يكن ثمة أي شيء استثنائي، بيد أن عزيز الموسوي، بعد أن غادر مكتبه في جريدة الوطن، شاهد حركة غير اعتيادية قرب مبنى الجريدة. وعندما خرج من الباب الرئيسي لقيه أحد المحررين وأسرّ في أذنه: مؤامرة.

قفّ كل شعر جلده، وتذكر ذلك اليوم الكانوني المعتكر. كانت الغيوم الملحاء تغطي سماء بغداد، وتساقطت أمطار قليلة حول »ساحة التحرير« وفي »شارع السعدون« وشارع »أبو نواس«، كانت العربات الكبيرة وسيارات الأجرة تنقل العمال الغاضبين: تسقط المؤامرة، كانت الجموع البشرية تردد بصوت واحد. ولاحظ عزيز الموسوي البعثيين والشيوعيين يسيرون متلاصقي الأكتاف: إنها »الجبهة« التي ستعلن فيما بعد، قال عزيز في نفسه، ثم انسد الأفق بالحشود البشرية الهادرة، وتعالت الهتافات، وكان الناس: الشباب، العجائز، الرجال الذين يحملون أبناءهم على أكتافهم، يسيرون في صفوف متراصة. ومن أعلى سطح في منطقة الباب الشرقي، رأى عزيز الموسوي مئات الأنهار البشرية تتجه إلى مركز ساحة التحرير.

قال أحد المحررين: الخونة.. يريدون تدمير الثورة.

قال عزيز: ربما سيحدث ما هو أخطر!

قال الزميل: ربما يتجرأ مغامر.. لكن الحزب هو الأقوى.

قال عزيز الموسوي: الشعب هو الأقوى دوماً.

- هذا موقف الشيوعيين.

- قال عزيز مؤكداً بثقة:

- ماركس.

وفي مطعم »الأيام الجميلة« في النهاية القصية من شارع »أبو نؤاس« كان عزيز يشاهد التلفزيون يبث المارشات العسكرية، ثم غطت كل شاشات التلفزيون صورة رجل في زيّ عسكري، وأخذ يقرأ بياناً مكتوباً: يا أبناء شعبنا العظيم.. أيتها الجماهير العربية. قال عزيز الموسوي لجاره: لقد فشلت المؤامرة حتماً. وأعلن الرجل فعلاً فشل المؤامرة.

ضج المطعم بالأصوات، واختلطت الأجساد بالأجساد، وازدحم المكان بوجوه كثيرة، ولهجات عربية متعددة. كان ثمة فلسطينيون وإريتريون وصوماليون ويمنيون ومغاربة، سودانيون ومصريون وتوانسة، وكويتيون وجزائريون وليبيون وبحارنة، هل تجمعت الأمة في هذا المكان الصغير؟ تساءل عزيز الموسوي في ذاته: ترى هل تجمعت كل الأمة في هذا المكان..؟ سمع أحد جيرانه يقول بصوت مسموع: لن يتسنى للمغامرين إفشال تجربة الأمة. وتنصّت عزيز الموسوي إلى الأحاديث والنقاشات، وكانت شاشة التلفزيون لا تزال تواصل بث الموسيقى العسكرية.

كان يرتاب في صوت الموسيقى العسكرية.

ذلك تاريخ لا يحتاج إلىتأويل، حدث هذا في 14 تموز 1958، و8 شباط 1963، و17 تموز 1968، وها هي المارشات العسكرية تعلن عن نفسها مرة أخرى، داخل الصالة الفسيحة في مبنى المجلس الوطني.

كان قد تلقى دعوة من صديقه خلوق الملا، لحضور لقاء حاسم. قال الملا بصوت خافت، لن نتدخل في برنامجك. ثم إنني في نهاية الأمر، أحترم ماركس.

لقد تعرّف عزيز الموسوي إلى خلوق الملا، ذات يوم في »مقهى البلدية«. كان الوقت مساء، عندما سمع عزيز صوت الملا يعالن شخصاً يجلس إلى جواره:

- لن تتكرر تجربة شباط.

منذ تلك اللحظة اختار الموسوي صداقة الملا.

وعندما التقيا في تلك الصالة الفسيحة، كان خلوق الملا يجلس إلى مكتب صغير.

قال الملا:

- هذا وقتك.

رأى عزيز الموسوي إلى خلوق الملا، فوجده أكثر هدوءاً من أية مرة التقاه سابقاً. دفع نصفه العلوي إلى الأمام، وقال هامساً:

- عزيز.. ضع يدك في يدي.

انتبه عزيز، وقال متسائلاً:

- تبدو واثقاً جداً؟

- كل الثقة.

اقترب وجه خلوق الملا من جسد عزيز الموسوي وقال:

- ثق بي يا عزيز، هذه هي لحظتك التي كنت تبحث عنها.

قال الموسوي:

- أنا أثق بك، لكنني أشك كثيراً في غيرك.

قال خلوق الملا في ثقة:

- أعطني يدك.

ثم تعانقا.

وانتبه عزيز الموسوي إلى نفسه. كان يتذكر كما لو أنه في حلم طويل. وكان حلماً طويلاً بالفعل.

كم مضى من الوقت وهو هنا..؟ لم يعد يتذكر جيداً. وأكد لنفسه: مع ذلك فسوف أذهب غداً إلى ديرة حلم العمر. وقال مرة أخرى: لابد من لقاء غريب المتروك. وقال أيضاً: إن البلاد تعيد تكوين صورتها من جديد. وكان قد نادى على زجاجة عرق، فسمع النادل يخاطبه: الأنذال ماذا يريد منا الأنذال..؟ وقتها أحسّ بالدمع الحار يغرق عينيه، ورأى الدنيا تلبس حللاً جديدة، وحيث يودع العراق دهوراً من الفوضى والظلام، قال لنفسه: لم تغامر يا عزيز الموسوي، ها أنت ترى صحة اختيارك، لقد صنعت نفسك منذ الساعات الأولى.. من العمل في جريدة »الوطن« والاندياح ضمن مسيرة العمل في كل مجالاته، ولم تكن لتهتم إلى تلك الأصوات الناقصة، ويوم قالت لك سافرة عبدالمسيح: ماذا تفعل بنفسك يا عزيز..؟ قلت لها: سترين يا سافرة كيف سأقاضي الجميع، بمن فيهم نفسي. وفي المقهى الصغير الممتد على مساحة عشرة أمتار من ضفة دجلة اليسرى، رفعت صوتك وكنت ثملاً: علمتني التجارب والمحن والسجون أن الثوري لابد أن يجاهد نفسه.

فهل انتصرت على نفسك يا عزيز الموسوي؟ ها هو الوطن ينتصر على نفسه يومياً، ها هي الشوارع تتبدل، هؤلاء هم العمال يهزجون ويهتفون للثورة والاشتراكية، ها إنّ كل فراغ في العراق يسده صوت واحد: تحيا الاشتراكية، لكنما، أنا عزيز الموسوي، كيف شاركت في هذا الطوفان..؟

ولم يكن ليخشى الإجابة. إلا أن صوتاً يعرفه تمام المعرفة حياه، فتمهل قليلاً ورفع رأسه صوب صاحب الصوت: كان خالد الأمين، بلحيته التي أطلقها منذ سنتين، ودشداشته المتسخة وفي كفه الأيمن نسخة من المصحف الشريف، ها هو بعض ماضيه يشخص أمامه.

اعتدل وطلب إلى صديقه أن يجلس. كان خالد الأمين ينظر إليه بعينين داخنتين، عينين أتعبهما المشي في طول البلاد وعرضها، والسهر في الحانات والخرائب المهجورة، وإذلال النفس، والقراءة المستمرة للسور والآيات، وذلك السيل العجيب من الكتب المخطوطة. عالج عزيز الموسوي ذاكرته: بالأمس كان يحمل بندقيته مملوءاً بالحماسة والآمال الكبيرة، وها هو اليوم يلتصق بالسكر والقرآن.

- أتريد شيئاً تشربه..؟

- لا. رد خالد الأمين.

- على راحتك.

- لا، أريد أن أستمع إليك. قال الأمين:

- لكنني أنا، أريد الاستماع إليك أيضاً.

- إذن، اسمع، قال خالد الأمين وتناول كأس عزيز ودلق محتوياتها في فمه، وأخذ يتحدث. لم يسمع عزيز حديثاً بعينه، كان الأمين يتحدث عن الماضي، عن الأهوار، عن الدنيا القديمة، عن القوارب التي غرقت ساعة جاءت طائرة الهليكوبتر، عن التفتت بعد الضربة الأولى، عن الحياة الآخرة، عن الجنة الأرضية، عن دولة الرفاه التي ستظل محض أمل. كان يتحدث لأنه يريد أن يتحدث. وتوقع عزيز أن خالد الأمين سيتصفى بعد لحظات، لذلك اعتدل في جلسته، وأخذ يزن كلمات صديقه بدقة بعد أن عاودته لحظات الصحو المدهشة والمفاجئة:

- ليس الماضي كله خطأ، ولكن كيف النظر إلى الماضي من خلال الحاضر..؟ هذا محال. لقد تعلمت شيئاً ما جديداً: عدم الإعلان عن تحولات النفس، إنني أهبط نحو الأسفل، فأرى أنني جزء من راية مزقتها المصائب والنوائب. لا أنكر ذلك، إلا أن هذا الذي يحدث الآن يفقدني توازني، إن هذا الذي يحدث يقسمني إلى نصفين.

وأخذ يطلق صوته مترنماً: أنا من أهوى، ومن أهوى أنا.

وكنت أتدحرج في ذاكرتي، بين مفاصل ذاكرتي إلى هذا الحاضر، فاخترقت جيوشاً من الحشود البشرية، ومرت بي أكداس من رجال ونساء وشباب وشيوخ، تظللهم راية واحدة، ورأيت الموتى يقطعون المسافات والنجود في مهابة وجلال، تحيط بهم الأمهات والزوجات والحبيبات، ويتحلق حولهم الأطفال والأبناء، وثمة موسيقى تطلق لحناً فرحاً.

- سيظل الوطن أكبر من كل شيء، قال عزيز.

- الوطن..؟ الوطن الغائم.. الوطن غير المحدد؟

- لا، الوطن المحدد، الواضح كل الوضوح. وهذه هي الحقيقة.

- حقيقة الوطن الجلاد الذي يتحول إلى وطن حبيب.

- الوطن هو الحبيب، أما الجلاد فهذه النفس التي لا يستطيع بعضنا مجاهدتها.

- أتمنى أن أصل إلى هذا اليقين.

- ستصله إذا أردت.

- وأنت، هل توصلت إليه حقاً؟

فوجئ عزيز الموسوي، هل توصلت إلى اليقين فعلاً..؟

وانداح من جديد في لجّة الذاكرة: من سجن إلى آخر، ومن معتقل لمعتقل، أحلام الليالي الصيفية، وكوابيس الليالي الشتائية، فقدان الأحبة وافتقاد الصداقات، وكان ينهمر في ذاته، هذه تجربة من أجل إغناء الحاضر وكان يقول: سيكون الماضي مرتهناً بإسفنجة التاريخ، سيكون الماضي ليس ماضياً فقط.

وتذكر أنه قال لخالد الأمين ذات يوم: إذا أردت أن تكون حراً فشارك في صناعة الأوطان الحرّة.

- نعم، توصلتُ إلى اليقين.

- ومَسَحتَ ذاكرتك..؟

- ليس الماضي كله خطأ.

- أتدرك ما تقول؟

- بثقة وثق - يا خالد - أنا غير قابل للاستغفال.

قام خالد الأمين. كان يبكي بصوت مسموع في كل زوايا البار. قال أحد الزبائن: هذا المجنون دائماً يبكي، وعلّق آخر: إنه ليس مجنوناً.

واشتد اللغط. كان الكل منتصرين، وكنت أدرك سرّ بكاء الأمين. خلاّني واتجه صوب الباب. ناديته: ارجع يا خالد.

بيد أنّ الظلام خارج المطعم كان قد غيبه تماماً.

ها هو الامتحان يبتدئ مرة أخرى. مرة ابتدأ مع سافرة، وثانية مع خالد، وغداً سيكون مع غريب المتروك. نظر عزيز الموسوي إلى زبائن المطعم، كانوا من جنسيات عربية متعددة. ولم يكن يعرف أي واحد منهم باسمه، على رغم شعوره بانتسابه إليهم.

تمالك نفسه واستوى يسير في خطوات متزنة، وعندما غيبه الظلام خارج المبنى، كانت الأضواء على امتداد شارع »أبو نؤاس« تتقد، حمر وخضر وزرق، وكانت السيارات والدراجات الهوائية والبخارية تطوي أرض الشارع، وكأن شيئاً لم يحدث.



-5-

كان العصر وعراً في ديرة حلم العمر. تزايدت غبرة الجو، وسمع عزيز الموسوي أحد الجلاّس يقول دون اهتمام: من يدري.. قد تتحرك الكثبان الرملية الآن أو بعد دقائق، وكانت الريح تدوّم في الشارع الرئيسي راعدة مهمهمة، تضرب بوابات الدكاكين التي كان أصحابها يغلقونها ويتجهون إلى بيوتهم أو إلى المقهى. وفي المقهى كانوا يتسمّعون صوت الريح، إلا أن أياً منهم لم يتقدم لإغلاق الشباكين الوحيدين فيها.

اشتدّ عويل الريح. اشتد الأزيز شيئاً فشيئاً، وأخذ الجالسون يلبدون وجوههم خلف كوفياتهم. قرب عزيز الموسوي منديله من أنفه، وكان يسعل، أحياناً.

الصحراء تعلن عن نفسها، قال عزيز، كما كانت تفعل دوماً، الأنين الهوائي الذي كالوحش المحاصر، الصرير والصوت المبهم، الأزيز الذي ينشأ من شدة تداخل التيارات الهوائية المتعارضة. إنه يعرف هذه الصحراء عندما تكون عطوفة ثم تنقلب فجأة رعناء ومدمرة.

تلك خبرة سجون الصحارى، أسرّ لنفسه، واستمر يطوف ببصره بين الجالسين ونافذتي المقهى.

كان يتوقع، بل يعرف، ماذا سيحدث، وعندما قام ليغلق الشباكين، باغت الجالسين سيل جارف من رمل أحمر اندلق من الفتحتين. كانت ذرات الرمل سريعة وحادة إذ تصفع الوجوه. صرخ واحد: هذا عذاب. وصوّت آخر. حضرموت والله حضرموت، أخذ الكل في نوبة سعال جماعية، بينما تحول الشباكان، بعد لحظات، إلى فوهتي خرطومين جبارين، ترشان المقهى بهواء له لسع الإبر.

قذف عزيز الموسوي جسده نحو الشباك الأول، ارتطم بأجساد هاربة، متخاذلة مولولة، وتناوشته رشقات من تلك السيول الرملية وأحس هصيصاً في فمه. كاد أنفه ينسد، لكنه تقدم، وسط نوبة السعال الجماعية، وصوّب كفيه باتجاه فلقتي الشباك. تعلّم عزيز الموسوي منذ تلك الأيام، أن يكون رد فعله قوياً. وهكذا، كأنما أراد أن يمنع اختناق رفاقه في القلعة الحجرية في سجن نقرة السلمان، خبط الفلقتين بقوة فتطابقتا على وضع الانسداد. تمّ ذلك كله في لحظة ذهول تام.

فتح عزيز عينيه فلم يشهد غير سماوة بنية. تحرك إلى اليسار، نحو الشباك الثاني، كانت الريح تئن بقسوة، وتنغزه الذرات الرملية الهوجاء في صدره، وتطوق رقبته. امتدت كفه اليمنى وقبضت على إطار الفتحة الأولى من الفردة الثانية، وصار يدفعها بقوة ضد اتجاه الريح. ثبت قدميه على الأرض وواصل دفع الفردة الأولى من النافذة الثانية إلى الأمام، حتى انسدت كاملة، ثم طوّح يده اليسرى نحو الفلقة الثانية وألقى بكل ثقله عليها. أزّت بقوة وأخذت تطاوعه، ثم انزاحت أمامه قليلاً قليلاً، وانسدّ الشباك.

داخل المقهى كان هدوء مباغت. وبقي عزيز الموسوي متكئاً إلى النافذة، يلهث ويبصق الرمل من بين أسنانه. كانت عيناه تهملان دمعاً غزيراً، صاحبته حكة مؤلمة داخل أجفانه. إنه يحسُّ الآن بذلك الشعور الذي رافقه دائماً: الأول في الدفاع عن رفاقه.

أخذ الجالسون ينفضون الرمل الذي علق بملابسهم، ولم يكن السعال الجماعي قد هدأ بعد. كانوا منشغلين بأنفسهم فما نظروا إلى ذلك الرجل الذي جرجر نفسه متعباً، وجلس إلى تخت آخر في المقهى. يتذكر: كان الرفاق في مثل هذه الساعات يتوزعون واجباتهم بسرعة، أما الآن فلم يحدث شيء من ذلك، الجميع يعطسون، دون حركة خارج التخوت الخشبية.

انحنى عزيز الموسوي إلى الأمام قليلاً، ومرّر منديله على عينيه. كانت مربعات زرق وحمر وسود تتراقص أمامه. وكان لا يهتم لهصيص الرمل في فمه، رغم الألم الصخري، رغم قطع الزجاج التي تجرح بلعومه، إلا أنه إزاء الألم في عينيه كان مهتماً في أن يفتحهما ليتخلص من تلك الخشونة التي تقرّح أجفانه من الداخل. وإذ أعاد ظهره إلى وضعه الطبيعي لم يكن ثمة ألم في عينيه، غير أن المربعات الملونة عادت تتراقص أمام عينيه اللتين تخضلتا بدمع حار. ولما فتح عينيه مرة أخرى لاحظ الجالسين يحكون مآقي عيونهم بأطراف كوفياتهم، وسمعهم يبصقون أو يسعلون، ويسبون الشيطان القوي الرجيم، وسط ثغاء الخراف.

استمر ينظرهم من أي الأمكنة أتى كل هؤلاء إلى ديرة حلم العمر..؟ وكانوا يتمايلون أمامه كأشجار ضعيفة السيقان لم ترسل جذورها عميقاً في الأرض، مأخوذين بفجاءة العاصفة، بينما انكفأت أقداح الشاي على الطاولات، فسال الشاي واختلط مع طبقة الرمل التي غطتها، فكوّن ذلك خليطاً أقرب ما يكون إلى ندف متجمعة، دمٌ أسود أعاد إلى ذاكرته صوراً تخزّنت في قلبه، قلبه الذي يعرف من يسكنه. كانت أكباد الدم فوق المناضد، تحتها تماماً رأى جثة فصل عنها رأسها. تعرّف إلى الرأس: ليس خالد الأمين بالتأكيد، بيد أنه يشبهه تماماً.

من غرف التعذيب، إلى أناشيد الجبهة، هل هذا صحيح؟

وكان الصمت سيد المكان.



-6-

التجأت إلى حائط الحوش، لا شيء تستند إليه سوى الحائط المبلول بندى الفجر، وأمامها كانت أشجار النخيل فارعة الطول وزرقاء بينما السماء فوق وخلف أشجار النخيل كانت برتقالية اللون.

كانت ترتدي نفنوفاً من قطعة واحدة، أسود اللون، يستر جسدها كله باستثناء رأسها المغطى بكوفية بيضاء، رفعت ذراعيها إلى الأعلى قليلاً قليلاً حتى انتصبتا مثل مرديين، وكانت راحتا كفيها مبسوطتين باتجاه السماء البرتقالية، كما لو أنها كانت تنتظر هبة.

رأيت دموعاً تحفر عميقاً في خديها، وشاهدت شفتيها تتمتمان، وشيئاً فشيئاً أخذت كلماتها طريقاً إلى مسمعي:

عفة الروح، أنت

بساتين الرضا.

سيد الوقت، أنت،

وأنت الطمأنينة

حرف بسيف الله، أنت،

لا، أنت ذاك السيف

يا سِرّ السكينة

يا أنبل اسم، تبسّم لله

فاختارته السكينة.

كان نثيث مطر أصفر يهبط عليها وهي تستند إلى الجدار، وكانت مريم بنت مطر تزداد التصاقاً بالجدار، حتى غدت جزءاً منه، ثم اختفت فجأة.

عندما عدت إلى اليقظة، وجدت نفسي منطرحاً على ظهري، وسط حقل الحنطة في مزرعة الأجداد في (علي الغربي) أنظر إلى سماء زرقاء صافية، بينما مريم بنت مطر، تقف قريبة مني.

قالت: فوق هذا الحقل، وسط الحنطة، وضعتك، جاءني الطلق من حيث لا أحتسب، انطرحت على ظهري ووجهت بصري إلى السماء، وأطلقت صوتي صارخة: يا جدي.. بحق مقامك عند ربك، اشفع لي.

كنت لا أرى غير سماء زرقاء، ولم يكن معي في حقل الحنطة إلا مريم بنت مطر التي اقتربت مني - الآن - لأتبينها بوضوح: امرأة فارعة، تأتزر بعباءة سوداء، حافية القدمين، سقطت كوفيتها البيضاء عند قدميها، فبان شعرها الأسود الفاحم وانسدل حتى قدميها.

قالت: كنت تحلم

- بك

قالت: وماذا كانت أمك ترتدي؟

- نفنوفاً أسود اللون، يا أمي.

قالت: وهل تحدثت إلى السماء؟

- نعم، تحدثت عن بساتين الرضا

قالت: تعالي إليّ يا عفة الروح.

ضمتني مريم بنت مطر إلى صدرها، فاستروحت عطر أزاهير الهور، وسمعت صمت ماء الكحلاء، ونادتني قبّرات حقول الحنطة، والتصق في عمق قلبي حنين النياق، بينما كانت الأرض صفراء مثل ذهب جداتنا، والسماء زرقاء صافية مثل قلوب عذراواتنا.

مريم بنت مطر، هي أمي. وإذ أستعيدها الآن من حضرة الموت، لأتحدث عنها - يا شقيقة روحي - في حضرتك، فلأن روحها حلت فيك فأنت الآن - أمي وحبيبتي وأختي، أنت سمائي التي ألتحف، وأرضي الطهور التي أتوسد، وأنت أيضاً بساتين الرضا وغابات الشوق التي تفنى.

كانت مريم بنت مطر تصطحبني معها إلى السوق الكبير عندما كانت تريد أن تتبضع، كما كنت أرافقها إلى شريعة النهر، لتملأ المصخنة بماء خابط، ثم تضع الماء في (الحِبّ) ليصفو بعد سويعات في يوم من أيام شهر آذار، حيث يكون ماء (الكحلاء) مثل الدم العبيط، قادتني أمي إلى الشريعة كنت أتبعها على (المدربان) متقافزا مثل جديٍ صغير، بينما بستان النخيل امتلأ بغناء الفواخت.

عندما وصلنا إلى الشريعة كان الماء أحمر عبيطاً مثل دم الحسين، والسماء فوقنا تنث رذاذاً بلون أرجواني، وكانت أمي حافية القدمين عندما نزلت إلى الماء.

فجأة تفتحت كل أبواب السماء فوقنا، التجأت إلى طوف البستان خوفاً من المطر، بينما كانت مريم بنت مطر، تتقدم نحو منتصف النهر.

من مكمني خلف جذع نخلة، رأيت أمي ترفع الكوفية البيضاء من رأسها فبان شعرها الأسود الحالك طويلاً ومنسدلاً ليسقط في الماء. ثم انها شقت زيق ثوبها ورفعت براحتي كفيها ثدييها، واتجهت ببصرها نحو السماء.

تحت المطر وإذ غطس نصف جسمها في الماء، كانت مريم بنت مطر تبدو مثل حرة مسبية: إن الحرائر عندما يسبين - يا جلنارة الكون - يتجهن إلى الله، وهكذا كانت أمي في تلك اللحظة، مثل (الرباب) في العاشر من المحرم، تعرف مسبقاً أنها ستسبى ذات يوم.

كان صوت الرعد يختلط بصرير الريح: ثمة غضب في السماء ومثله كذلك على الأرض، أخذت مياه النهر الهائجة تدك ضفتيه بعنف بينما كان سعف النخيل الأزرق يخفق بشدة، مثل ذراعي غريق يستنجد بالله.

عند ذلك سمعتها تحدث هذا العصف:

- يا جدّي... بحق مقامك عند الله، ادع ربك أن يحفظ هذا الوليد. وأشارت بذراعها اليمنى إليّ.

لم يعد المطر يخيفني، ولا الرعد عاد مدعاة للاختباء في المنازل، أحسست أن في جسدي قوة أسطورية، وأنني أستطيع منازلة العاصفة في بؤرتها، كانت انفجارات الرعد مفزعة والبروق تسقط في الماء حولنا، لكنني انطلقت باتجاه مريم بنت مطر وأمسكت بردن ثوبها.

وسط هذا الويل، كنت أرى أمي غير خائفة، تماماً كما رأيتها بعد ذلك، تتبعني إلى كل المعتقلات والسجون، وفي (معتقل الخيالة) تحولت مريم بنت مطر إلى أم لكل المعتقلين، كانت تقف عند بوابة المعتقل من بعد صلاة الصبح وحتى بعد صلاة العشاء، حاملة صرّة بها خيار وطماطم وتقول للحارس:

- يحفظ غاليك يالحارس.. أريد أشوف وليدي.

لم يكن مسموحاً لها برؤيتي. كما لم يكن مسموحاً لي برؤية أحد، ما حدث لي لم يصدقه كثيرون: في السابع من كانون الثاني دخل إلى غرفتي رجلان لم أكن قد التقيت بهما، أحدهما قيّد يديّ، والآخر أخذ يعبث بمحتويات الغرفة.

قال الأول: لا يوجد إلا الكتب.

قال الثاني: هو من جماعة (خرا) تشوف!

في طريق أعرفها جيداً، كانت سيارة الجيب الروسية تتجه إلى مقر السجن، ثم قادني آخر إلى مكان لم أعرفه: رفع الجندي غطاء يشبه أحد أغطية فوهات المجاري، وأمرني: إنزل.

تحيّرت قليلاً، ونظرت إلى الجندي: من لونه الأسمر ولهجته عرفت أنه جنوبي.

قلت: إلى أين؟

قال: هنا (وأشار إلى الفوهة شبه المظلمة).

نزلت متوجساً، فلامست قدمي اليمنى درجة في سلم خشبي، وما إن نزلت أربع درجات على ذلك السلم حتى سمعت صوت إغلاق الفوهة.

ظلام، الظلام، سيد هذا المكان، في الظلام كنت أطرد الخوف بالأحلام، أما في هذا الظلام فالخوف لا يطرد أبداً، أخذت أنزل إلى الأسفل خائفاً، درجة بعد درجة، حتى انتهيت إلى مكان يشبه القبر.

كانت غرفة بارتفاع متر واحد، وبعرض مترين، وفي السقف رأيت مشبكاً حديدياً يفضي إلى ظلام شفيف.

ماذا فعلت يا عزيز الموسوي لكي تسكن في هذه الوحشة؟ سألت نفسي هكذا، وأنا أتحسس ما حولي في هذه العتمة، لم أفعل شيئاً، هكذا أجبت نفسي، وأنا أتكور لأعاين المشبك الحديدي.

كنت أعرف المنطقة جيداً، لكنني لم أعرف هذا المكان مطلقاً، أعرف بيوت الأثوريين في الحبانية بيتاً بيتاً، وأعرف مطاعمها واحداً، واحداً وأعرف عدد السيارات كذلك، أعرف جميع الناس في هذا المعسكر الذي بناه البريطانيون كقاعدة جوية في هذه المنطقة التي يخترقها نهر الفرات، لكنني لم أكن أعرف هذه الغرفة.

كانت (الحبانية) خياراً ارتضيته بقناعة، سنتان في الخدمة العسكرية بوظيفة كتابية، وبعدها التحقت بكلية الحقوق، حيث كان حلمي الأثير في دراسة القانون الدولي.

قال لي ضابط الإدارة في مقر وزارة الدفاع متهكماً:

- يا (شروقي) لا تتدخل في السياسة.

قلت: يا سيادة العقيد.. لا همّ لي سوى معرفة سارتر.

قال: ومن هو سارتر هذا؟

قلت: إنه قسيس فرنسي من تلامذة هيدجر!

نظر سيادة العقيد إليّ متفرساً، ثم سأل:

- تبدو (شروقياً)

- أنا من ميسان.. يا سيادة العقيد.

دمدم العقيد ببضع كلمات لم أسمعها جيداً، ووقع على عقد التوظيف، ثم قال بينما كانت صورة (الزعيم عبدالكريم قاسم) تعلو رأسه فوق الجدار.

- زعيمكم هذا، وأشار برأسه إلى الجدار (نصف شروقي).

كان ذلك في شهر تشرين الأول، عندما التحقت بمعسكر الحبانية، بعد ثلاثة أشهر من التدريب العسكري التقليدي، رقيت إلى رتبة (مساعد ضابط).

كنت أصغر مساعد ضابط في ذلك المعسكر، ولم يكن في هذا الأمر ميزة لي لكنه كشفني أمام الجميع، فلقد كان زملائي جميعاً يعرفون حركاتي وسكناتي، وحتى المراهقات الأثوريات كن يشرن إليّ فيما كنت أجوب حي الأثوريين بحثاً عن مقهى على الرصيف، أو مطعم صغير أتناول على إحدى طاولاته أكلة (الدولمة) الأثيرة لديّ.

بعد فترة قصيرة اهتديت إلى مكتبة تقع في (الحي العربي) من

الحي المدني الذي لا يفصله عن المعسكر سوى سور من الأسلاك الشائكة.

لم أجد صعوبة في ترتيب صحبة مع صاحب المكتبة، وعندما وجدت كتاب سارتر (ستالين) في تلك المكتبة فرحت كثيراً، واشتريت نسخة منه على الفور، رغم أن نسخة أخرى منه توجد في مكتبتي المنزلية في بغداد.

نصحني صاحب المكتبة: لا تدخل (ستالين) سارتر معك إلى المعسكر، إنه سيسبب لك سوء فهم.

لم يكن ستالين أثيراً لديّ، رغم صورته المهيبة التي كنت أشاهدها في عدد من الأفلام السوفييتية، كانت فكرة الحرية كما يراها سارتر هي شغلي الشاغل، أما فكرة الحرية المنقوصة التي يطرحها ستالين، فكانت تثير اشمئزازي.

- إنه يلغي الله، فكيف يتم إلغاء ما هو غير موجود؟

هكذا كنت أحدث خالد الأمين عن ستالين ذات يوم، لكن صاحبي رمقني بنظرة امتعاض.

- أنت رجعي.

كيف يمكن لي أن أتخلى عن الله؟

في أحد أيام فصل الصيف، وربما كان يوماً من شهر تموز اصطحبتني أمي معها إلى الشريعة، كان الوقت فجراً، وفي فضاء برتقالي أو أبيض، استمعت إلى أصوات البلابل والزرازير والفواخت والغربان والقبّرات والهوام، كان عقلي الصغير آنئذ لا يدرك معنى تلك الموسيقى الرائعة.

- لماذا تتعارك هذه الطيور؟

- إنها تسبّح لله (هكذا ردت أمي).

وعندما وصلنا إلى الشريعة، كانت مياه النهر زرقاء، هادئة بشكل مثير، حتى لكأن الماء توقف في مكانه.

- لماذا توقف النهر عن الجريان؟

- إنه يصلّي لله يا وليدي.

- ومن هو الله يا أمي؟

- هُوَ هُوَ.

لم أفهم ما قالته مريم بنت مطر في ذلك اليوم، ولكن بعد عشر سنوات، عندما كنت أهيم، وحيداً، على وجهي فوق رمال (سجن النقرة)، وأنا أردد: (يا هو ).. ( يا هو) أدركت كم كانت أمي عظيمة بفطرتها، كما أدركت أيضاً أن طريقي إلى معرفة الله ستكون شاقة وصعبة.

مر عليّ شريط هذه الأحداث والمواقف بسرعة فائقة، وعندما نظرت إلى المشبك الحديدي، في تلك الغرفة أو ذاك القبر، لم أر شيئاً، لكنني سمعت صوت الريح.

في تلك اللحظة تذكرت مريم بنت مطر، في ذلك اليوم التموزي، وأنا أسالها:

- مريم... من أين تأتي الريح؟

- منه. من الله، إنها أحد جنوده.

حدقت في المشبك الحديدي طويلاً حتى فاضت عيناي بالدموع، بكيت، نعم بكيت بحرقة لمدة لا أعرفها.

وبعد ذلك - يا سافرة - عرفت معنى البكاء.

وفي تلك الغرفة - القبر، كنت أحدّق في المشبك الحديدي.

ولم يكن ثمة إلا الصمت.

***

وكان الصمت هو المهيمن على الجالسين الذين اتكأوا إلى مساند التخوت، يتنفسون بأصوات مسموعة ويدخنون بشراهة، بينما آخرون تدلت رؤوسهم إلى الأسفل، دون كلام، ينظرون إلى الرمل تحت أقدامهم وقد لطخ أرضية المقهى بسائل ميال لحمرة خفيفة، بعدما امتزج بها في الكؤوس البلاستيكية من سوائل اندلقت أثناء الاضطرابات التي سادت المقهى عندما داهمتها العاصفة. يتذكر: المرح كان الفعل المفضل، الوحيد، الذي نَرُدُ به على مفاجأة العاصفة. وكانت سافرة عبدالمسيح إذ تمرح، بعد قنينتي بيرة، تنزع حذاءها وتسير حافية على القير الحار، وتصيح بالمارة: أنا قديسة، فأقول لنفسي: لو أنها تصمت فقط، لكنها كانت تغني أو تبكي، لست أدري، في تلك الأيام التي كان الصمت فيها لم يعد مجدياً.

أما خالد الأمين فقد ابتدأ تحوله مع الصمت، مرة ظل سبعة أيام في حالة صمت تام، رفض الأكل، وكان يضع على عينيه عصابة سوداء ليجلس نهاراً في شمس تموز السلمانية المحرقة ثم قال: الغلط كان في الابتعاد عن البندقية. والمرة الثانية بعد أن عاد من هناك، فقد استمر أربعة أيام دون أن يمد يداً لطعام أو يحادث أحداً، وكنت معه نتشارك الغرفة الصغيرة في الحيدر خانة، أحاول أن أدعه ينطق ولو بكلمة واحدة خلال اليومين الأولين، وفي اليوم الخامس كسر صمته بنفسه وأعلن لا فائدة.. إن الخارج كله خداع في خداع.

ثم انكسر الصمت فجأة في مقهى ديرة حلم العمر، عندما أخذ صوت ملتاع يتهدج بأغنية حزينة، أغنية طالما استمع إليها عزيز الموسوي في كل السجون التي استقبلته:

(مسموعة وَنّةِ الليل،

يا روحي هيدي.

بَسّ البِجَه والنوح،

صاير نصيبي..).

أعاد الصوت ترديد المقطع مرة ثانية. وكان الحاضرون ينودون برؤوسهم مع الصوت إذ يعلو أو ينخفض. توقف لحظة ثم جعر:

( يسألني البطران،

حالكْ اشلونه.

الساخطْ الله عْلِيْهْ

هَمْ ينشدونَهْ..

ويلِيْ يمَهْ..)

وَيليْ يُمّهْ. اخترقت الشكوى قلبه، وتذكر عزيز أمه تركض خلف القطارات، تتعثر بعباءتها، أو تحشر نفسها في سيارات مكتظة بالركاب قاصدة البصرة أو الموصل أو السلمان. وازدحمت في نفسه كل انشغالات الماضي. الغناء الليلي الملتاع، تلك اللازمة الحزينة، صاحب هذا الصوت الذي رافقه أكثر من مرة: إذا لم يغن السجناء فماذا يفعلون..؟ إنما هذا الصوت، هذه الأغنية الحزينة، فلم يكونا غريبين عنه. بيد أن المغني لم يدع عزيز الموسوي ينصت للأيام الماضية، فقد عاد إلى الغناء مرة أخرى، بينما كانت رؤوس الرجال تتمايل.

ويلي يُمّهْ. رددها الصوت المفجوع بحزن أكبر من ذي قبل. وكان صاحبه لا يبعد عن عزيز سوى المسافة بين تختين. استمر ينظر إليه ويحاور ذاكرته. كان لا يرى وجه المغني. وإذ رأى أذنه المجدوعة أراد أن يناديه: أحسنت يا كريم، أعِدْ يا كريم البقال. لكن باب المقهى فتحت وسَد الفتحة رجل كان الليل يزيد لون ملابسه سواداً على سواد: غريب المتروك.



- 7 -

قالت سافرة عبدالمسيح:

هنا النهاية، لا بد من الذهاب الآن إلى جنوب لبنان، أنا لا أستطيع الفكاك من الألم. لقد كنت أدرك أنني سأصير إلى مثل هذه الحالة، برغم أنني كنت أكابر وأتحدث إلى زميلاتي باستعلاء: الحب يخلق المعجزات، واكتشفت بؤس الخيانة بعد ذلك. ماذا عند البنت في بلدنا غير بكارتها المصانة..؟ وها أنا أفقدها نهائياً.

***

قال خالد الأمين:

ترى.. أأظل أعيد وأكرّر: هنا النهاية، أو هنا البداية..؟

لقد كانت النهايات بدايات باستمرار، ولم أعد أطيق صناعة جحيمي. أنا واثق من ذلك. وكان قد ثمل كثيراً، فلما أردت أن أدله على الطريق الموصل إلى غرفته في الحيدر خانة، نهرني: لم يَعُد ثمة ما يسرّ القلب غير هذه الطريق الأخيرة، وأشار إلى المصحف.

وقلت أنا:

إن عزيز الموسوي يعرف مخابئ ذاكرته وزواغيرها، كذلك يعرف كم هي موحشة مفازات قلبه. وهو لذلك لا يطيق صبراً على أن يظل خارج حركة الفصول، إن الذاكرة ستظل ملكاً للماضي، وليس كل الماضي خاطئاً، بينما العقل والقلب يحاوران الحاضر.



- 8 -

كَمْ مرّة التقيتُ به..؟

إن عزيز الموسوي يعرف مخابئ ذاكرته، والحياة الكاملة لرجل كان زينة الشباب، وآخر لَمْ يعقد مع الآخرين أيّ ميثاق سياسي، إلا أنه كان يؤمن بصداقة غريب المتروك. التقى به ذات يوم عندما تعرّض لمأزق أثناء مطاردة الشرطة له في أحد البساتين. قال غريب: أثبتْ وأطلقْ بشدة وحاذر أن تخطئ. وبعدما انهزم الشرطة الخيّالة مخلفين وراءهم بندقية وقتيلاً، قال غريب: لا أعرفك، لكننا منذ اليوم نصبح أصدقاء.

قال كريم: أقسمُ على بندقيتي ألاّ أخونك.

ضحك غريب واقترح: أخوة الدم، هل توافق؟ جرحان في الرسغين الأيمن والأيسر، ثم امتزج الدم.

غريب المتروك.. كيف يغيب عن ذاكرة عزيز الموسوي؟ رآه في مركز شرطة الخيالة، وصادفه في معتقل الفضيلية ثم في سجن الموصل. أما في سجن السلمان فقد قاسمه زاده. وبعد ذلك، في سجن الحلة، صارت العلاقة تاريخاً، ثم انقطعت أخباره. باستمرار كان عزيز الموسوي يبحث عن غريب المتروك، لأن هذا الرجل الذي كان مقاتلاً، رمى بندقيته بعد يومين من ثورة الرابع عشر من تموز وعين رئيساً للحرس الليلي بمدينة »العمارة«، ورفض أن يضرب المعتقلين السياسيين في مركز شرطة الماجدية بعد ذلك بسنتين، لا يزال يسكن ذاكرة عزيز الموسوي.

في أي يوم حدث هذا...؟

إن عزيز الموسوي يتذكر جيداً: في سجنه الانفرادي، في ذلك المركز الذي تعطّ منه رائحة الروث، دخل عليه رجل طويل القامة، كثّ الشاربين، فوق خده الأيمن أخدود، يحتزم حزاماً جلدياً على دشداشة من الكتان الأزرق وبيده خيزرانة. كان ينظر إليه بعينين لامعتين. وكانت هي تلك المرة الأولى التي يزور فيها الموقف السياسي: حدث الأمر بسرعة لا تصدق. ترك طلاب المدرسة الثانوية في العمارة فصول الدرس ونزلوا إلى الساحة. صمت. تجمعات تحت الطارمة وحول أشجار الدفلى.

وفجأة هتف أحد الطلاب: تسقط الدكتاتورية. تسقط.. تسقط.. تسقط، ردد الطلاب.

وبسرعة وبعصبية ودون أن يعرف ما الذي سيحدث بعد هذا كله، هتف عزيز الموسوي: تسقط الدكتاتورية. وبسرعة فائقة التحم جمع الطلبة.

كان عزيز لم يتجاوز السادسة عشرة، عندما سمع طلاب الصفوف المتقدمة يتحدثون عن اعتقالات واصطلاحات جديدة: السلام، الوحدة العربية، الاشتراكية، وكان فرحاً لأنه الثاني في ترديد الهتاف. وعندما جاءوا إلى بيته في تلك الليلة، بعد التظاهرة الموضعية، كما سماها الطلاب حينئذ، عرف أنه يتدخل في السياسة. وازداد ثقة بنفسه بعد أن أخبره أحد كبار الطلبة: عزيز قد يأتون إليك في الليل، لا تنطق بأي من أسمائنا.

وتوقع أن الرجل سيضربه بعصاه الخيزران، فتذكر عزيز وصية رفاقه. ظل الرجل ينظر إليه. وكان في حوالي الأربعين، تضفي عليه قامته المديدة جبروتاً وقوة. يتذكر عزيز: برك الرجل على الأرض ووضع العصا جانباً، وخاطبه: لا أريد أن أضربك يا بنيّ، لكن الدولة هي الدولة، وأنا في مصيبة.

وطفق يبكي.

قد يحدث أي شيء لعزيز الموسوي: ينسى أغلب قراءاته، ينسى بعض التعذيب الذي تعرض له في معتقل التاجي، ينسى كلمات البذاءة التي سمعها من رجال المعتقل، إنما عزيز الموسوي لا يستطيع أن ينسى البتة بكاء غريب المتروك. كان بكاءً رجولياً، انتحاباً، بكاء رجل طعين في أعزّ ما لديه. وتعلّم عزيز في السنوات التالية على اعتقاله، أن العذاب المرير، عذاب الرجل الطعين في أعزّ ما يملك قد يجرّه إلى بكاء، بكاء لا يمكن وصفه أبداً.

لذلك كان يسأل من غريب المتروك باستمرار.

في معتقل التاجي قالوا له: غريب غادر السجن بعد عام 1965.

وفي مركز إبعاده السياسي بمدينة الرمادي أخبره أحد أصدقائه: غريب المتروك.. كيف لا أعرفه؟ لقد التقينا في مدينة العمارة، كنت وقتها في مطعم »العاصمة الكبير«، حيث الموائد مكتظة بسواق السيارات وبائعي المفرد وعمّال الإصلاح الزراعي، وصادف أن وجدت كرسياً فارغاً لصق إحدى الموائد، وسمعت صوتاً يقول: تفضل.

غريب المتروك، قلت في نفسي، كان يبتسم بود: أنت الآن طليق.. هل تعرف شيئاً عن عزيز.. أعني عزيز الموسوي..؟

كان كما كان معنا في معتقل الخيالة، هادئاً، وقوراً، بينما ظلت تلك الابتسامة الغامضة لا تفارق وجهه. نظرت إليه وإلى رجل يجاوره: كريم البقال، عرفته في الحال. رجاني غريب: إذا رأيت عزيز فسلّم لي عليه؟ وعلق كريم البقال: عزيز ابن حلال. ولما رجعت إلى المائدة بعد أن غسلت يديَّ لم أجدهما، أخبرني عامل المطعم: حسابك مدفوع.

كل الذين عرفوا عزيز الموسوي عرفوا أيضاً غريب المتروك، وسمعوا بصداقته لكريم البقّال. كان عزيز الموسوي يتحدث عنه دائماً بحب: في سجن السلمان بقيت أربعة أيام لم يسمحوا لي فيها بالاختلاط مع السجناء السياسيين، عزلوني في غرفة قريبة من إدارة السجن.

وفي اليوم الثاني زارني غريب وكان ذلك مفاجئاً لي، قال: كَبرت والله يا عزيز.

وأخذ يضحك حتى بانت ضرساه الذهبيتان. وبعد أن غادر الغرفة ترك في مكانه ملابس وعلبتين من السردين المعلب.

أما في سجن الحلة فقد كانت بيننا أحاديث كثيرة. كان قد قرأ كثيراً وتغيّرت هيئته القديمة، وصار يعلق باقتضاب على الأحاديث، وينظر إليّ بعينين مأخوذتين، إنه يتحدث من وراء ستار. هذا ما تأكد لي فيما بعد. قال: عزيز. هناك غلط علينا جميعاً إصلاحه. كنت أفهم ما يقول فأكدت له رأيه بإيماءة من رأسي: أنت تعرف ما أعني، قال: نعم، أجبت. أنا قد لا أنفع بعد، قال ذلك بصيغة الإخبار.

قلت: لم تكن غلطتنا، إنما الظروف كانت قاسية.

والظروف فعلاً كانت قاسية، وهذا ما كانت تقوله سافرة أيضاً: ماذا عند البنت غير شرفها - وشرقت باكية - سأذهب إلى هناك، حيث لا أحد يعرفني، وربما سأعيش مرة ثانية.

يحاور عزيز نفسه: اليوم، غريب المتروك الذي وضع بندقيته عند قدمي مدير الشرطة، أثناء ذلك الاحتفال الكبير، ثم ندم على ذلك أشد الندم، يسكن في مدينة مهجورة، مدينة لم أجدها على الخريطة، مقطوع الجذور، متخفياً عن كل أصدقائه، فلا بد أن في الأمر بعض غلط.

غلط، غلط.. كانت سافرة تصرخ باستمرار: وما فائدة أن تقول لي ذلك الآن، هل تستطيع أن تعيد إليَّ بكارتي..؟ وأشارت نحوي متألمة: إني أفهم أن يغلط الإنسان، لكني لا أفهم معنى الاعتذار. ولم يكن غريب ليعتذر وقتها، كان يسير إلى جانبي، مثل شخص يزمع الهجرة إلى مكان لا محدد.. ترى هل راوده حلم ديرة حلم العمر قبلئذ.. وهل فكرت سافرة بالذهاب إلى جنوب لبنان قبل ذلك..؟

ويعود التساؤل يلح عليه: ألم يسمع غريب بهذا الذي يجري في بغداد..؟ بيد أن سافرة عرفت كل شيء، عرفت المدينة الجديدة، واستمتعت بضجيج الحياة الجديدة، ومع ذلك استمرت في تأملها الذي لا يرحم - لم أفقد حياتي بعد، وسأكون هناك واحدة أخرى.

قلت: سافرة، ستظلين ضميرنا جميعاً، وعلامة لذلك الجيل المعذب الذي اختار المشاركة في الثورة عن وعي.

وفي حينها لم يكن عزيز الموسوي قد توصل إلى مقصد غريب المتروك في اختيار مكان هجرته.

كان عزيز قد قطع المسافة التي تفصل مبنى جريدة »الوطن« عن ساحة التحرير، ماشياً على قدميه رغم الشمس التموزية المحرقة. وكان يتلفت، بين آونة وثانية، إلى تجمعات بشرية محمولة في سيارات ضخمة، بينما مكبرات الصوت تدعو إلى التظاهر: إنهم يقتلون الفلسطينيين في جنوب لبنان أيضاً.

وقبل سنة، في هذا المكان ذاته، كانت سافرة عبدالمسيح تضع يدها في يده: كانت أمي تدرّس أيتام الكنيسة، وتقول لي: يا سافرة ستكونين أم الفجيعة، وكنت أعدل قامتي أمامها: لا، إن ابنتك لن تخدع. ولكنها عندما توصلت إلى حلّ معادلتها الصعبة وجدت أن حياتها زائدة، تبرأت منها أمها وعشيرتها في الكنيسة، لقد لعنت. قالت لي: والآن أنا في مثل هذا الوضع اللزج، لا أصلح زوجة، الكنيسة طردتني، ولم أتوصل بعد إلى مرحلة تغيير الأديان، لذلك سأهاجر إلى هناك، أما أنت - وركزت عينين من أجمل عيون الخلق في وجهي - فستظل هنا، تتعذب من أجلي ومن أجل غريب المتروك.

ولم أدرِ ما صنعت بنفسها بعد ذاك اليوم. لم تكن متزينة، لبست بنطلوناً أزرق ضيقاً، وسترة صفراء فوق قميص ذي لونٍ أسود، وكانت قد قصت شعرها الطويل، وحملت حقيبة سفر سوداء. لم أرَ في يدها حقيبتها النسوية المعتادة: تركتها إلى الأبد. ثم نظرت إلى أشجار الكالبتوس على امتداد الشارع وأخبرتني: من يدري فلربما يتبدل كل شيء هناك.

ولما نظرت إليها عاينت الهالتين السوداوين حول عينيها، والأنف الدقيق الجميل الأقرب إلى الخنس، والفم المدور المرسوم بمهارة، قلت: أنتِ جميلة.

طَرفَتْ بأجفانها: لم أسمع منك هذا الكلام.. هل تحبني..؟

تضاحكتُ واختليتُ إلى ذاكرتي: وهل أستطيع تجربة الحب..؟

كنتُ أحس بعينيها تستعرضان وجهي، قالت: قلها وسأبقى معك.

وأنا أسمع حركة صدرها العصبية. قلت: كنت أتذكر.

قال: أعرف.

قلت: ذلك المساء.

قالت: أتذكره جيداً؟

قلت: كنت أخاف الضوضاء فتوقفت في منتصف الشارع.

قالت: ثم توقف السير وتحول الفضاء إلى جحيم من أبواق السيارات.

قلت: كنت ترتدين ثوباً أبيض.

قالت: دائماً، أفضل اللون الأبيض.

قلت: كنتُ خائفاً، الأصوات المفاجئة.

قالت: كان ذلك بعد يوم من توديعك السجن.

أتذكر.. تجمع الناس، نظراتهم المستريبة، وخطواتك المرتبكة..؟

قلت: أنتِ فقط نظرتِ إليَّ بعينين لن أنساهما مطلقاً.

وضحكتُ من كل قلبي:

- هل هذا الذي يحدث حقيقي؟

- لا أدري. إني أجرّب. وقد أقامر.

- ستغادرين بغداد إذن!

قالت: إنني متأكدة الآن من هذا. ولن أنسى ما فعله بي الحرس القومي في مخفر »الفضل«.

وكانت بغداد تبدو سكرى بالناس الذين يطلقون الهتافات والأغاني من أجل الاشتراكية، بينما الشمس كانت حارقة جداً، وكان الناس يتسربلون في أجساد معروقة وغاضبة.

***

وقلتُ لنفسي:

آن لي أن أقول شيئاً.

إذ رأيتك تتقدمين نحوي، عندما كنت في »وكر الطائرات« مربوطاً إلى ذلك العمود، وفي ذروة حالة اللاخوف واللاشجاعة، عرفت نفسي.

سمعتك تقولين: أنت تعرف نفسك.

وعندما رأيتك أمامي، تتضاحكين، دخل في روعي أنك نفسي، وأنني - بعد لحظة ما - إذ أغادر هذه الحياة، أتقدم إليك، مفتوناً بمددك الذي لا يوصف، لأحلّ فيك.

من أنتِ؟

أعرف الجواب، بيد أنني لا أحيط به.

أنتِ الحياة والموت والحب والحرية.

أنتِ لساني الذي أنطق به، ويدي التي أبطش بها.

أنتِ عقلي الذي يحاكم الأشياء، وقلبي الذي عرف الحب.

أنتِ حريتي التي صنعتها بالمجاهدة والحرمانات ومخادنة السجون واغتمار الأكوان.

أنت موتي غير المنتهي، وسفري المتواصل في العوالم السفلى ومجمعات »الأنوناكي«.

أنت تذكرين أني عرفتك فعرفت نفسي، وأنني التقيتك فواجهت نفسي: آه.. يا قرة العين، كنتِ قبل الأزل، وأنتِ بعد الأزل، أقرب إليّ مني، عرفتك، قبل هذا وذاك. لن أنسى تلك اللحظات:

في بستان النخيل المتصادق مع »الكحلاء«، البستان الذي صار شاهداً على افتضاحي بحبك. وإذ كنت أسوق سرب الإوزات السومريات نحو شريعة النهر، رأيتك مستريحة بين نخلة »البرحي« والبقرة الصفراء، بيضاء مثل »طلع« نخلة »البريم« فيما شعرك الأسود يسيل، مثل المياه الزرقاء المحببة لآلهة بابل، على كتفيك وثدييك، وكنت مهتاجة وأكثر غضباً من كل أسلحة »مردوخ« لأن نهايات الأشجار منعت حزم أشعة الشمس من السلام على جمالك.

كنت صغيرة وجميلة، مثل دورق دريّ امتلأ حباً، بيضاء الوجه مثل الفجر الأول للبشرية، سمراء الوجه لأن رعاة الجواميس أوقفوك دهوراً في صحراء »الطيب«، سوداء الوجه لأن الليل استضافك في محفته الأبنوسية أكثر بكثير من عمر نوح.

أنتِ السيدة الأجمل.

عيناك »غابتا نخيل ساعة السحر« وشعرك أسود فاحم مثل حزن الأسديات«.

حاجباك قوسان من عقيق، وشفتاك ثمرة »تبرزل« نضجت ببركات »تموز«.

رقبتك حلوة كمذاق »التين« وذراعاك مرديان أهدتهما الأهوار لسيدة البلدان.

أنت صغيرة وجميلة، مثل حُقّ امتلأ غزلاً.

أنت بُنيَّة لم يقترب منها صياد في أهوار سومر.

جسدك مطيب بالجوري والرازقي، وشفتاك تديرمتا بقشر شجر السدر.

ساقاك من قصب الهور، وسرتك مثل مكحلة »عشتار«.

كنتِ صغيرة وجميلة، ومنسجمة مع نفسك كما عود أكادي، عندما كنت تغنين:

»أيها العروس، حبيب أنت إلى قلبي

وسيم أنت، جميل، حلو كالعسل

أيها الأسد، حبيب أنت إلى قلبي

وسيم أنت، جميل، حلو كالعسل

لقد ملكتني، فدعني أقف أمامك واجفة«.

كنت صغيرة وجميلة، ومنسجمة مع نفسك، كما بوابة بابل، عندما كنت تخاطبين الراعيات:

»ليقبلني بقبل فيه فإن حبك

أطيب من الخمر

أدهانك طيبة العرف

واسمك دهن مهراق فلذلك أحبتك العذارى

إجذبني وراءك فنجري. قد أدخلني

الملك أخاديره فنبتهج بك ونفرح

ذاكرين حبك الذي هو أطيب من الخمر.

إن المستقيمين يحبونك. أنا سوداء

لكني جميلة يا بنات أورشليم كأخبية

قيدار، كسرادق سليمان، لا تلتفتن

إلى كوني سوداء فإن الشمس قد لوحتني«

كان جمالك مخيفاً وأنت مستريحة إلى العشب الذي كان يسبّح بحمد تكوير ركبتيك واستدارة شفتيك.

سجدتُ بين يديك، رأيت نفسي تخاطب نفسي، وأنا أقول لجميلة الجميلات:

»لقد أفزعني الموت حتى همتُ

على وجهي في الصحارى

إن النازلة التي حلّت بصاحبي تقضّ مضجعي.

آه، لقد غدا صاحبي الذي أحببتُ

تراباً، وأنا سأضطجع مثله فلا أقوم أبد الآبدين«

أنتِ فتنة سومر، أنتِ سرّ جمال مدن بابل، أنت ملكة الملكات في أشور وكنعان ونينوى.

وأنت التي قلت لي: يا عزيز الموسوي.. إذا كان الموت قد اختطف »انكيدو« فأنا الذي سأعوضك. هاك جسدي غير القابل للفناء، وهاك روحي غير المرتهنة بالموت تقبل صدرك.

يا موسوي.. إني أمنحك الحب الذي لا يقود إلا إلى الصداقة. وها إني أهديك الصداقة التي لن تقود إلى الحب.

قلت، وأنا أسير ذراعيك:

»أنا الذي رأى كل شيء، فغنّي

بذكري يا جميلة الجميلات..

وأنا الذي إذْ عرفتك، عرفت جميع

الأشياء، وأفدت من عبرها

وأنا الحكيم العارف بكل شيء

لقد أبصرت الأسرار وكشفت

عن الخفايا المكتومة

وجئت بأنباء ما قبل الطوفان

لقد سلكت طرقاً بعيدة، متقلباً ما بين التعب والراحة،

لأعلن أمام »الأنوناكي« حبي

لسيدة الماء والنار والريح واليابسة

والسماوات«.

هكذا كنت أقول لك، وأنا بين ذراعيك

في بستان النخيل، متوسداً قلبك،

مقترباً من رحمتك الوسيعة،

كما طفل ذي شعر أسود،

باركته الآلهة تواً

والآن.. يا ذات الأسماء المقدسة التي بعدد

الكواكب والأفلاك.. كيف لا أجعل من جديلتك

تعويذة في عضدي؟!



- 9 -

وكنتُ أحارب وحدي ضد الليل ونوم الأرصفة وأخاديد الذاكرة التي لا ترحم. ولم تكن بغداد كافية لاحتواء ضجيجي، كما لم يكن الخدر والسكر كافيين لإخماد ثورتي ضد نفسي. وكان الموت لصق لهاثي.

وفي تلك الليالي حيث تسكن بغداد وتنام بيوت على أكثر من تواطؤ، كنت أتنقل من شارع إلى شارع لأجد نفسي في آخر حدائق قناة الجيش، متكئاً إلى جذع إحدى شجيرات الغرب، أنادي: أين أنت أيها القدر.. أين أنت أيها المصير؟ ها أنا الذي صيرني الأنذال كهلاً.. أرقب النجوم، وأستعجل النهايات. بيد أن أحدً لم يكن يجيب. وفي ذلك اليوم عندما جرحت رسغي وأسعفني أحد العسس لطمت وجهي وبكيت: حتى الموت يهرب منك يا عزيز الموسوي.

لا، هذه الحقيقة: لقد تصادقتُ مع الموت، حدث هذا بفعل الاختيار، ولربما صادقني الموت حتى تطهرتُ وكان ذلك ضرورياً، لأن الحاضر يتطلب البدء من جديد.



- 10 -

في مكانه، في المقهى، كان عزيز يراقب وينصت، دوشيش، دوشيش وأغلبك. نظر غريب المتروك إلى كريم البقال وأدنى قطعتي الزار من فمه. بصق عليهما، بعد أن وشوشهما، ثم قربهما من أذنيه وقال لملاعبه: لآخر مرة.. دوشيش وأربح. وأوأ كريم البقّال بصوتٍ مسموع كأنه بذلك يريد إسماع كلامه لكل رواد المقهى: أنت تغلب، مستحيل. أنت ملك الخسرانين.

ضجت المقهى بالضحك، وزاد البقّال: لعب الطاولة بلا قوانين، إنه الحظ.

كان عزيز الموسوي قد غيّر مكانه مع بداية المباراة، ولاحظ سير اللعب لصالح كريم أول الأمر، ثم استطاع غريب أن يهزمه مرتين فتعادلا. وكان هذا هو الشوط الأخير.

- خلّنا نشوف من الخاسر.. الزار هو الحكم، أكد كريم البقّال، رفع غريب المتروك كفّه اليمنى وخضّ الزارين، فيما كان يرميهما في خانة اللعب: أنت غلطان.

- دوبارة.. صرخ كريم البقال، عافك الدوشيش. ضحكت المقهى. كان كريم يستغرق في الضحك. ضحك يشبه البكاء. وشاهده عزيز يرفع ذيل كوفيته، ويمسح عينيه: ألم أقل لكَ، أنت ملك الخسرانين.

وأصدر أمراً لصاحب المقهى: الشايات على حساب غريب الخسران. وعاد لمتابعة الضحك.

أراحَ غريب المتروك جسده على الكرسي الخيزران وأخذ يدخن. كان ينظر إلى أمام، في مواجهة كريم، ساحباً دشداشته حتى ركبتيه، مريحاً ذراعه اليسرى على فخذه، وكان صدره مكشوفاً وكثيف الشعر.

- هذا اللعب يا كريم. مرة الواحد يربح ومرة يخسر.

- أخذت تبرر.

ردّ عليه كريم البقّال: الخسارة هي الخسارة، والربح هو الربح، في التجارة، في الطاولة.. أو في السياسة.

يخزره غريب مربد الوجه.

أشعلت سيكارة وهممت أن أقوم نحوهما، لكن أعرابياً دفع باب المقهى وأعلن: أريد غريب.. غريب الغسال.

قام إليه غريب مربد الوجه، وغادر مكانه دون أن ينظر إلى أي وجه من وجوه الجالسين، فيما ظل كريم في مكانه، يتناول شايه بهدوء بعد أن أغلق مستطيلي الطاولة، ومشى عزيز نحوه.

***

ولدت والموت لصق لهاتي.

والآن.. بعد هذه الحقب اللا نهائية، أجدني صرت والموت صديقين حميمين. تماماً كما كان الموت وعليّ بن أبي طالب صديقين حميمين.

كفني يرافقني دوماً. وكما أوصتني مريم بنت مطر، كتبت »آية الكرسي« على محط رأسي في كفني، بعد أن غسلت القماش بماء من زمزم.

في الصحراء وعند شاطئ »الحبانية«، كذلك بين نخيل بستان »النيادة« في »الماجدية« أو عند شاطئ »الحبانية«، غالباً ما كنت أحفر لحدي الخاص: أنطرح على ظهري، مثلما رأيتك في الحلم، متجهاً إلى سماء لا متناهية، بينما اللحد يضيق رويداً رويداً، لتسحبني الأرض وتطبق على جسدي.

في الرابعة أو الخامسة من عمري، رأيت مريم بنت مطر تكسر معاضدها، ثم سمعت نحيب خالتي صفية. قالت خالتي: فاطمة، أختك.. ماتت.

تسللت من البيت، وقعدت القرفصاء عند سور بستان »النيادة« وأخذت أنتحب. كان عمر فاطمة آنئذ ثلاثة أشهر. وفي مساء ذلك اليوم ذهبت إلى مقبرة الأطفال وجلست جوار قبرها الصغير.

سمعتها: أنا حمامة صغيرة تطير في فضاء الجنة.

بعد ذلك، في منتصف الليل، جاء والدي مع أحد أخوالي وأخرجاني من المقبرة، فيما كنت أقول لهما: أتركاني هنا، فاطمة تحدثني من الجنة.

بعد ذلك بسنة مات أحد أبناء عمومتي، كان يصغرني قليلاً. ساعدت في حفر قبره وجلست فيه، وقلت لعمي: أريد أن أذهب معه لأعيش في الجنة.

قبل ذلك بدهور بعيدة، التقيت »أحيقار« في »نينوى«. في غرفة شبه مضاءة، رأيت الفيلسوف الأول ممدداً على سرير هرم، استعداداً للرحلة الغامضة.

قال: والآن يا عزيز.. هل عرفت الحياة؟

- إنني أنا الذي يتجه نحو الموت.

دمعت عينه اليمنى وسمعته يحشرج:

- يا موسوي، هنا المعضلة، إنني لا أعرف إلى أين أنا صائر.

أدمت النظر فيه. كانت لحيته الطويلة البيضاء تضفي هدوءاً مهيباً على محياه، بينما جسده النحيل يشف من تحت شرشف أبيض.

- كنت عند »مردوخ«

- أما زال يقاتل؟

- لا، يقتله السأم

دلفت إلى عرشه فجأة. وقفت بين يدي المتعدد الأسماء، ناظراً في وجه هذا الاله العراقي الذي انتفى عنه شرط الموت. كان يجلس على كرسي من الياقوت وأمامه طاولة ذهبية صغيرة، فوقها كأس فارغة:

- سئمت الشراب.. أيضاً.

- لكن غيرك يتألم، إنني أتحدث عن »أحيقار«

رفع مردوخ بصره باتجاهي، فارتفعت حول العرش أسلحته المخيفة: الريح الهائلة السرعة، التنانين والأفاعي، قطع الحديد التي تتخذ أي شكل يخطر في باله، السماوات وقد طويت طي الورق، بينما كانت أمه ترقبنا من بُعد:

- الخلود يجلب إليّ السأم. قال »مردوخ«

- أعرف أنك مريض.

- ماذا تعني؟ سأل »مردوخ«

- الخلود مرض

- والموت مرض

- لا، إنه الداء والدواء

سمعت »أحيقار« يجهش. دنوت منه كثيراً حتى لاصقته: لماذا تبكي أيها الفيلسوف الأول؟ هكذا خطر في بالي أن أسأله، لكنني أحجمت عن ذلك في اللحظات الأخيرة.

هدأ الرجل قليلاً، ثم حدثني: يحدث هذا معي أيضاً، كانت جملتي البسيطة: »الفلسفة هي معرفة الحياة« هي التي قادتني إلى هذا الهول. نعم عرفت نفسي، فجاهدتها. وعرفت نفسي أكثر، فتمردت عليها، وعرفت نفسي أكثر وأكثر، فقادتني إلى الحب.

صمت »أحيقار« لحظة قصيرة، ثم قال: وها هو الحب يقودني إلى الموت.

قلت: عندما تعرف أنك صائر إلى الموت، تعرف الحب.

خيّل إليَّ أنه يريدني أن أقترب منه كثيراً. وضعت أذني اليمنى عند شفتيه، وسمعته يتمتم:

- تمسك بالموت، إنه حقيقتنا الكبرى.

ذات يوم، في »معسكر الحبانية«، اقتادتني ثلة من الجند إلى »وكر الطائرات«. وهناك ربطوني إلى عمود، ثم شدوا عينيّ بعصابة سوداء.

دخلوا زنزانتي دون أن يعرفوا من أنا. كان هذا يحدث كل ليلة. يدخلون إحدى الزنازين ويختارون أحد المعتقلين على هواهم، ليطلقوا عليه الرصاص في هذا المكان.

أمرني أحدهم: أوْصِ.

لم أدر ماذا عليّ أن أفعل. رفض لساني أن يتحرك. كان جسدي المربوط إلى العمود لا يخصني، بينما كنت أرى نفسي تغادر جسدي، لتقف هناك، بين الجنود، وتضاحكني.

وكما لو أنني كنت منخطفاً، رأيت مريم بنت مطر تتقدم نحوي، على غيمة من نور، حتى وقفت قبالتي.

- أيتها المقدسة.. ماذا عليّ أن أفعل؟

- أنت تعرف نفسك. هكذا قلتِ.

عند ذلك انطلقت أربع رصاصات باتجاه رأسي، وسمعت زئيرها عند أذني.

- قال جندي: كنا نمزح.

ثم فكوا رباطي من العمود. كانوا خمسة، ملابسهم توحي أنهم من فرقة »الصاعقة«.

قال أحدهم: والآن.. إمضِ.

وعندما كنت أغادر »وكر الطائرات«، كنت تسيرين على يميني وتقولين: في الموت، كما في الحب، تلك هي المسألة.

وكان هذا هو شغلي الشاغل.



-11 -

وقاطعنا صاحب المقهى: كريم، اليوم الشغل حامي.. سيأتي غريب؟ التفت إليه، وقال: الدنيا أرزاق كما يقولون في هذه الديرة.

ثم أطلق ضحكة قصيرة، مختنقة، وأدار رأسه نحوي، قلت:

- أوافقك. الحكاية معقدة بعض الشيء. سمّها حالة حصار.

قال:

- لا أهتم، نحن نتحايل عليها. نلعب. هنا الطاولة. الأبوذية. الضحك الذي لا يدخل البهجة إلى القلب.

قلت:

- هذه البلدة.

واستدركت: أقصد هذه القرية، إنها مفزعة.

رد مع ابتسامة غامضة:

- مثل كل الولايات.

ونادى بصوتٍ عالٍ: شايات.

كان الظلام حالكاً في الخارج. وعلى الأرض لا تزال آثار العاصفة واضحة، الشاي الذي يشبه الدم بعدما امتزج بالرمل. وأخذ الاعرابيان يشخران. انسلّ الجالسون فرادى وجماعات. وكنتُ أجلس قبالة كريم البقال، بينما انشغل صاحب المقهى بوجاغ النار.

أخبرني كريم: رأيناك تنزل من السيارة، فشكا غريب من ألمٍ في قلبه.

- الولايات تختلف يا كريم. أنت تعرف من زمان طموحنا في خلق مدينة جديدة.

تضاحك كريم البقال حتى بانت أسنانه الصفر في قمٍ جاف الشفتين، وكانت سمة من الانخطاف تلوح في وجهه الناشف المبرقش.

ضرب فخذه بكفه:

- نفس كلام السجن.

- كريم: مضى زمن، ألا يزال السجن يسكنك؟

تضاحك كريم مرة أخرى. خيّل إليه أنه لم يضحك بصفاء منذ زمن طويل. كان يطلق من صدره صيحات متوترة، تصاحبها اهتزازات جسده بأكمله، إنه رجلٌ مخبوء خلف قناع جلدي يغطي وجهه، ذلك الوجه المبرقش، ذا العينين الكابيتين.

وأشعل سيكارتين، قدم لي واحدة منهما.

- بالنسبة لي لم يعد فرق. خارج السجن، داخل السجن، كله سواء.

واعتدل في جلسته:

- عزيز.. عندما رأيناك تنزل من السيارة هذا اليوم قلت في نفسي: جاء العذاب يا كريم، ثم مد ذراعه باتجاهي: أرجوك لا توجّر الكانون.

قلت:

- لم تقترف إثماً.

- أنا مذنب.

- أتسمي صداقتك لغريب ذنباً؟.

قال:

- بصراحة.. نحن نعرف بعضنا جيداً.. أنا لا علاقة لي بأي شيء. علاقتي فقط بغريب المتروك، وأينما يكن أكن، وأظنك تعرف القصة.

وأكد بنبرة رجاء: الأموات لا يعودون للحياة.

- إننا أصدقاء جمعنا السجن، ووحَّدتنا المصائب.. والآن.. والآن يا كريم!

- خلّنا من حديث الصداقة.

كان يسحق عقب سيكارته بحذائه، أسفل الطاولة.

أشعل سيكارة أخرى وقال: خلّنا من حديث الصداقة أرجوك.

فوجئت، في سجن الرمادي، كانوا يقولون: إذا بحثت عن غريب المتروك فستجده عند كريم البقال. وعندما طردوا غريب المتروك، في سجن الحلة المركزي إلى مأوى السجناء العاديين، نقل كريم البقال فراشه خلف صاحبه مباشرة وقال للسجناء: مكاني مع صديقي. وكان السجناء العاديون يعلقون بافتخار آنئذ: هكذا الأخوة وإلا فلا، من البيت حتى القبر. وأولئك الذين حضروا الاحتفال الكبير في محلة الماجدية يتذكرون أن كريم البقال وضع بندقيته جوار بندقية غريب. عند قدمي مدير الشرطة، وقال لغريب: أنت الذي أردت، سأكون معك دوماً، فقد تآخينا بالدم. وكان يبكي.

قلت:

- لماذا يا كريم.. لماذا تريدني أن أبتعد عن حديث الصداقة..؟

كان يدخن بعصبية واضحة:

- لم تعد عندي لذة في أي شيء. أنا كفرت بكل شيء. عزيز: دعني أقول لك شيئاً، أنت أتيت وأنا أعرف لماذا. تصور وضع ساعة ملئت ثم تركت فتوقفت منذ عشرات السنين، أنا تلك الساعة.

قال عزيز في نفسه: إن حمّى كل العالم تنتاب هذا الرجل الذي لا يزال سجين نفسه وصداقته، هل يعرف كريم البقال أنّه اليوم خارج السجون.

والتجأ عزيز إلى ذاكرته: ذلك سجن الحلة، تلك هي الأيام القائظة، تلك هي الأسابيع الممطرة، وها هو كريم في الردهة السابعة، بجانب غريب، يأكل بصمت ويتمشى وحيداً. لم يكن سياسياً بيد أنه اختار صداقاته. وعندما علمته السجون شيئاً من السياسة عافها، لأنها تبدت له تبريرات متواصلة، تواطؤاً مستمراً، هراوات تضرب من دون رحمة، وسكاكين تلتمع نصالها في الظلمة والشمس.

قال: لي مرة: هذا كبير عليّ، الكتب شيء والدنيا شيء آخر، ولولا وجود غريب لشردت من زمان.

قلت: مهما حدث يا كريم، فنحن لم نفقد جذوتنا، ألا ترى معي أننا لم نهزم بعد..؟

- نفس كلام الكتب. نفس كلام الروايات والحكايات، قال. وكان أخبرني ذات يوم: القراءة كانت سلوى في السنة الأولى والثانية، أما في السنة الخامسة فقد ضعت.

مد أصابعه نحوي وقال: سيكارة.

ولما اشتعلت سيكارته قال: دع الأمور تمشي كما هي، لم يعد عندي إيمان بكلام الكتب، ربما تتفاهم مع غريب، أما أنا فقد حطمت حياتي بيدي.

توقف وأدار رأسه نحو صاحب المقهى وصوّت: شايات.

قال لي: لم أستعمل حياتي منذ ذلك اليوم، إني تائه.

كان يبدو منطفئاً. لملم جسده وكوره في زاوية التخت.

لم يتحطم بعد، ولكن ذاكرة قلبه اندفعت إلى المستقبل فوضعته في هذه الديرة الموحشة. لم يدخل أية معركة سوى معركته مع نفسه. كان قد اختار صداقته. وفي هذه الديرة الموحشة يريد الانتقام من نفسه كلية.

ضحك.

- عاش لسانك. في الصباح عرق، في الظهيرة عرق، وعرق في الليل.

دفع السائل اللبني في جوفه وقال: كيف يمضي الليل من دون عرق يا عزيز.

ثم عاد واستدرك كأنه ارتكب إثماً: كيف يمضي العمر من دون عرق!

كان قد اتخذ وضعاً متوازناً على التخت، وأرسل يده اليمنى نحو رأسه وانتزع كوفيته. كان رأسه الأنمص محمراً، برغم الشيب الذي في فوديه، وأخذ يتمايل بينما كان ينظر إلى الأسفل.

ارتاح الآن، قلت لنفسي.

- نخب السجون، ورفع قدحه إلى الأعلى، نخب الجنائز.

وكرع كأسه الثالثة.

وتخيلت أنه يرجع الآونة إلى ذاكرته، إلى ذلك اليوم، عندما وضع بندقيته على الأرض، وقال لمدير الشرطة: لا لزوم للبنادق بعد. وإذ تعرض غريب المتروك إلى الاعتقال في ظروف شاذة، تساءل أحد رجال الأمن، وكريم البقال.. هل ندعه يفلت؟

وهكذا سجنوهما معاً. كان وضعهما مميزاً في كل السجون والمعتقلات التي مرّا بها: كانا خارج أي سياج سياسي، مع أنهما كانا يغتمان لتلك الظروف التي كانت سائدة.

- أريد قدحاً. قلت.

- ها، وفتح عينين واسعتين نحوي: هذا هو الكلام المضبوط. العرق.. هذا السائل المدهش، يُسعّر البلعوم ويحرق المصارين، ومع ذلك فهو يثير الذاكرة والخيال.

وبحلق فيّ: العرق يرطب الجسم ويجعله كما تريد، خفيفاً أو ثقيلاً. كان يضحك: يفتح فمه وتنطلق منه صيحة، ثم يختنق فيحاول التخلص من هذا الكابوس المفاجئ بإطلاق أصوات متنافرة، من أنفه وفمه، وكان الدمع يتساقط من عينيه.

كان منتشياً:

- ملعون والد من اكتشف العرق.

رشفت شيئاً من كأسي.

- أجاد أنت..؟ تلعن من اكتشفوا وسائل الوصول إلى السعادات المؤقتة!

- كنت أنتظر هذه الحكمة (كانت وجنتاه متهدلتين وينفتح منخراه بارتجاف، وثمة التماع على شفتيه) وماذا غير السعادات المؤقتة؟ لا شيء صدقني (أحنى رأسه وعزم على الغناء: حبيبي.. حبيبي، ثم عفط ورفع رأسه نحوي) ماذا تبقى لي..؟ أنا (وخطر لي أنه يبكي) انطرح هنا يومياً، وغريب يقاوم رعبه بأن يقبله.

كان جسمه رخواً. العرق: أنت تتذكره جيداً إذ كنت بلا يقين بعد أن غادرت السجن عام 1968، كنت تشرب حتى يغلبك العرق، فتقع في الشوارع، على الأرصفة، على مدرجات بوابات السينما، على ساق أمك. أنت تحسُّ برخاوة جسده الآن، كريم البقال ليس أنت، هذا صحيح، لكنه أخوك. ألم تقل لنفسك ذات يوم بعد أن وقفت أمام نقطة الاختيار الحاسمة: كل شيء يؤجل ما عدا الحزب. فأي حزب هو كريم البقال هذا؟ كريم الذي يبدو أمامك ماضياً تعرفه بكل توتراته وقساوته، وتقول أنت: المناضل هو الشهيد حتى وإن كان حيّاً.

كان كريم البقال ينظر إليك ببصر رخو، برأس رخو، بصدر رخو، بينما يظل قلبه مهب احتراق لا ينطفئ.

- غريب لا يشرب، وهذا خلافي الوحيد معه.

وتمايل بينما كان يتحدث: الأصدقاء الذين لا يختلفون، الأحبة الذين يبتغون التوحد، يختلفون في شيء واحد: الابتعاد عن العرق أو الاقتراب من العرق. تصور يا عزيز أن صديقين تآخيا بالدم واختلفا حول العرق.

وكان يضحك كما لو أنه يسخر.

- لمَ يكره غريب العرق؟

- غريب يكره كل مسكر (لم أتأكد أنه كان يبكي) لأنه يخاف الانفصال ساعة عن حياته اليومية: تطهير الأجساد الميتة، إنه يخاف، أتدرك ذلك يا عزيز..؟ إنما أنا في هذا (وأشار إلى رأسه) حيث صريف الديدان والحشرات، فإني أشرب لأطرد خوفي. كلنا خائفون.

فجأة فتح عينيه. عينان واسعتان غاب سوادهما. وسألني: وأنت لماذا تشرب؟

- لأحزن (وسمعته ينهنه) أو لأفرح أحياناً.. لأن أية حياة من دون حزن أكذوبة.

فرغت الزجاجة الصغيرة، فوضع صاحب المقهى واحدة أخرى على المنضدة. فتح كريم سدادتها وتناول منها العرق مباشرة. أحّاه. وامتص فتحة الزجاجة مرة أخرى، وشاهدت وجهه يتحرشف، وكانت الزجاجة لا تزال في كفه.

- أسمعت عن رجل تعوّد الموت حتى لا يفاجأ به..؟ إنه غريب المتروك.

أردت أن أقول: كريم كلنا خائفون من عثرة صغيرة وليس من اختيار ينام لصق جلدي.

بيد أنه رفع كأسه إلى الأعلى وصرخ: اشرب نخب غريب الغسال، غريب الخاسر، غريب المتروك.

وكان باب المقهى قد تحرك، ثم اجتاز غريب التخوت والكراسي والخراف والاعرابيين وجلس بجانب صديقه.

أهلاً بك يا عزيز.

واستمر يدخن.



- 12-

تعربش كل العالم في رأسي. كان الرجل أمامي يبتسم. ماذا تريد منه؟ كان يبتسم ويردد: أهلاً عزيز. وأخذت أعاتب رأسي المليء بالمواضيع. كان الأمر من الوضوح كما لو أنه شيء حقيقي، لكنه تبدى لي كأنه حلم تماما. في المرة الأولى سافرة، وفي المرة الثانية خالد الأمين، وها أنا إزاء غريب المتروك. وبين هذا كله كانت أكثر من رحلة نحو العذاب.

وكانت سافرة معذبة أيضاً، تصرخ بينما هي تركض على امتداد شارع السعدون: أمي قديسة. وكنت أتحمل عذاباً من نوع آخر، عذاب من يعود إلى الحياة من جديد.

كانت بعض الجثث معلقة على استدارة ساحة التحرير، جثث مرزومة داخل أكياس جنفاص حمر، استطالت رقابها بفعل ضغط حبل المشنقة ورفة الاستمساك بالحياة في لحظة كانت الحياة فيها صفراً، تتجه رؤوسها نحو السماء بعيون مغمضة أو غائرة. جثث تسمع كل شيء لكنها لا تستطيع أن تنطق.

وكنا معاً نرقب ذلك الحشد البشري الهائج: الموت للجواسيس، مع أنهم كانوا قد ماتوا فعلاً. كنت أسمع الأصوات ولا أسمعها أيضاً: لقد أدركت يا عزيز الموسوي الآن سرّ الاختيار العظيم، أن الموت بهذه الصورة لا يؤرقك، غير أنه يضعك في الجانب الآخر، لست جلاداً بالتأكيد، لكن هذا الموج البشري الهائج جلاد أيضاً، إن أي واحد منهم كان سيربط الحبل حول عنق أي واحد من هؤلاء ويستلّ منه حياته، لأنه كان سيفعل به الشيء نفسه إذا تغافل، أو إذا أتيحت له الفرص، لذلك كنت أشم رائحة الموت فعلاً.

بيد أن عرق الجمهور الهائج كان يدفعني لأن أعاين الجثث المعلقة من زاوية أخرى: هل كان موتهم ضرورياً؟

وكنت أقبل كل أفعالي لأنني كنت خارج ذلك الجمهور الهائج.

قالت سافرة: ماذا بك؟

قلت: سافرة أنظري هناك: كانت الغواية موجودة في امرأة تساوم رجلاً. قلت: القبول بالغواية هو طريق الهلاك. ابتسمت المرأة ولفّت عباءتها حول جسدها بإحكام وتبعت الرجل وهي تحتك بمعاطف الرجال وعباءات النساء.

قالت سافرة - سأكون مثلها إذا لم أسافر.

- إلى أين؟

- لبنان، لابد أن أذهب إلى هناك. سأترك كل شيء هنا، لك، ولأصدقائك.

ثم انفجرت باكية (أي وحش ذلك الذي اغتصبها في مخفر الفضل؟) أشعلت سيكارتها فأخذتها دون كلمة. كنا خارج الحشد، فعادت إلى الحديث: سأذهب غداً إلى شركة النقل، وسأحجز مكاناً لي. نظرت إليها (إنها امرأة جميلة عندما يستضيفها الحزن وثرثارة عندما يتلبسها الفرح) وأردت أن أقول: كفّي عن هذا، إننا في إشكال حقيقي، لكنها عادت إلى الانتحاب مرة أخرى، فقلت: حسناً. وأخذت تضحك بصوت عالٍ. وشاهدنا معاً الرجل والمرأة يدلفان إلى زقاق جانبي: ستذهب معه إلى شقته. قالت سافرة: لقد انتهيت أنا أيضاً من صفقتي. ثم استدارت نحو الجثث، وحدجتها بنظرة متوقدة وصرخت بصوت عالٍ: الموت للجواسيس، الموت للخونة.

وصاح صبي كردي من ماسحي الأحذية مقلداً صوتها الرقيق: تعيش الثورة.

وكانت قد استدارت نحوي، محمرة الخدين، مبتسمة الشفتين، وقالت كأنها تتحدث عن سر: أمي تعرف سفري فقط، أما أبي فإنه لا يزال يجهل أي شيء.

والتصقت بي وأعلنت بصوت خافت: أرجوك لا تقل له عني أية كلمة إذا اتصل بك، إنك تعرفه جيداً (في الكأس الأولى يبدأ الحديث عن الفلوس، وفي الكأس الثانية فإنه يذهب إلى فراشه من دون استئذان).

استطردت سافرة:

- أمي قديسة. (نعم. امرأة خارج جسدها. تعلمت أن تتعود الشقاء. كنت أخجل منها كثيراً. كنت أخاف أن تلزم ياقة قميصي وتزجرني: اتركوا ابنتي، لكنها لم تفعل ذلك، بل جلبت لي قنينة نبيذ صنعته بيديها وقدمتها إليّ وهي تنظر إلى سافرة بإشفاق، قالت: هذه البنت لا تعرف ماذا تريد، أو أنها تريد ما لا تعرف. كنت أعرف هذا عنها منذ أحسست بها تتحرك في بطني. وكأنها افتكرت ماضيها كله: بعد سنتين على زواجي كان رحمي فارغاً، فذهبت إلى »العذراء« في كنيسة الاثوريين المهجورة، ورجوتها أن تظهر لي في إحدى الليالي. إنما »العذراء« آثرت الاختفاء، فقلت إن ذلك قد يكون لصالحي. وبعد ذلك، بعد أقل من سنة، ذهبت وكلمت أحد الشيوخ:

- سيدنا أريد بنتاً.

يا حرمة.. اذهبي إلى ضريح السيد نور في ديرة حلم العمر، واغتسلي بماء »المغيسل« الموجود هناك، وستلدين.

ورجعت إليه بعد شهرين، وكانت سافرة تتحرك في بطني، وكأنها في آخر الشهر الثامن، فأعرض عني الشيخ إذ رآني وسمعته يحدثني بصوت مرتعش: ستلدين ابنة جميلة.. ستتعرض إلى عذاب مرير.. إن ابنتك سيحكم عليها بالهجران.. ثم اختفى دون أية إضافة. وفي الشهر الثالث من ولادتها كانت سافرة تضحك...).

وقالت سافرة ضاحكة:

- اليوم، على المائدة قالت أمي: عزيز الموسوي، لا غيره هو الذي سينصحك (ها أنذا أمامك. جراب للذكريات والأحزان، وبعد دقائق ستتغير كل البرامج).

وأكدت:

- سأذهب إلى لبنان.

كنت محموماً بالحياة. إن بغداد تتغيّر، وأنا لا أستطيع الاختيار في الحياة الآخرة.

سألت:

- عزيز بم تفكر؟

- فيك.

- شكراً.

- لماذا شكراً؟

- لأنك مثل أخي.

- من يقول هذا؟

- أمي.

- وأبوك؟

- اتركنا من سيرته، لقد هجرنا منذ أسبوعين وضرب أمي وقال لي:

أنتِ عاهرة.

- علام نتحدث إذن؟

- ولماذا نتحدث.. سنذهب نتمشى في الشوارع؟

- وبعد ذلك؟

- نتغدى.

- وبعده؟

- توصلني لأمي.

- وبعد أن أوصلك لأمك؟

- نشرب الشاي، وسأرجوها أن تجلب لك قنينة نبيذ.

- أريد أن أسكر يا سافرة.

- تسكر..؟

ماذا تقول لها..؟ لقد انتهت هي من كل شيء بقرار خاطف، ولكن ماذا بعد لبنان..؟ ولكنها هي المسؤولة الآن عن نفسها.. ثم إنها جزء من الماضي: أجمل وجه رأيته في حياتي محمولاً على أجمل جسد. ولكن من أنا حقاً..؟ كنت أريد أن أقول: إنها الجمال الذي يذكرني بالفجيعة، وإذ تيقنت أنها ستفارقني نهائياً دخلت الوحشة قلبي كضربة خنجر، كنت باستمرار أعيد صناعتها في ذهني: امرأة في العشرين، امرأة تعودت أن ترتدي الأبيض، تمسك كفي برفق وتعلن بخبث - ماذا سيقولون عنا غداً..؟ ولم أكن أعير همّاً لما سيقال غداً.

يصلني صوتها في سماعة الهاتف ضاحكة: سأراك في مطعم المحطة. وتأتي، خجلة أو متخابثة لا فرق، فقد كانت مزهوة دوماً، ربما لأنها جميلة، أو لأنها تعتقد أنها خارج بنات جنسها، وفي حينها كنت خارج الآخر: نجلس طويلاً، أحياناً نتحدث وأخرى نلزم الصمت في ذلك المقهى المطل على دجلة قرب ساحة الجندي المجهول. وكنا نسير على الكورنيش، قريباً من ساحة الجندي المجهول فنزعت حذاءيها وطفقت تضحك.

- عزيز، آسفة.. هل أضايقك؟

- اسمعي، لست متضايقاً.. إنما حاولي أن تفهمي.

- وأنت..؟

- أدمرها بالحب. (وأردت أن أخبرها: صحيح أن البراءة المفتقدة لا تسترجع، لكن ما فائدة إدارة ظهورنا للعاصفة.. ما معنى أن أكون ورقة لعب في مجموعة من أوراق اللعب لم يتركها الغشاشون لتربح..؟ وقلت في نفسي: ما معنى هذا كله..؟ لم أكن ورقة لعب، بل إنني استُغفلت، كنت أثق في النوايا، في عالم قائم على التخطيط المحسوب مقدماً: في ذلك اليوم، حيث الشمس الجنوبية الحارقة، أدمنت مراقبة الحمالين وعمال العربات وصيادي الأسماك، والأطفال الحفاة، والنساء المقهورات حين يلتمع النصل ويدرع بطن إحداهن بعد همس في »الديوانية« أن كل شيء يتشكل في هذا الواقع غير المتكافئ.. هذا الواقع الذي يمثله الشرطي الخيال وتاجر السمك وعامل الحدادة في محلة الماجدية. ثم ذلك الصمت الذي يتكسر في عراك الصيادين وصراخ الحمالين الصغار، والدراهم التي ينثرها علينا المستر »كندسون« عندما كان يمر علينا في سيارته الأمريكية الفارهة.

واقع يتشكل: زيارة الملك للعمارة، وذلك الشاب الذي صرخ بين الناس: يسقط ولي العهد الخائن، ثم غاب عن المدينة إلى الأبد.

واقع يتشكل: الاقطاعي في الديوانية والغجريات يتناوبن الغناء الفج، وأبي يقدم الشاي إلى ذلك الرجل البطين الذي لم يتعلم حرفاً من الأبجدية، ودفاتر مسك حسابات وديون الفلاحين.

واقع يتشكل، لكنه علمني معنى الحب.

سمعتها تسألني:

- أنا أفهمك.. أنت تتألم.

- الألم، أي ألم تقصدين..؟

- أنت تفهمني، أنت لا تتألم حسب، بل تدمر نفسك.

- ليس هذا.. إنها مجاهدة النفس.

ضحكت.

- يساري في ثوب صوفي.

- لم تعد الصياغات البلاغية تهمني. إن الواقع هو معلمي. ويا حبذا لو تعرفين هذه الحقيقة.

قالت:

- إنها جسارة.

- ليست هذه أيضاً. تصوري أن تاريخاً كاملاً للأمة يهبط فيك. هذا الوعي غير المدجن. هذا الوعي المنطوي على استيعاب كل عذابات الأمة من أجل قيامتها.

ثم إنني قلت:

- الامتحان الصعب ليس القبول، بل في كيفية القبول. إنني أريد التعرف إلى نفسي أكثر. هل تدركين، يا سافرة، معنى أن يكتشف الإنسان حقيقته الجوهرية في سن الأربعين، ولكن بعد أن تكون حلاوة الشباب قد خذلته.

وكنت أقول وأنا أختنق:

- هذه هي الجسارة الحقيقية: العودة إلى النفس، القبول بفقر الروح من حيث نهايتها القصوى، ثم تحويل هذا الفقر إلى فرح غير مؤكد في اللحظة، سوى أنه يومئ بإشارة.

وقلت أيضاً:

- هذه هي الجسارة الحقيقية: العودة إلى النفس، التيبس في كل شيء والإصرار على تقشير السمك الذي لم يكن إلا دمامل سببها الاستغفال. إنها ليست جسارة، بل مجاهدة مستديمة.

وكانت سافرة تبكي، ثم توقفت وركعت على ركبتيها في الشارع أمام كل الناس، وتمددت على الرصيف وأخذت تبكي، ثم صرخت: عزيز: لا أمتلك عنادك.

وكان ثمة شبان مروا بنا غمزوا سافرة بصوت مسموع: قحبة. في تلك اللحظة أدركت أنني أحبها. لم أعبأ بالشتيمة، لم أعر انتباهاً للجمهور الذي تكأكأ علينا: انحنيت عليها وساعدتها على النهوض ورددت مع نفسي: متى ينقضي هذا العذاب..؟

***

مثل الميت الذي لا يتخلى عن كفنه، هكذا أنا.. لا يستطيع قلبي نسيانك.

مثل أم ولدت تواً، وأدنت رضيعها إلى صدرها فأحست بذلك الفرح الذي لا يترجم له الكلام، هكذا أنا.. فرح بك حدّ الانخطاف، وسعيد بك حدّ التوحد.

مثل أم اكتشفت تواً، أن رضيعها المولود الآن، في ثلاجة الموتى، فتبارت مع »يعقوب« في حزنه على »يوسف« هكذا أنا.. نصبت نفسي أميراً للحزن، لأنك كنت حزينة.

في حضرتك، لم يعد الكلام مجدياً، ولا الكتابة - بسحرها الرائع - عادت مجدية. فالكلام ما عاد ترجماناً للقلب، والكتابة استقالت من جمالها، لأن الحروف تخجل من نفسها، إزاء الصراخ الذي تطلقه نبضات قلبي.

الصمت والأحلام هما أسلحتي الجديدة. صمتي هو حديثي الأكثر بلاغة، والأحلام فضاءات لا نهايات لها.

صمت، ما عاد أمامي سوى هذا الخيار: كنا مجموعة من الشباب، نختلف إلى مقصف صغير اسمه: جاردينيا، يقع في منتصف شارع »أبونؤاس« الذي يلاصق الضفة اليسرى من دجلة. شباب لم نتعد السادسة عشرة، أعطانا التبصر في ذواتنا، وانغمارنا في الحياة، شجاعة غير منقوصة.

في عصر يوم ما من تلك الأيام الجميلة، وكان ذلك في يوم تموزي حار جدير بأن يجعل الرطب العراقي أكثر نضجاً، اجتمعنا صدفة في جاردينيا. كان المقصف صاخباً، حتى لكأن ذلك الصخب كان بمقدوره ان يعبر إلى الكرخ من الرصافة.

كنا مزدهين بأشواق أجسادنا، ومفتونين بقدرات عقولنا الصغيرة. »عندما كنا صغاراً كانت الدنيا أصغر منا«. هكذا كتبت ذات يوم في دفتر مذكراتي.

قال أحدنا، الحالم دوماً بالثورة: لا بد من تغيير هذا العالم، كما هو العالم الذي في حلم جيفارا.

قال الثاني، الوسيم المزهو بشبابه: أحلم بأن أرسم جدارية على امتداد هذا الشارع. وأشار بذراعه إلى شارع »أبو نؤاس«.

عند ذلك، كنت أردد في سرّي وصامتاً:

حلمت بموطني وبحفل بهيج متألق

حيث الصخب والطرب هما كل شيء

وحيث السيدات الفاتنات المطوقات بالورود

مستغرقات في حديث عذب مضيء

كان هذا الحديث عني..

انتبهت إلى أنني لم أشارك في الحديث، كما أنني امتعضت قليلاً من »ليرمنتوف«. إذ بينما كان ضجيج المقصف يملأ رأسي، كان دجلة المحتشد بالشعر وأسلحة بابل وجواميس سومر ونخيل العراق، يجري هادئاً، كأبلغ تعبير عن الصمت وعنك.

أنا النهر، قلت صامتاً لنفسي.

وسمعت صدى صمتي، يردد: أنا النهر

أنا النهر، صرخت صامتاً مع نفسي.

أنا النهر، فشاهدت صمتي يقابلني.

وتردد صدى صمتي ليعبر النهر.

بعد دقائق كنت أجالس دجلة، بينما المقصف بضجيجه وصخب جلاّسه خلف ظهري، مقبلاً على فراهة صمت غير موصوف.

هناك رآك صمتي.

وفي تلك اللحظات الفريدة استمعت إلى صمتك.

أوصتني مريم بنت مطر - فيما كانت تُحنّي راحة كفي اليمنى ليلة العيد - حدث هذا عندما أقبل العيد وأنا دون العاشرة: هي، ستطلع من الماء، وجهها أبيض، شعرها حالك السواد، أجمل من الجمال وأبلغ من الصمت. تشع بهاء ونوراً، حتى ليكاد نورها يلطف شمس تموز. عند ذلك، انزل إلى الماء، وقبّل الجميلة ما بين عينيها.

قلت: وماذا بعد؟.

قالت: عندها الجواب.

فجأة، وإذ كنت أحدق في النهر، طلعت من وسطه. بيضاء الوجه مثل ظاهر بطن بُنية، سوداء الشعر مثل »نخلة الله« التمت على نفسها ساعة الأصيل.

كان ماء دجلة - الذي يكون في فصل الصيف أزرق شفافاً - يزيدك التهاباً، ويضفي عليك رحمة وسيعة. كنت تتقدمين نحوي، صامتة، كما سمكة مزهورة، ينفض الماء من حواليك رويداً.. رويداً، حتى صرت قبالتي مسافة مرديين.

إذ ذاك، في تلك اللحظة التي لن تنسى، ألقيت بجسدي في الماء، ثم اتجهت إليك، وقبّلتك فيما بين عينيك:

يا مخابيل كل الخلائق

أيها العرب من ذاك المحيط إلى هذا الخليج.

يا أهل »أوروك« و»الأزتيك«

يا سكان الغابات وناطحات السحاب

يا شعوب الجبال والوديان والأنهار والكهوف

من منكم عرف جمال القبلة الأولى؟!

هكذا كان صمتي يكلمني، وأنا أسير ذراعيك في صمت الماء. كنت أقبل عليك وتقبلين عليَّ، صامتين وضاجين، مثل دجلة المأسور بصبره.

لقد أخذنا الماء إلى بركاته، فأهديناه صمتاً هو الرحمة الناطقة. صرنا الماء والصمت. توحدنا. لا ثالث لنا. لا قبل قبلنا ولا بعد بعدنا. أنا أنت، وأنت أنا، يباركنا ذلك »الفراغ الجليل« الذي صرناه واغتسلنا في نور مهابته .



عند ذلك، وفيما كنا نسير - مثل طفلين تعارفا تواً - في عمق النهر، كفّ دجلة عن أن يكون موجوداً، لأن صمتنا الجليل، أفاض على نفسه، فكانت حوالينا هذه الموجودات.

حلم، مثل الميت الذي لا يتخلى عن كفنه، هكذا أنت في أحلامي.. يدخل صمتك موتي المؤقت، لنشهد مريم ساعة جاءها الطلق فهزت النخلة، أو فارساً يرفع الراية الحمراء استنهاضاً لصريخ المظلومين، أو ماء تفيض به البحار على اليابسة بينما الأصوات تنطلق من المآذن، الله أكبر.

وعندما ينتهي موتي المؤقت، يحسك قلبي، هناك، واقفة عند النافذة، تديمين النظر إلى النهر المستغرق في صمته وكبريائه، ثم تطيرين من النافذة إلى حيث لا أعرف.

بعد صلاة العصر بقليل، في ذلك اليوم الموغل في الذاكرة، استضافني موتي المؤقت على غير إرادة مني، فدخلت الحلم، هائماً على وجهي، بين أوابد وأطلال، ثم رأيت صورتك مرسومة، بكفاءة نادرة، على سطح مرمري، والطلق يأتيك.

دنوت من صورتك المرسومة على السطح المرمري، فنهضت قليلاً، وقلت: يا موسوي.. أنت حارسي في الحلم وفي اليقظة.

كان صوتك دافئاً ومفعماً بالسلام. وحولك - إذ كنت تستريحين على جنبك الأيمن، ومتعرقة قليلاً - رأيت كوكبة من نساء يقرأن بالمصاحف.

ضحكت في وجهي وقلت: يا موسوي.. حتى في الأحلام لا يفارقني ذكر الله.

ومثلك أنت، تماماً، عندما كان ذلك الوحش يطاردني في أحلامي، لم أكف عن ذكر الله. كان قد حاصرني قبل لحظات مخلوق بعين واحدة، أشبه بالقرد منه إلى الإنسان، وأخذ يطلق عليَّ أسلحته.. سيوفاً منقوعة بالسم، عقارب برؤوس بشرية.. أباعر بأقدام فيلة.. عناكب عملاقة، بينما صوته الأجش لا يني ينادي: لا مفرّ مني!

كان قلبي يكاد يخرج من صدري خوفاً، عندما وصل الوحش إلى حيث أكمن، قرد أحمر الشعر، حول عنقه قلادة ذهبية يتدلى منها دولار ذهبي، يشد وسطه بحزام مثل مطار كبير.

جاءني صوتك من البعيد: لا تحزن، إن الحق معك. هدأ روعي إذ سمعتك تذكرين اسم الحق، ثم إنني في لحظات خاطفة، نهضت من مكمني، واقفاً على قدميّ، وسمعتك تقولين: ذلك هو السيف، سيف الولاية بين يديك.

واقفاً على قدمين ثابتتين، وشامخاً مثل »داحي باب خيبر«، صارعت الوحش دهوراً طويلة. كنت أصرخ في وجهه: الله أكبر، وكانت أسلحته تمر بالقرب مني، باردة وصدئة ورثة.

وفي لحظة ما من ذلك الصراع المرير والطويل، هبط عليَّ أحد الصالحين، وقال: سلْ.. تُعط.

خنقتني عبرتي. فمن أنا وهذا المقام؟ ومن أنا لأكرم بهذا السيف؟ ومن أنا ومنازلة هذا الوحش؟.

جاء الصوت مرة أخرى: سلْ.. تُعْطَ.

قلت مغالباً عبراتي: كيف أسأل وهو يعرف حالي منذ كنت مشيئة في الأزل؟

إذ ذاك لفني السلام. سلام فريد جاء بك إليَّ، حيث التصق كتفي بكتفك، فيما كنت أراك، هناك على ذلك السطح المرمري، والطلق يأتيك.

عندما رآك الوحش، هاج هياجه، وعلا غضبه، فاستنفر كل أسلحته، واستدعى كل جنده، وتقدم نحونا في كامل جبروته. وإذ كنت أحس جسدك يحتويني وسيف الولاية في يميني، رأيتك أيضاً، هناك، على السطح المرمري، تنادين: أمتْ.. أمِتْ.. يا موسوي!.

أدى السيف ما أمر به، وشطر الوحش إلى شطرين، وعاد إلى يمناي، قوة ورحمة، بينما كان شطرا الوحش ينسلان قطعاناً لا حصر لها، على صورة ذلك الوحش.

هرعت اليك.

والآن، يا شقيقة روحي، ها هو الطلق قد جاءك، محاطة بتلك الكوكبة من النساء اللاتي يقرأن بالمصاحف، بينما قطعان القرود المتجبرة تحاصرنا.

قلت: امسك بيدي.

تعانقت كفانا. سرى فيّ بعض من نورك فأضاء جسدي كله.

ثم سمعتك تقرئين:

»وهزّي إليك بجذع النخلة

تساقط عليك رطباً جنياً

فكلي واشربي وقرّي عينا«

كنت أنا نخلتك.

شامخاً، وأعلى من السحب،

شاهقاً كما نخيل ميسان، أردد مع نفسي، في الحلم كما في اليقظة، ستبقين دليلي إلى الفراديس.

صحوت من موتي المؤقت، وأنا أردد: ستبقين دليلي إلى الفراديس... يا أمي.



-13 -

ومثل شجرة أسطورية، هبط الماضي في رأسي. السجون والمعتقلات. المقاهي ونوم الأرصفة. العلاقات الكاذبة. الخدر الليلي المتواصل. إنما الحاضر أيضاً كان يتقدم نحوي وأتقدم أنا باتجاهه. كانت جريدة »الوطن« بيتاً جديداً لي. وقالت لي أمي حينئذ: كأنك رجعت من جديد.

وكنت فعلاً قد قبلت المجاهدة. إن مطابع جريدة »الوطن« تذكرني بصوت ماكينة (الرونيو) حيث المنشورات السرية، بينما بغداد تبدو سكرى بحاضرها. غير أنني مع ذلك، كنت أبحث عن رجل آخر: غريب المتروك.

وكان الرجل، أخيراً، يجلس أمامي، يبتسم بحب، ويقول: أهلاً عزيز.



-14-

قال غريب المتروك - أنا أعرف، أعرف تماماً: يا عزيز الموسوي، أن دنياي دائخة. كأنّ هذا حدث في الماضي البعيد.

احتكم عزيز لنفسه، وأكد: إنه حدث في ذلك البرزخ التاريخي الذي لا يمكن اعتباره إلا ماضياً. كانا يسيران مع قوس السور وقال غريب: أنا الآن أرى حياتي بأكملها. علّق عزيز: لا تكن قاسياً. وكأنه قرر مستقبله نهائياً، قال غريب: أنا مثلك أعرف، كما أعتقد، إنما أنت ستكون في الجانب الآخر، وإذا لم تكنه الآن، تلك مسألة على غاية من التعقيد برغم أنها مشرّفة، وسوف أقبل هذا الذي في ذهني - كان يدخن - لأنني لا أستطيع الفكاك منه، ذلك الماضي الذي يطاردني. تصور أني أقول: يطاردني، بيد أنني هو، البندقية الليلية، البندقية القديمة، التشرد في البساتين، ازدهار القلب في أنك حاضر وممتلئ. عزيز، ماذا أقول؟ كنتُ في غاية الفرح: ثورة، فماذا أريد أكثر من الثورة؟ لقد كانت ذكرى في ضمائر الكثيرين، فتصورتُ أني سأكون من ضمن الكثيرين. كانت بالنسبة لي في الأقل، نهاية حياة وبداية حياة. كان هناك اجتماع كبير في بستان يقع في فسحة على امتداد دجلة المتفرع باتجاه »الكحلاء« استقبلوني بالتصفيق: كنت فرحاً، فوضعت البندقية قريباً من مجلس مدير الشرطة وقال لي: أنت الآن ابن الدولة، لقد عينتك رئيساً للحراس الليليين. وكنت أطمح أن يقول لي: أنت ابن الثورة، لكن هيهات. والحزن بعد ذلك له فصول. لم تكن بداية حياة ونهاية حياة، كانت ضياع حياة لي ولكريم البقّال. أذكر ذلك اليوم (كان ينظر إلى الأرض، لا يزال الخجل يتخدد في ذاكرته) واللعبة القذرة. لقد كانت تلك الأيام هذياناً متصلاً، بل إنها الجنون بشكله الأوضح.

أشعلت سيكارتي (يقول غريب المتروك: في السجون يصبح التدخين طقساً، عادة بلا متعة، اليد تمتد. اليد تغسل المواعين، اليد تقتل، اليد تكتب تقارير سرية، اليد) ورأيت السور يتقوس أمامنا، يتقدم منا ونتقدم نحن نحوه، دون أن ننتهي منه أو يتجاوزنا، يظل يعاند ويرتفع إلى الأعلى، وترتفع الجدران حتى تحجب السماء. ورأيت السماء بلا لون، وقال غريب المتروك: أعرف هذا الذي في رأسك، قتل الماضي بالحاضر، أنت واقعي، أما أنا فدعني لحلمي. قتل الماضي بالماضي، إنني أهبط نحو الأسفل، عالمي بأكمله يهبط نحو الأسفل. قساوة..؟ لأنسجم مع الماضي من حيث هو استحالة (كان يخطو بسرعة وينغم كلماته) أنت ترى الفرق، وسترى الفرق كذلك. أنت الذي سيزيل صدأ البندقية، أرجوك. ولمس كتفي.

كانت أصابعه باردة، ثم امتدت الجدران وتطاول السور حتى كدت أختنق، فأردت أن أشم مزيداً من الهواء. كان قد أخرج لفافته ورفض أن أشعلها: لا يا عزيز، سأوقد ناري بنفسي.

انتبهت وقلت:

- أية قساوة هذه يا غريب!

- لا مفرّ قال. وبحركة خفيفة عرض وجهه عليّ. كان الأخدود لا يزال واضحاً في خده الأيمن، مرر أصابعه عليه، ربما لم يكن يدري، إلا أنه في أي حال كان مقذوفاً في ذلك اليوم الذي أصبح ماضياً. كان الإضراب قد انفجر فجأة في معمل الكتل الكونكريتية (قالوا لي، إن غريب فعل ما فعل بدافع رجولي وحسب) وقال غريب لمدير العمل: ليس هذا عدلاً، كيف تظلم العمال؟ وأخذوه إلى الموقف. وفي الليلة التالية تسور سور الموقف وقفز إلى الخارج. وإذ صاح عليه حارس الموقف، عاجله بطعنة في بطنه والتجأ إلى البساتين.

هكذا ابتدأت قصته: فراري، أشاعوا عنه أول الأمر. قاتل ومجرم، وصفوه بعد ذلك، إلا أنه كان يقترب من الناس باستمرار. كان لا يعتدي على أحدٍ، ويساعد الصيادين والرعاة الصغار، ويطارد اللصوص الذين يسرقون مواشي الفلاحين. لقد عرف غريب المتروك الخوف والتشرد والنوم في بساتين تسكنها العفاريت والغيلان والسحالي، لكنه لم يتعود الهزيمة، ولم يتدنس بالسحت الحرام. إذن، أية ضرورة ملجئة، تلك التي جعلت غريب المتروك قاسياً مع نفسه إلى هذا الحد، فيلجأ إلى هذه القرية المهجورة؟

- كنتَ تفلت باستمرار.

- لأنني كنتُ أحب حياتي.

- والآن؟

- أرغب في الموت بينما هو يفرّ مني.

كان قريباً مني، استطعت أن أتبيّن سقوط ضرسين في فكه العلوي. كان يضحك ويقول: عزيز.. حاذر الخديعة. لقد خدعت مرتين، الأولى بذلك الغجري الذي خلع الضرسين ووضع بدلهما نحاساً، والثانية عندما ألقيت بندقيتي.

وسمعته يحدثني في مقهى يسكنها الصمت: النهايات دوماً قاسية، إنما أرجوك أن تثق بي، لقد اخترت هذه القساوة.

ورأيت عيني غريب المتروك منتفختين. السهر، السهر هو السبب في هذا كله، قال: لا، لم أعد أحس الفرق، كل شيء لا يخرج عن ذلك الانتظار (كنتُ أدرك أنه اتخذ قراره النهائي، وكنتُ أعرف حق المعرفة أنني إزاء رجل اختار موقفه بعد معرفة قاسية). وفي لحظات كنتُ ألزم غريب المتروك، أضعه على الطاولة، لكنه كان يهرب مني، وكنت أقول إذ أراه يومياً، ذلك الشيء - اللاشيء، الذي يصبح ماضياً في أجساد الآخرين التي أغسلها وأطهرها بالماء والكافور، وأقمّشها بالقماش الأبيض، فإنني بذلك آلفه وأستل منه دوره ضدي: أكون هو في جسدي.

ولم يكن يعطيني تلك الفرصة. كنت أراه يومياً، منتصباً قريباً مني، وجوداً خرافياً لا أستطيع وصفه بدقة، إنه استطالات وثنيات، عيون عديدة، بقايا صحف وسرر أطفال، كلمات وصيحات آخر الليل، يطلق صوتاً مبهماً: يا غريب المتروك.. أنا عذابك!

- ستظل هناك وسيظل معك.

- وإذا رحلت فسيرحل معي.

واستدركت مفتكراً: (القدرة على الفعل، هذه هي المشكلة، يخيّل إليّ أن ثمة اغتراباً بين الإنسان ونفسه عندما يكون الفعل غريباً عليه - كان يكتب لي أفكاراً برسالة - يحدث هذا في الإنتاج تماماً كما يحدث في الأخلاق، وإذا كنت تخرج إلى العالم من أجل اكتشافه لتصل إلى سعادة أرضية يكون فيها الخارج واضحاً بالنسبة اليك، فإني تعاهدت مع نفسي أن يكون ذلك الخارج أكثر اعتسافاً، ها نحن ندخل في الجزء الأملح من عقلنا البشري. أنت كأحد الذين يرتبطون بالتغيير اتخذت قراراً بقانونية، بل بإنسانية كل أفعالك، وهذا إشكال بالنسبة لي. لم أكن حزبياً كما تعرف، ومع ذلك فإن داخلي يخبرني أنني أرثكم جميعاً. إن الدنيا دائخة وتتضمن - وتستوعب - الأغلاط، وغالباً ما تنسى الأغلاط بسرعة مدهشة. أما أنا فالقضية عندي ذات بُعد آخر: إنني أطالبك بأن تتفهم موقفي. إذا كنت قد رأيت كل شيء فما جدوى العودة إلى حياة سابقة. إذا كنت اختبرت المستقبل بالحاضر فأي شيء أجمل من الماضي..؟ إن النهارات الماضية هي حياتي. أنت فقط تستطيع أن تكون المستقبل لأنك جاهدت نفسك. لقد كنت من العناد للدرجة التي استطعت فيها أن تلتقط سلاحك وسط أهوال هذه الدنيا وتبدأ من جديد. هذه شجاعة وفرادة. أما أنا.. فهذا هو إشكالي.

وكنت أقول: بغداد تتحول الآن، حيث يغتسل البشر ويتطهرون. إن بغداد ليست الحاضر، إنما هي الماضي المجيد أيضاً. تعال معي:

- هذا محال يا عزيز. الآن في الأقل.

- أعرف أنك تعرف موقعك جيداً، مع أنني، في نفسي، لا أريد أن أتصور خيارك الراهن.

- كما تقول يا عزيز. الآن، أنا أدرك وضعي، لست هارباً من أحد. أنا هارب من نفسي فقط. وإذا ما وجدت أنني أستطيع تجاوز ذلك الماضي، فأنا الذي سأجيء إلى بغداد دون أن يدعوني أحد، ثم إنك موجود وهذا يكفيني.

ثم استدرك: عفوك عزيز، هذه قضيتي.. قضيتي وحدي.

كان يحلم، أو يعيش وضعاً حالماً.

وكنت أقول مع نفسي: إن صناعة الناس مهنة شاقة، وستظل شاقة وعسيرة، لكننا لا نملك أي خيار خارجها. وغريب لم يصنع إلا نفسه، كان متطابقاً معها بشكل دقيق، لكنه تطابق مدمر. ها هو يعي وضعه الحالي فيرفع عينيه بعيداً في الأفق ويقول: لقد توصلت إلى أن أحفظه، ذلك الذي يهرب مني باستمرار، سأدعه يقترب، سيبدو قاسياً وساخراً، سأستجمع كل قواي وأضغط عليه، وإذ ذاك سأستريح، وستعلم أنني تسابقت معه إلى أن يتخاذل أمامي: قهر الماضي بالماضي يا عزيز، قهر الماضي بالموت.

ورفع كفه نحوي: إنني أقترب منه، (وأخذ ينشج) الأنذال، الأنذال فقط هم الذين ينسون أو يتناسون صداقات السجون.

واستمر ينشج، وكان يبكي بلا دمع.

كان صاحب المقهى يرقبنا فرفع صوته:

- أستاذ. غريب المتروك يركبه الشيطان ويقوم يهذي.

كان كريم البقال مسترخياً على الأريكة الخشبية، مغمض العينين، يحاول أن يردد أغنية استعصت على لسانه أو ذاكرته، إنه ممدد أمامي، وأمام صاحب المقهى الذي كان يصوّت: أعصاب وعرق. هذه حياة زنخة.

أنهى عزيز الموسوي كأس العرق، ولم يجد رغبة في كأس ثانية.

- أستاذ، تريد تقندل.. العرق موجود ولله الحمد في هذه الديرة. قال صاحب المقهى بصوت أخن.

لم يجب عزيز، استمر ينظر إلى غريب المتروك الذي مال لون وجهه إلى الزرقة. وعلى الأخدود في خده الأيمن بقعة محرشفة، ينبت فوقها شعر أغبر وعلى امتداد شفتيه ثمة زبد.

تحدث متلعثماً:

- الأنذال أنذال، الأنذال فقط هم الذين ينسون صداقات السجون. وكان القهوجي يصرخ في مكانه: دوماً على هذا الحال، البقال يسكر وينوح، والمتروك يركبه الشيطان ويتذكر الأنذال.. والله العزيز خسارة.

وبحركة مرتبكة قام واقترب من عزيز الموسوي.

- أستاذ.. درت كل أطراف العراق.. اشتغلت حمّالاً وصانعاً في دكان لبيع الخردة.. وصادقت اللصوص والمحتالين، لكن يشهد الله العزيز، إني لم أصادف مثل هذا الرجل.

ثم انجرّ إلى مكانه الأول مردداً: أعصاب.. أعصاب!

كان صاحب المقهى يتناول نصيبه من العرق من مكان مجاور لمخزن الشاي والسكر، وإذ يتحدث فإنه يرقص أرنبة أنفه، ويهرش شعر رأسه، ويرف بأهدابه خلف زجاجتي نظارته الطبية:

هذه مدينة موبوءة.

استمر عزيز الموسوي ينظره، فوقوق القهوجي: بلدة مجانين لم أر مثلها أبداً طيلة عمري.

وغادر نحو باب المقهى بعد أن نزع نظارته.

- أريد شاياً.

نادى عزيز على صاحب المقهى، واستشعر وحدته: ها هو الآن في هذا الليل المعفر بالرمل ورائحة العرق، حيث تدوّم الريح في الخارج، يجلس إلى صديقين، أحدهما سطله العرق، والثاني ينهض إليه ماضيه ليسكنه فيقبل مع الموت في الأجساد الميتة.

القرية (كان عزيز يقف وظهره إلى باب المقهى) نائمة، ساكنة، منكفئة على نفسها، لا صوت إلا صوت الريح تطوف فيها، وكأنها تريد اقتلاعها إلى مكان قريب من المقبرة، كانت الدكاكين مغلقة، ولم تجد الكلاب مأوى أفضل من حيطان الدكاكين، وكانت الجياد الجرباء تطلق أنيناً مسموعاً.

وعندما استدار عزيز كانت المقهى صامتة، وبانت جدرانها المبطنة بورق أسمر مهلهلة وقذرة. أما الطاولات الخشبية فقد كانت عتيقة، هجرتها الألوان الحقيقية. فاصطبغت ببقايا الشاي وبراز الذباب - إنها مقبرة حقيقية.

تحرك عزيز قريباً من غريب وراح يطيل النظر في الجسد الممدد أمامه.

لم أكن أقامر. أنا عزيز الموسوي، لقد رأيت ما رأيت ولن أكون ورقة لعب أو استغفالاً جديداً. لقد انتبه إليَّ الحاضر أو أنني انتبهت إليه، لا فرق، وأمي تقول: لا بأس يا عزيز، تبلى الفوطة وتتهدم الديار، أما المبادئ فلا تبلى ولا تتهدم.

كانت سافرة ماضياً، إلا أنها استمرت في الحاضر: حاضرها هي، تنتقل من طائرة إلى أخرى، وتبدل ملابسها واسمها باستمرار، وكثيراً ما دخلت بيوتاً لا تعرفها، وكثيراً ما هجعت في مدن لم تكن تعرفها من قبل، ومع ذلك بقيت تفتقد سماوة العراق، كانت تقول لي: ربما لن يطول سفري، سأرجع ذات يوم إلى هذه الشمس. ضحكت. وعلمت أن ضحكتها لم تتبدل، سوى أنها ازدادت إشراقاً، وتعلمت إطلاق الرصاص على أهداف قريبة أو بعيدة.

وها هو غريب المتروك يتحول إلى ماضٍ، غير أنني أرى فيه أكثر من الماضي. وكنت أقول: سيأتي. وكنتُ أقول: ديرة حلم العمر باتت أرضاً يباباً. وكنت أقول: غريب الذي تطابق مع شروطه سوف ينتفض كما تعوّد، على كل الشروط. وكان قلبي يخبرني أن الدنيا تدور بسرعة أكبر.

عندما حلّ الفجر اكتشف عزيز الموسوي أن سقف المقهى كان واطئاً بالنسبة لقامته. وإذ حرّك قدميه وخرج من باب المقهى لم يجد الفجر أمامه في ديرة حلم العمر على رغم أن الوقت قارب الخامسة صباحاً. كان غشاء من الغبش ينحني على التلة، على صف الدكاكين، على صف البيوت، على المقبرة، على مرقد الإمام سيد نور. ولم تكن ثمة حركة. كانت الكلاب الضائعة عن أهلها تتمطى بكسل وفتور، والخيول الجرباء باعدت ما بين سيقانها وأخذت تتبوّل. لم يسمع عزيز صوت عصافير، لم يرَ دخاناً يتصاعد من البيوت. كانت ديرة حلم العمر ساكنة كما لو أنها ميتة منذ حقب.

وفي داخل المقهى، بعد أن أغلق الباب خلفه، نهض الأعرابيان، وأخذ كل منهما ينفض عباءته وانسلا من دون صوت إلى الخارج، وكان كريم قد صحا من سكرته، بينما جلس غريب القرفصاء يرسل بصره إلى السهل الرملي من خلال نافذتي المقهى.

- ستسافر؟ سأل غريب.

- ربما. أجاب عزيز.

وصاح صاحب المقهى:

- غريب.. يا غريب المتروك وصلت جنازة.

نظر عزيز إلى غريب، وكان كريم البقّال يفرك عينه.

وجاء صوت صاحب المقهى مرة ثانية: غريب، وصلت جنازة جديدة.

- سأذهب، قال غريب.

لمح عزيز الموسوي، امرأة تخرج من داخل السيارة، كانت ترتدي عباءة سوداء تغطي جسدها، ولما دقق فيها عزيز الموسوي جيداً، عرف أنها سافرة عبدالمسيح.

غادر عزيز المقهى بسرعة، وتسمّر أمام سافرة التي احتضنته صارخة:

- عزيز.. اغتالوا خالد الأمين.

شعر عزيز أن الأرض تميد به، وأن السماء انشقت وانطبقت على الأرض.

- ماذا تقولين؟

- أطلقوا عليه الرصاص، أمس، عندما كنت عائدة معه من بيروت.

- قتلوه في بيروت.

- لا في بغداد.

برك عزيز الموسوي على الأرض. وفوق سطح السيارة الصغيرة الروسية الصنع، كان خالد الأمين يرقد هادئاً في تابوت متواضع.

قال غريب المتروك: الشهداء لا يغسّلون.

ونظر إلى عزيز الذي كان ينتحب، قال ناشجاً:

- أنا الذي سأدفن خالد.

- سوية، يا عزيز.. أنا وأنت فقط.

وعرف غريب المتروك أن عزيز لم يغادر ديرة »حلم العمر« واتجه نحوه.

وحينما تعانقا، تنشق عزيز الموسوي رائحة الكافور، رائحة الموت، رائحة الماضي كله، في جسد غريب المتروك.

في اليوم التالي، نشرت »الوطن« أن خلوق الملاّ وجد مقتولاً على الطريق الصحراوية التي تقود إلى »ديرة حلم العمر«.



تموز 1973/بغداد



 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM