محاورات حديقة زينب

ظ…ط­ظ…ط¯ ط®ط¶ظٹط±

المقاله تحت باب  وقائع
في 
06/09/2008 06:00 AM



محمد خضير

محاورات حديقة زينب \ 1

 

 

( بين ميسان والسماء عرف الفتى الأسماء .
صار هو الأسماء ) ج.ل

(1)
مجنون زينب
في زيارتي الثانية لدولة الإمارات المتحدة , مايس/مايو 2006 , أقمتُ بشقة جمعة اللامي أسبوعاً , وبات تسجيل أحاديثي مع الروائي العراقي المقيم في الشارقة شاغلاً يؤرق ليالي قربي من كائن سردي باعدت بيني وبينه الأهواء والمصادفات , وشدتني إليه رغبة البوح والمسارّة , فإذا بهذا الانشداد ينتهي بفراق عسير انتزع معه براعم المحاورة التي ما كادت تنمو حتى سقطت في نهاية اللقاء القصير .
اقتنيتُ جهاز تسجيل حديثاً , صغير الحجم , وخرجنا في نزهات ليلية إلى حديقة قريبة من الشقة , نستبق حوارنا المأمول بحديث تتخاطر فيه الأفكار والذكريات ,خلال مشينا حول محيط الحديقة الدائري . إلا أننا لم نسجل كلمة واحدة من هذه الأحاديث التي بدأت تتقدم وتتراجع وتتسابق , لكنها لا تتطامن وتقترب وتنمو نمو العشب في الحديقة الدائرية الهادئة , حديقة زينب , كما فاجأني جمعة بتسميتها .
طفنا حول مركز البوح الذاتي مرات, متسابقين إلى قطب الرحى نلهمه حصيد أفكارنا , ثم نرتد عنه خائبين . كان شقّانا القريبان جداً من بعضينا يأبيان أن ينفصلا إلى طرفين متحاورين متقابلين وجهاً لوجه , حتى تسرب التعب إلى قطبينا , ودارت رحى الليالي الستّ خاوية من طحيننا .
كنت أخشى أن يتصاعد صوت الطحن الدائري فيهصر هدوء الكائنات المستلقية في أحضان حديقة زينب , بل تراءت لي طلعة البتول في أكثر من وجه دائر عكس دوراننا , ثم استسلمتُ لسكون الحديقة في غبش الليل , وقررت أن أستأنف حوار شقيّ الرحى المتلاصقين في حديقة خاطري المقابلة لحديقة زينب عندما أعود إلى البصرة . وبينما خرقت رصاصات طائشات عباءة الليل العراقي , استمر في سريرتي حديث الليل البعيد هاباً من جهات الشارقة المبسوطة على بحر الطمأنينة والسلام .
كان جمعة اللامي واقفـاً مني موقف القرب , فتحتم أن أتلـو على مسامعه نص النفري : (( أوقفني في القرب وقال لي: ما منّي شيء أبعد من شيء , ولا منّي شيء أقرب من شيء , إلا على حكم إثباتي له في القرب والبُعد . وقال لي : لا بُعدي عرفت , ولا قربي عرفت , ولا وصفي كما وصفي عرفت . وقال لي : قربك لا هو بُعدك , وبُعدك لا هو قربك , وأنا القريب البعيد , قرباً هو البُعد , وبُعداً هو القرب . وقال لي : القرب الذي تعرفه مسافة , والبُعد الذي تعرفه مسافة , وأنا القريب البعيد بلا مسافة )) .
ثم فتحتُ باب الحديث , وقلت :
ـ حياتك أبواب : باب السكر , وباب السجن , وباب المنفى , وباب التوبة . أين أدركتَ زينب ؟
ـ حملتُ زينب تميمة وعبرت هذه الأبواب . كانت ظلاً وحساً ورؤيا , ثم صارت مرآة في صحفي أرى فيها نفسي . لقد نسيتَ في تعدادك باب الحرف . حروف اسمي دخلت في حروف اسمها كما تدخل الصورة في المرآة . فنحن متعادلان بعدد الحروف وواحدنا يعكس اسم الثاني ويتلبس حروفه .
ـ حديقتنا محيط أخضر بقلب أبيض , وجوهر بسيط ساكن في صدفة العالم , ونحن ندور حوله ونتحاور في هذا الشطر من الليل . قل لي لِمَ قطّعتَ نصوصك إلى أجزاء , وشققتَ رؤياك إلى شقوق ؟
ـ أبدأ من ذيل سؤالك . إنها المشقة يا صديقي , مشقة السفر والفقر والحصر , شقّت نصوصي وعسّرت ولادتها . ولولا رحمة الله وإلهام نورانيته لما خرجتُ بشقّ واحد من مشقتي يصلح للقراءة . إذ بعد سيري وجرياني في نصوص الثلاثيات العراقية , عدتُ طفلاً أتلمس طريقي في نصوص المقامات اللامية والحدائق الزينبية والرؤى الحجازية . صرتً مثل نغمة كلما خرجت من مقام (( العراق )) وجهتها آلة النغم إلى مقام (( الحجاز )) كما يقول الشاعر (جامي ) .
ـ ويقول الشاعر ( كبير ) إن الخليقة بأجمعها موسيقى , فأنّى وقفت جرفتك نغمة العشق إلى قلب الخليقة . هل تتساوى نغمة الخليقة مع عشق النص ؟
ـ نعم , ودليلك على ذلك كتاب (زينب) . كل أشطاره نغمات عشق صادرة من قلب يخفق بحب الخليقة ورب الخليقة , وما نغمة الخليقة إلا مجاز يؤدي إلى نص الحديقة . فسبحان من وحد النغمات, وآلف بين قلوب العشاق, وألهمنا كتابة الجزء في محبة الكل .
ـ وماذا تتذكر من طور ( اللامي ) في نغمات نصوصك ؟
ـ اللامي طور ولدت منه نصوصي الأولى , ولن أبدل به طوراً آخر حتى تتبين النغمة الجهيرة من النغمة المستترة في عود الخليقة . فهو دليلي إلى شجن مملكتي العمارية , إيشان ولادتي ورغيف أمي وخنجر أبي . ذلك قبل أن تطلقني نغمات الخليقة في متاهات العالم الكبرى . حين أنصت اليوم لا أسمع إلا صدى بعيداً من قصبات ذلك الطور , فأنتشي بمقام البعد وهو قريب .
ـ وهل أنت المجنون ؟
ـ أنا ((مجنون الزمان)) يقتبس ناراً من موقد مهجته , ويصبها كلمات على قرطاس محبته وعشقه . أنا مجنون بحب (( الباز )) الذي أخذ من ( زاي ) زينب تاجاً لرأسه , ومن (بائها) ريشة لجناحه , وترك لي حرف (الياء) أتخذ منه قلماً أسـطّر به جنون عشـقي على قرطاس ( النون ) . أنا مجنون الحروف .
ـ بدأت أصدّق أنك مجنون اللغة . إنك مثل صوفي ينشد رفع الحجاب عن سر الكلمات , وهو يستبيحها من حيث يعتقد أنه يصون طهرانيتها . ألا تعتقد أن للغة الروائية الحق في أن تعيش وراء حجاب ؟
ـ بلى وأيم الحق . ولكن من أين اصطباري وكتابتي لا ترتوي من دلاء القواميس وحكايات الأسلاف ؟ كلما استبحتُ حجاباً من حجب الرواية ازداد ظمأ لغتي إلى أغوار شعريتها . فالاستباحة على قدر الإباحة, وما يُخرق من طهرانية اللغة يقابله القارئ بالغفران . كتابة الرواية تجربة مؤلمة , ولا بد للتجربة من أن تُثخن بالجراح كي يصلب عودها .
ـ في قسم من ( مجنون زينب ) يأخذك شيخ من يثرب إلى حوش فيه غرف سبع , وبعد موت الشيخ الأول تلتقي شيخاً غيره في الغرفة السابعة , يأمرك باقتبال الجدار ومحو نفسك . كم قيّدتَ من أطوار وأحوال , وهل بلغتَ مرحلة المحو في كتابتك ؟
ـ لم أمح شيئاً , إنما علّقته على أسمائي , واقتبلتُ نصوص المحو بطهارة الوضوء والعرفان . هذا قانوني في الكتابة , المراوحة بين جدل قيد الماضي ومحو أخطائه وآثامه . ولكي لا أتردى في هاوية النسيان , وهو المرحلة الأخيرة من مراحل المحو , قيّدتُ أحوالي وأطواري بقيد أسمائي , فهي دلائل حقيقتي , وعنوانات كتابتي .
ولما أتممنا بهذا الجزء من أحاديث حديقة زينب طواف الليلة الأولى , أسفر الصباح فأشار لنا طائر ( الباز) بالانسحاب والخلود إلى النوم .

يتبع



 

 

محمد خضير

محاورات حديقة زينب/2

13/07/2008

كائن متعدد الأسماء

في الليلة الثانية من ليالي إقامتي في شقة جمعة اللامي بالشارقة , مايو 2006 , استقبلتنا (حديقة زينب) اليانعة بآيات التناسق والجمال , ودعانا سكونها ورخاؤها إلى استئناف حديث الطواف حول قطب رحاها , حتى يأذن باز زينب باختتام كتاب المشافهة والانتقال إلى كتاب النوم , على منهاج الليلة السالفة .
امتصت الحديقة سورتنا , وأحاط نظامها الدائري بذاتينا الهائمتين , وما كدنا نتم الدورة العاشرة حتى أفرغنا جعبتنا من مسارات التماثل والاختلاف, ومقابسات الزمن البعيد والقريب. انتبهتُ إلى نماذج الحديقة الحية المرتبطة بفلك مدارنا برباط الاجتماع والألفة , فسألتُ جمعة عن مقدار علاقته بها ومعرفته بأشخاصها , فقال إن أغلب المتنزهين من الجنسيات الآسيوية الوافدة للعمل , يجمعه وإياهم خاطر الخطوة والنظرة لا رابط الهوية والجنس , وسؤال التذكر والاشتياق لمواطن زينب الأولى . فهم يذكرونه بمسافة الهجرة التي طواها منذ خروجه من العراق عام 1979 حتى استقراره على أرض الشارقة عام 1980 .
قلت له : حديقتنا مثال كوني لحدائق البستانيين العظام أمثال الشيرازيين حافظ وسعدي , وطاغور والمعري وجبران خليل جبران . فبمن يرتبط بستاني حديقة زينب , ومن معارفه بين وجوه الحديقة ؟
قال : المعرفة تقتل الألفة . أعرف متنزهي الحديقة بسماتهم ولا أحفظ أسماءهم , وأحاورهم وأخالطهم لكن بخاطري وإنسانيتي وألفتي . إنهم يعرفونني أكثر مما أعرفهم .
وروى لي حكاية الكلب الذي اعترض سبيله وطالعه ببوز وسخ وعينين ذليلتين وهز ذيله طالباً رفقته ومؤالفته . ظهر هذا الكائن المطارد من أدغال الأمس وجهاً كان ثاوياً خلف سياج البيت القديم في (الماجدية) , ثم تبعه لعنةً صاحية تطارد السكارى في حانات بغداد , وأطل من ربى السجن المنخفض في صحراء (السماوة) وخاطبه بلغة الإشارات بين المنبوذين والمرتدين , ثم أقبل وانحشر بين الوجوه المنفية وراء حدود العشق والوفاء , بل كان هو الوفاء نفسـه الذي رآه جمعة في عينيه ينتظره كل مسـاء بباب الحديقة يبادله إحسـاناً بإحسـان .
ـ في (الثلاثية الأولى) قلتَ :(( لأنني وحيد لا أستطيع شيئاً )). أما زلتَ وحيداً ؟
ـ إني كائن أعزل إلا من الشعر . كنتُ كائناً متعدداً فأصبحتُ وحيداً . وحدني الشعر , شـعر العبارة , وشـعر المكان , في حياة مختزلة قانعة , وعبارة قصيرة دالة . لأنني كنتُ (( أتخيل )) صور الماضي تفرقتُ في عالم الماضي , وتغربتُ في مدن الله . ولأنني صرتُ (( أعرف )) عالمي عدتُ إلى مكاني , قرب حديقة الله . صارت هجرتـي من مكاني إلى مكاني , ومن ماضيّ البعيد إلى مستقبلي القريب . الله هو مستقبلي .
ـ لكنك كائن متعدد الأسماء: حكمت الشامي وغريب المتروك وإبراهيم العربي.. أين تستتر حقيقتك؟
ـ هذه أقنعة أحوالي وأطواري , تتقمصني مثل جلدي . حقيقتي مجدولة من لحاء أسمائي المستعارة . غير أن تاريخي يخونني أحياناً فيسلبني أسمائي وأبدو عارياً أمام حقيقتي كشجرة عرّاها الخريف من أوراقها . أحلم أحياناً بشجرة تتدلى منها الأسماء , وأحياناً أصير هذه الشجرة تعطي أكلها لمن تشاء . ليعرّني التاريخ من أسمائي لكن حقيقتي تظل ثابتة في أصل شجرة تتفرع أسماؤها نحو السماء . وهذه هي الحقيقة التي تختمر بها نصوصي .
ـ ماذا تبقى من أسماء ( الديرة ) القديمة , عزيز الموسوي مثلاً ؟
ـ كان عزيز الموسوي أول المنشقين في ديرتنا . كان يؤمن بالله في السماء وماركس على الأرض , فلم يفهم انشقاقه صديق ولا عدو , وأرسله النظام الشمولي الواثق من سيطرته على الرقاب إلى العدم . هل لاحظتَ صورته المعلقة على جدار شقتي ؟ إنها منثورة ببقع حمر حائلة , تذكاراً لصداقة معمدة بالدم . أردتُ أن أتذكره مثل حلاج عصره عندما رشقه الأعداء والأصدقاء بالحجارة . ما أكثر الشخصيات المنشقة على قضايا عصرها , داستها أقدام الجماهير الزاحفة نحو هرم السلطة على وقع المارشات العسكرية .
ـ بعد أن دخل هؤلاء الأشخاص الحقيقيون قصصك صاروا هشيماً . أتحسّ بخطو هؤلاء الأشباح على بساط الحديقة الأخضر , هل تخشى مواجهتهم ؟
ـ كن مطمئناً , لا أخشى عودة شخصياتي إلى الحياة , فهي نماذج لا تنسخ نفسها ولا تتشبّح . هؤلاء الذين دخلوا عالمي ليسوا شخصيات شمعية , وإنما كانوا من لحم ودم , يصارعون أنفسهم ويردونها حتفها . مجاهدة النفس كانت قضيتهم الأولى , وفي هذا الصراع فقدوا أعمارهم القصيرة , وقلما يتذكرهم روائيو اليوم . قد يرغبون في الانبعاث من قبورهم , إلا أن زحف الأقدام تضيق عليهم الخناق . لا تخف يا صديقي ! ألسـنا شـبحين من الماضـي ؟
ـ ولكننا شـبحان سرديان , لا يقويان على الهرب أمام زحف الأقدام . إننا ننصب المسرح , لكننا نخشى تمثيل أي دور على خشبته . أتقوى على المواجهة ؟
ـ نعم . مواجهة النفس . هذه قضيتي . المجموع يشهد صراعي , وينتظر مصرعي , لكني لا أبالي بهذه الفرجة . مسرحيتي وخشبتي في قبضة خالقي . هذا هو درس عزيز الموسوي الذي استخلصه من ماركس , الصراع بلا نهاية أو الوصول إلى يقين .
ـ أحياناً تحدثني نفسي بما تقول . إن خبرة السرد تغرينا بالذهاب إلى نقطة اللاعودة أو اللايقين , إذ يصبح معيار الحقيقة والخيال واحداً . هل بلغت هذه النقطة , وكيف تصف أحوالها ؟
ـ هناك أكثر من حال لهذا البلوغ , فعندما تُفتح أقفال النص السردي , يزول الفارق بين الشعر والنثر , وتدخل الرواية مدخل السيرة الذاتية , وتحلو لعبة استعارة الأسماء , ونزع الصفات عن الموصوفات , وانتحال الأقوال , واستدعاء المواقف , والمرور بخفة بين حواجز عالم الشهود , واختلاس النظر وراء حجب الغيب , واستبدال الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر , والاتحاد بذات المحبوب . هذه مزاعم لم أبلغها , ولكنها تعتمل في مختبري اعتمال الأنابيق في مختبر الخيميائي , وتضطرب في صحائفي اضطراب الحروف في صحيفة الصوفيّ .
ـ يختلج في صدري وأنا أشهد قلقك أن معركتك مع نصك لم تبدأ بعد , في حين أن نقطة اللاعودة واللايقين قد لاحت لك يوماً في (الثلاثية الأولى) بتصريح خالد الأمين في الرواية : (( كانت النهايات بدايات باستمرار , ولم أعد أطيق صناعة جحيمي )) . هل يأمرك نصك بخوض صراع أوسع من مجاهدة النفس ؟
ـ وهل أطيق جحيماً مثل تلك ؟ لقد خضنا المعركة الأخيرة في يوم من ماضينا , وخسرنا فيها كل شيء إلا نفوسنا المحطمة التي خرجت بحكمة واحدة بسيطة: ( لا تنظر وراء ظهرك وأنت تصعد من الجحيم ) . إنها حكمة أورفيوس وأولئك الخيميائيين القادرين على فك أقفال النصوص .
كان الليل قد أمعن في انتزاع اعترافاتنا , ولمّا نكد نتمّ طواف عشرة من أشواط نزهتنا , حين تفرستُ في وجه جمعة اللامي المخضل بالندى , وطرحتُ عليه السؤال الأخير :
ـ وهل جنيتَ محصولاً وفيراً من حكمة أورفيوس هذه ؟
ـ لا أزعم أنني خرجتُ من الجحيم . لكنني أختزن محصولا جيداً أكتبه كلما بلغتُ مرحلة من طريق الصعود .

توقف جمعة عن المسير , وظننتُ أنه يصغي لغناء عندليبه , ومَن غير هذا الطائر الرقيق دليل على صدق إحساسه , وفصاحة نطقه , ونهاية رحلته ؟ كان البستاني المطمئن واثقاً من وحي طائره , بينما لساني يبتلع في جوفه ما لم يستوثق من هذر لقالقه . وما عتمنا أن انصرفنا , ولسان حالي يقول : إنه يعرفني أكثر مما أعرفه .


محمد خضير

محاورات حديقة زينب/3

17/07/2008

(3)
منقع العذاب
حلّت الليلة الثالثة , وحان موعد الهبوط إلى حديقة زينب , فارتدى جمعة اللامي سروالاً من الكتان وقميصاً طويلاً مجعداً , وخرجتُ بردائي المنزلي , وسرنا إلى محيطنا الأخضر مريدين متشوقين للقاء السر الأعظم في رحاب الليل الأوسع والأفخم .
وما كدنا ننتظم في فلك السائرين , الساكتين والهذرين , المستترين والظاهرين , حتى بادرتُ جمعة بسؤالي : من أين تنبع الفكرة ؟ من الرأس أو القدم , العين أو الأذن , الماضي أو الحاضر , القرب أو البعد ؟
قال : تأتي الفكرة في أوانها مأتى الخطوة والالتفاتة , القيام والقعود , النهضة والكبوة . نحن أبناء أرياف , ليلنا عميق غزير الأصوات, نكاد نسمع هسيس الدواب, وخفقان القلوب , واحتضار الأرواح , ونشوء الأحياء . فإن لم نهجس الفكرة أوان انفصالها عن مستقرها وسيرها الوئيد , فاتتنا وقصدت سوانا ممن يرهفون السمع ويشحذون الخاطر .
ـ وكيف ندرب خاطرنا على صيد الأفكار ؟
ـ بالصمت والخلوص من الكدر . بالجوع الروحي إلى مصادر الأفكار وشوارد الرؤى . بالتمعن في انتظام الحرف والكلم والعبارة في سطر من كتاب أو وجه من الحياة . إذ ما نفع الفكرة إن لم تنتظم في صورة أو عبارة ؟ إنّ مَثَلها في صيرورتها كمثل ريح صرصر تعبث ببال عابد متبحر في كتاب المحكمات والمتشابهات من بدائع الخلق وآياته .
ـ وهل من مفر من فكرة خطيرة تلبست ثوب الردى , أو آذنت بشرّ مستطير ؟ كيف الهرب من أفكار العذاب والموت ؟
ـ لا سبيل إلى تفاديها . أحياناً يكون اصطدام الفكرة بخاطر صاحبها المقصود لها والمرصود من أجلها مثل فرقعة الرعود , أو انهيار الجبال , أو اصطخاب البحر . هل تذكر أين التقيت فكرتي الأولى ؟ وممن تلقيتُ بشارة يُتمي وعذابي؟
ـ أجل , مرة من صياد يسكن كوخاً في أحد بساتين الجنوب , ومرة من ( الأبجر ) . قرأتُ مقاطع ( الأُخذة ) الميسانية برهبة وحزن . كيف تخلصتَ من لعنة (الخنزير الأعمى الصغير) و (القنطروس) وبقية المسوخ التي طاردتْ صنوك في (الثلاثيات) ؟
ـ وهل تظن الأفكار تضيع بعد استقرارها في أعماقنا ؟ إن الفكرة تطارد الفكرة , مثلما كتابة الماضي تقتل الماضي . لكن لا شيء يذهب إلى العدم . فالأفكار تظل تحوم حول أعشاشها كطيور ثكلها فقدان فراخها . وتظل المسوخ نائمة في أرباضها , وقد يوقظها السرد الأعمى حين يخطئ ألفاظه ودلالاته . وأنا أقول لك : دعها نائمة رغم كل شيء .
ـ في (الثلاثيات) مقاطع طويلة تقتفي أثر سرد (كافكا) : غرف كالأقفاص , تحولات , مشاهد تعذيب تقشعر لها النفس . هل استفدتَ من (كافكا) ؟
ـ أنت تذكرني بزمن الرواية العظيم . ثلاثة ساعدونا على التلصص على أعماقنا في أيام الرعب , طهرونا من عصابنا القهري بقراءة أناجيلهم الروائية : (مسخ) كافكا , و(جريمة وعقاب) دستويفسكي , و(جحيم) باربوس . أجل , علمونا كيف نواجه مسوخنا ونحشو أشداقها بالأحلام . بل كيف نتحدث بلغة (الوضع البشري) كلما اشتد عنف القوى المضادة . كنا نزحف آنذاك على رُكب دامية للخروج من نفق اليأس والإحباط . في تلك الأيام لم نكن نعرف أين يكمن خلاصنا , في الواقع المعيش أم في الروايات التي نقرؤها .
ـ هو كذلك , ضاعت أبعاد الواقع وتبعثر السرد هباءات في فراغ هائل الاتساع . وفي أحسن الأحوال بدا الواقع أشبه بمغطس ذي بُعد واحد هو القاع . كان السرد مضغوطاً إلى الأسفل دائماً . كيف خرجتَ من مغطس ذلك الواقع ؟
ـ عندما بدأ العالم القديم يواصل انهياره , نظرتُ حولي وأخذت في الارتفاع . من يعش طويلاً في منقع العذاب , يرتفع خفيفاً إلى الأعالي . الصعود إلى أعلى : كان على رأس مهمات السرد في قصص المرحلة الوسطى (الثلاثيات واليشن) . كانت قصصي قبل هذه المرحلة انجرافاً حراً وسريعاً إلى مهوى الحلم اليوتوبي , الذي انقطع فجأة بصدمة الانفصال ووجع الانهيار . بعدئذ أصبحت أنظر بوضوح إلى مسـوخ الحلم الرهيبة المحبوسة في أقفاصها . كان البُعد الوحيد أمامي هو البُعد الأعلى , وكان ارتفاعي صعباً ومؤلماً نزفتُ فيه آخر قواي الجسدية . وهكذا وجدتُ نفسي في فضاء المرحلة الثالثة من سردياتي , وقد امتلكتُ حريتي في الحركة عبر الجهات الأربع , بل الخمس , صعوداً إلى الرقم الأعظم لقيمة الحرية والاتحاد بالتجربة .
ـ الهبوط إلى القاع , ثم الصعود والانتشار في جهات العالم , رجَّ رؤياك رجّاً فاختلط سرد الواقع بسرد السيرة . كيف نفصل بين الحدين ؟
ـ يمتزج في كتابتي قص السيرة بقص الواقع , واشتباك جذور التجربة بفضاء الحلم . يحرث قلم السيرة ماضي التجربة ويقتلع أدغالها كي يهيئ الأرض لبذور الحياة الجديدة . استعذبتُ آلامي وهجوتُ حياتي قبل أن أستروح نسمات الاستغفار والترجي التي يستشعرها رواة الأسفار في نهاية الرحلات الطويلة . عانيتُ ما يعانيه أبطالي من آلام التخفي والكتمان , وانجراح سيرتهم بشظايا الهجاء والشك . وفي نهاية الأمر صفت المرآة والتحمت الأوصال وبزغت السيرة الثانية من هجائيات السيرة الأولى وشكوكها . حين يمر السرد خلال ((القصبة المجوفة)) لسيرة الروح , تستقم المعاني وتصفو الصور وتأتي الأفكار طيعة مختارة .
ـ إلى جانب أعمال الروائي المغربي محمد شكري , قلما نعثر في أدبنا العربي على سرد نرسيسي متجلّ بذاته العارية , عنيف في هجائه وحفرياته . أتعتبر (الثلاثيات) وقبلها قصص (من قتل حكمة الشامي) و(اليشن) أعمالاً من هذا النوع ؟
ـ ليست أعمالي سرداً مثلياً لعشق الذات أو فضحها , وإنما هي ـ كما لمحت ـ حفر في قاع التجربة لإرضاء ميل سردي واع بذاته , باحث عن البُعد الخامس وراء ذاته . ففي كل رواية عظيمة نعثر على شخصية خامسة , مهمشة مقصية غامضة , ترتدي قناع الروائي نفسه بآثامه وأحلامه المتطرفة . بينما تهدف رواية السيرة إلى محورة الشخصيات حول الذات النرسيسية المتجلية بوضوح وصدق أمام عيني القارئ . لكن هذا النوع يتجلى في أعمالي الأخيرة أيضاً بأشكال شتى , ويتوزع على جهات النفس الساردة بظهورات أوسع .

الليل في قصص جمعة اللامي قديم وأليف , الليل الجنوبي , الليل الصحراوي , ليل المدن الخالية , تسلل من القصص وعلق بذيول حوارنا , طوقنا بذراعيه الطويلين وهدهدنا . استسلم جمعة لهدهدة الليل , وترنيمة الأم الحزينة , وانتهى حديث الليلة الثالثة , تمتمات على شفاه تداولت بدايات الكلام وزقزقات الأفكار في أعشاش السطوح العالية .



 

محمد خضير

محاورات حديقة زينب/4

19/07/2008

(4)
الغرفة والمسرح
هبطنا في الليلة الرابعة من الشقة المعلقة في ليل الشارقة , واتجهنا إلى حديقتنا . فجأة أدركت أننا لا نخوض حديثاً ليلياً بين اثنين منفردين بمسرحهما , وإنما همهمة أصوات كانت تتعقبنا وتشترك في حوارنا . أينما انتقلنا , انتقلت العائلة بإرثها وحاصرت مسرحنا الدائري بأصواتها .
[ صوت (1) : ماذا نقول لأنفسنا ؟
صوت (2) : أقيموا له مسجداً هنا .
صوت (3) : صار قضية .. صار قضية .
صوت (4) : اجمعوا ما كتب في كتاب .
صوت (5) : آهم .. أنا .. آهم أقول .. آه يا حكمت الشامي .. يا.. آ.. آ ..
صوت الخطيب : والآن لنمارس طقس البكاء المعتاد . ]
( قصة : من قتل حكمت الشامي : 1967 )
سألت جمعة : بدأتَ كتابة قصصك بمسرحة متقابلة للأصوات , بمخاطبات أمام الجمهور . كيف يتخلص الخطاب من إرث العائلة ؟ خرج خطابك من الغرفة إلى المسرح , فهل تخلت العائلة عن ملاحقتك بإرثها البعيد ؟
أجاب : بدأ خطابي انفرادياً في حدود الغرفة , غرفة الليل المحاصرة بأصوات النضال والملاحقة . ثم حللتُ في ردهة السجن , فانتقلت أصوات العائلة إليها . وحينما انهار السجن انتقلتُ إلى مسرح يتسع لجولات خطابي ضد هجوم العائلة الانتقامي . ولا أحسب أنني كنت وحدي على هذا المسرح , فعشرات من كتّاب القصة في العراق دافعوا مثلي عن خطابهم ضد صدمة الاندحار الجماعي لخطاب العائلة .
ـ بدأ خطابنا بصدمة وانتهى بصدمة , أما زال خطابنا القصصي اندحارياً ؟
ـ ما أكثر المسارح التي انتقل إليها خطابنا, وهو يتوزع اليوم على مسارح الدنيا كلها. لكنه يعود أبداً إلى نقطة التأسيس النضالية الأولى, ويتصل بإرث العائلة بين مرحلة ومرحلة, يجمعه ويبنيه من جديد . لذا يبدو هذا الخطاب استعادياً , اندحارياً , في تجريبه وبحثه عن نقطة التأسيس .
ـ نشأ خطابنا الروائي مع نشأة الدولة العراقية الحديثة عام 1921 , بصدور رواية محمود أحمد السيد (جلال خالد) . بدأ الخطاب مدنياً وثورياً لكنه أُختتم برؤية اندحارية . يسافر بطل الرواية إلى الهند لاكتساب العلم الثوري , وحينما يعود يكتشف خمود أول ثورة ضد الاستعمار البريطاني للعراق , فيقع طريح الفراش . كان جلال خالد أول مريض ثوري عراقي , ثم توالت الشخصيات العليلة التي لفظتها الثورات المجهضة وراءها . هل خرج خطابنا عن هذه الرؤية الاندحارية ؟
ـ إذا أضفنا إلى رواية محمود السيد روايات ذو النون أيوب وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر وعبد الرحمن الربيعي وفاضل العزاوي لبنينا منها نصباً لبطلنا الغريب , المهزوم على مسرح الكفاح السياسي والاجتماعي . كانت روايتنا حلقات متصلة من الاعتراف بفداحة الخسارة الفردية والجماعية . توالت الانتصارات والاندحارات وتوقفت الرواية تلتقط أنفاسها أمام مطالب المسؤولية السياسية التي حمّلتها الأحداث العظيمة كاهل الروائيين العراقيين غير المسلحين بخبرة واقعية . كان هؤلاء الروائيون طلائع مخلصة لنظام العائلة المهتاج بنظريات القرن العشرين الكبرى , فأصيبوا في الصميم من وعيهم المباشر والفتيّ وشبّوا منكسرين. تسللوا الواحد بعد الآخر من مناطق الخطر , وتباعدت المسافات والأجيال والأساليب . حمل الأوائل معهم بذور فصامهم الثوري, ومنعهم مسَّهم الذاتي من عقد اتفاق أدبي مع جماعات التحول السياسي الجديد . وبسبب هذا التوالي الاجهاضي وهنتْ سلسلة الأجيال الأدبية واندثرت مصادر التأسيس الثورية .
ـ إذن , وصلنا إلى نقطة اللاعودة , كما أسلفنا من حديثنا. هل نعيش مرحلة اللاتواصل, هل نحن أجيال مبعثرة , جزر منقطعة ؟ هل يعني بحثنا عن يوتوبيا أننا تهنا بعيداً عن موطن العائلة , وعدنا أفراداً لا أجيالاً مرتبطة بتقاليد وقضايا ؟ لقد بنيت أنت بنفسك مدينة اسمها (اليشن) . بهذا الاستدلال هل نستطيع أن نبدأ من أبنية معروفة في تاريخنا الأدبي الشخصي , بعد أن هدمنا قلاع تاريخنا الأدبي الجماعي ؟
ـ عدنا إلى التاريخ ,بعد أن خرجنا منه . نحن محكومون بفطرة الاستدلال التاريخي , باستكشاف حقيقة المسافة . هذا هو امتيازنا الأدبي , إحلال مفهوم المسافة بدلاً من مفهوم التاريخ العائم وسط النكبات والاندحارات . المسافة تبيح الرجعة لكنها تمنع الاندماج , حيث الحرية والانفراد وحوار الأضداد اختيارات ممكنة للحركة بين طرفيها . هناك (اليشن) وهنا (الشارقة) وبينهما استراحات المسير , وتحولات الفكرة , ومصادفات المسافة .
[ ومن على الرابية التي تطل على ـ اليشن ـ نظر سلمان المحمدي إلى مدينته القديمة التي استوت قاعاً صفصفاً . فاستدار نحو جهة المشرق , حاملاً معه حقيبته الجلدية وزوادة السفر . ]
( قصة : تحولات سلمان المحمدي :1974 )
ـ حين خرج (سلمان المحمدي) من السجن , اكتشف انهيار مدينة (اليشن) , وبسقوطها بدأ التفكير في الخروج من المدن القديمة . كانت يثرب أول ما لاحت في حلم المحمدي , إلا أن الرهبان والمحققين كانوا يقتحمون عليه الغرفة ويعذبونه كلما فكر في السفر. (( هل أن المدن القديمة تنسخ المدن الجديدة )) كما فكر سلمان المحمدي في قصتك ؟
ـ حين يكون السفر عذاباً , تنفتح المسافة أبعد وأبعد أمام تحولات الفكرة , ثم يكون الانتقال حقيقياً وخلاصاً نهائياً , كما حدث لسلمان المحمدي في صراعه مع أهل زمانه . أصبح السفر رؤيا من رؤى الدفاع عن الحقيقة ومواجهة جمود الأفكار والعذاب الذي امتد أياماً وشهوراً وسنوات. ولا بدّ أنك لاحظت نبوءة التفسخ والانهيار تشيع في أكثر قصص (اليشن) . فلم تكن (اليشن) مدينة فاضلة على كثرة ما فيها من الأولياء والفضلاء . أقمتُ مسرحي موطئاً لفكرتي عن امتداد المسافة وطول السفر .
ـ (الهجرة) احتمال كان يقف على عتبتي الغرفة والمسرح . مقارنة بمفهوم المسافة , كيف تفهم تعارضات الهجرة مع تاريخ العائلة ؟
ـ الهجرة سمحت ببناء (يشن) عدة على جانبي المسافة , مسارح لتمثيل تاريخ العائلة . المجهول , السفر , الكتابة , أحلام المسرح التي جربنا تمثيلها . حين خرجنا لم نكن نملك سوى تاريخ الضياع , أما اليوم فثروتنا من أحلام المسافة أكبر من أن تُقارن بإيشان واحد مطمور في مملكة العائلة القديمة .
ـ نتكلم عن رموز وأحلام , أين الحقائق ؟
ـ تجربتنا الأدبية كانت مجموعة رموز نحرص على قداستها وصيانتها بلغة العائلة المغلقة على استعمالاتها , بضعة تمارين عاطفية , حكايات وصور وهلوسات .. أما حقائق العائلة فظلت نائية عن أيدينا . وحين انتبهنا إليها من وراء المسافة , وجدناها تحجرت وانضمت إلى ممتلكاتنا الأثرية منذ آلاف السنين . من ناحية ثانية , غاب الشهود الرئيسيون , قتلتهم حقائق العائلة بألغازها . ظلت أشباحهم تطالبنا بكشف الحقائق , ونحن نخشى هذه المهمة , فلعنة العائلة تسدّ علينا المنافذ للعودة إليها .
ـ وكيف نبدأ ؟ كيف نقهر لعنة الرموز ؟ أين ننصب مسرحنا؟
ـ لقد بدأنا .. بدأنا .. كما بدأنا من قبل ..
صوت من هذا الذي يتكلم ويختم حوارنا على مسرح الحديقة ؟ خرجنا كما دخلنا مسافرين يوازنان مسافة المسرح مع تاريخ الغرفة وجسد الأنثى وخيول القضية المسوَّمة في شوارع العائلة .
[ في جو الغرفة المشحونة بالهمس ووجيب القلوب التعبى, كان الليل يستطيل ويستطيل , وهي كقطة حذرة تمتد لصقي, وأنا رجل أبحث عن الخلاص في المتاعب ومحاسبة التاريخ . أنا رجل أنهكني الجري والتطواف في مفازات الصحاري فلجأت إلى غرفة في طرف من أطراف مدينة الخوف والعذاب أبيع الحب والتجربة للناس وللدود ولسريري . قلت: إنها ممددة لصقي ولا شيء أعرفه عنها . كل ما أذكره أنني رأيت وجهها عندما كنت أحارب بسيف عبد الرحمن الداخل , وأمتطي جواداً عربياً تهزأ أعرافه بالويل والعاصفات . أغمضتْ ـ الآن ـ عينيها فبدت كالنائمة , غير أني أعرف أنها لا يمكن أن تنام , فمنذ أيام وهي تراقبني بطريقة الأسئلة . أردت أن أخبرها بعذاب الليالي الموغلة في جذور القضية , لكني صمتّ في النهاية فقد كنت أعرف ـ الآن ـ أية حالة تتلبسها . ]
( قصة : تاريخ القتلة : 1966 )

 

 

 

محمد خضير

محاورات حديقة زينب/5و6

24/07/2008

(5)

التغيُّـر

الغربة , الحلم , الكِتاب , سقوف نظامٍ يحتوينا بنسقه وخطابه ودلالته , نسق الحوار وخطاب الحديقة ودلالة الاسم المتضمَنة فيه .
مهما استطال هذا الحوار فسيجد وقفته على المسافة التي تختصر طوافه وتشعبه في نقطة لا تتزحزح عن سطرها . نطوف ثم نقف أو نستريح على مقعد ونتأمل بقية الليل الذي يشملنا برقته واتساعه . السطر طويل , يلتفّ ويلتفّ ثم يقف . الليل واسع , يطحن ويسحق ثم يهمس ويسكن . الحديقة نظام , يولّد ويفرّع ثم يختصر . ما أبدع هذا التجاوب بين ذاتين مغتربتين متعاطفتين مع ذوات العالم المحتجبة بخضرته , تجدلان حبل الكلام وتحلاّنه , تمسكان قطب الدوران وتستريحان بعد كل دورة ! وا أسفاه , حجّ وطواف ثم رحيل ! متى انحرفت حقيقة الأحاديث عن هذا النسق؟ وهل استطال لقاء في غير هذين المكانين , الحديقة والصحراء؟ أم خرج خطاب عن إرادة الاجتماع والألفة والمحاورة ؟
[ أنت وأنا : الابتداء والانتهاء , القِدم والحدث , اللاهوت والناسوت , الرسوخ والانخطاف . إنما عندما أردتُ أن أسري إلى حيث أنت , قلتَ لي : يا جمال الدين أبو يسار , إن هذه الطريق طريق الآلام , فما أجبتك . وقلت لي : يا جمال الدين أبو يسار إن الامتحان صعب , وعندما وصلتُ إليك , واخترقني نورك قلتَ لي: تجمّل بالصبر يا أبا يسار . البهاق هو جلد البشرية , وأنت تماديتَ في حبك , فانزع جلدك . انزع جلدك يا جمال الدين , وغادرْ إلى المستنقعات أو ارجعْ إلى مدينتك الأولى : ولكن إياك من التهيب .]

( قصة : كيف اغتيل جمال الدين أبو يسار : 1974 )

ـ استعملتَ نوعين من الأسماء في قصصك, أسماء العمر القريب, وأسماء التاريخ البعيد (سلمان المحمدي, سلم ين يوسف, جمال الدين أبو يسار, التستري). أين تكمن قوة الاسم التاريخي؟
ـ تكمن قوته في دلالاته التركيبية, وفي وظيفته الاستثنائية في تشخيص النص السردي. تجتمع في الاسم التاريخي قوى خفية قادرة على تقريب المسافة وتلخيص الحادثة واستخلاص الحكمة. وهي المهمات الثلاث للاسم في السرد, إلى جانب تمثيله التنكري للشخصية. شخّصت أسماء (ديرة العمر) السيرة الحقيقية لمدن الماضي القريب, أما أسماء التاريخ التنكرية فقد فتحت الأبواب أمام النسخ الجديدة من المدن القديمة. وكلا النوعين من الأسماء شاهد على حضوري في هذه المدن, وعبوري المسافة بين نسخها, وجوابي على سقوطها .
[ مريم بنت مطر , هي أمي . وإذ أستعيدها الآن من حضرة الموت لأتحدث عنها ـ يا شقيقة روحي ـ في حضرتك , فلأنّ روحها حلّت فيك , فأنتِ الآن أمي وحبيبتي وأختي , أنتِ سمائي التي ألتحف , وأرضي الطهور التي أتوسد , وأنتِ أيضاً بساتين الرضا وغابات الشوق التي لن تفنى . ]

( رواية : الثلاثية الأولى :1973)

ـ الاسم الذي نجا من اختلاط التواريخ والأماكن هو اسم الأم المستعار (مريم بنت مطر) فهو المعادل للسلب التاريخي , وفقدان الذاكرة , كما أنه المعادل المثالي لجسد الأنثى في قصصك . كيف حدث هذا المزج بين مثال الأم ومثال المرأة ؟
ـ الأم وجه بقي حبيساً بين نخل (الماجدية) وأزقتها مع حشد كبير من النساء , وأجهل من تكون بعد هذا الحدّ من النشأة الطفولية. لم يغب عن ناظري اجتماع نسوة على (الشريعة) , أو زيارتهن السجناء , أو ندبهن ميتاً محمولاً على الأكتاف . مَن الأم ومَن الأخت ومَن العشيقة ؟ مَن المثال المرغوب بين سائر النساء اللاتي ضيعتهنَّ ذاكرتي ؟ أعود فأقول مَن الأم بين زائرات السجن؟ أُُمّ جمعة أم أُمّ غوركي ؟ شكلتُ ملامح ذلك الوجه الضائع الذي طاردته بأسئلتي الطفولية من وجوه نساء كثيرات , وأتخيله وجهاً حانياً , يغفر لي تغييب ملامحه , أو إحضاره قسراً من زحام الذاكرة. رفعتُ صورة أبي على جدار شقتي, ولم أرفع صورة أمي , فقد أردتُ لوجهها أن يظلّ غائباً عن ناظري كي أستعيده في كل عمل أكتبه .
ـ كيف نخلّص المرأة من السلب المزمن في قصصنا ؟
ـ لا أزعم أني أحدثتُ خرقاً في تاريخ العائلة وخلّصتُ المرأة من السلب المزمن لوضعها في قصصنا . كان لي مثالي الذي أعرفه في يقيني المستلب , وشمتُه بإبرة التجربة المعذَّبة على شاكلة أولئك الريفيين الذين يعتقدون بأن وشم الاسم أو الذكرى يعادل في ألمه الشعور اللذيذ بحقيقة الحب المفقود .
ـ صناعة النص الأدبي صعبة وشاقة . وأصعب منها (صناعة الناس) . كيف احتملتْ نفسٌ متوحدة بشكل مدمّر حياة الآخرين؟
ـ في تلك الآونة كان العسر شاملاً , النفس والآخرين على حدّ سواء . وكان التلاعب بالأسماء طريقتي الوحيدة للخروج من كابوس الالتصاق بالغشاء الإنساني الذي يغلّف الوجوه كلها بمسحة ماضوية متشابهة . كرهتُ التطابق , وصنعتُ أكثر من حياة دفعتُها إلى المسرح بأسماء مختلفة . كنت أتفرج على نفسي المغتربة عني ترافق أصدقائي وأعدائي معاً , تلهو بماضي عائلتي وتلعن تاريخي , وكنت أُجلِس جمعة اللامي أمامي وأخاطبه : (( يا جمعة , سأكتب قصتك , أنصتْ جيداً ولا تعترض ما سأقرؤه لك )) . وخلال هذه اللعبة الصامتة المصنوعة بعسر استمعتُ إلى قصتي التي تتحدث عن حاضري ومستقبلي .
ـ تُفتتح (المقامة اللامية) بخروج بني (ألم) من الكوفة إلى العمارة , أهو خروج مجازيّ للعائلة من تاريخ المدن القديمة ؟
ـ يحتلّ هذا العمل موقعاً متوسطاً في رحلة الشقاء والطمأنينة . (ألم) هي النسخة الثانية من (اليشن) , كما بدت في قراطيس الجدّ الكبير للعائلة , والصحف السرّية لمدن العذاب والموت , والمواجهة الأخيرة لسلطة الجنرال ومؤسسته الإستخبارية . بعد انهيار(ألم) حدث الخروج إلى فضاء الحرية , فضاء الكتاب المصنوع من حروف وكلمات , لا من وقائع وشخوص وأماكن . أستطيع اليوم أن أشتقّ (لام) من (ألم) , و(زينب) من (الباز) , أن أحرر أسمائي من حواشي المدن والتواريخ .
[ يحدث في التاريخ , إنني الشاهد والراوية ] ( قصة: تحولات سلمان المحمدي : 1974) .
ـ شهدتَ فيما مضى على اندثار المدن وانقلاب التاريخ , ماذا تبقى لديك من قصص ؟
ـ سقطنا من عباءة التاريخ فجأة. ثُقب ثم ثقبان ثم انتخلنا ذراتٍ متساقطة في يوم عاصف. عشقنا العاصفة وعانقنا الموجة , وانتثرنا في كل الجهات . ثم التحمتْ أجزاؤنا بعد أن عبرت العاصفة , ولملمنا صفحات كتابنا . متى هبت العاصفة ؟ ومتى سجّلنا كلماتنا ؟ إننا غير قادرين على التنبؤ , لكننا مطبوعون على السير أمام التاريخ واختلاق المسافات ونقض المدن. نحن لا ننشئ أدباً , وإنما نخلق كتباً . كتب اليمين وكتب الشمال . تنخلنا العاصفة فنتساقط كتباً . كتباً بلا عدد ولا نهايات . من يستطيع أن يتنبأ ؟ على قائمتي كتاب أو كتابان , لكن متى ينتهي انتظاري لبزوغهما ؟
ـ كلّنا جرّب هذا الانتظار . أين يكمن السؤال , في الجوهر أم في الصورة ؟
ـ ليس مهماً كيف أظهر في صورة كتابي, إنما متى يبزغ كتابي أمامي دليلاً على وجودي. إننا نغدو وجوداً كتبياً محضاً. نحن كائنات كتبية , لكننا لسنا عقلاً محضاً . كما إننا لسنا وجوداً عضوياً صدفياً . نحن كينونات ترعى وجودها يوماً بعد يوم بدمع عذابها وأرق اصطبارها . نحن خلايا نامية في جسد التاريخ , وبراعم تواجه الشمس في كل نهار . نحن شهود أنفسنا , صورتنا نحن . وكل نحن صيرورة لكتاب منفرد بنفسه , دال على صاحبه . أنظر حولك , هذه الحديقة ملكنا وملك المتنزهين المتبدلين , وهي نفسها حين نخرج منها وندعها لزينب وحدها . الحديقة نظام وعلامة وقت وحياة وذكرى وحلم واشتياق , وسنخرج منها لنلتقي كتابنا . فهو وحده الحقيقة والملاذ .
ـ الكتّاب يتغيرون بما يقاسون من تجارب ورحلات بين البلدان . بماذا تجيبني إذا سألتك : هل تغيّرتَ ؟
ـ سأكون سعيداً بتحولي من موقع إلى آخر , لو كان هذا التحول نابعاً عن يقين بقدراتي الطبيعية والعقلية . بالطبع الكتّاب يتغيرون , وهم ينشدون هذا بقوة , فهل تغيّرتُ مثلهم؟ كم من المسافات والتجارب تفصلني عن الشعور بالتغير ؟ هل تنبئ نصوصي بحدوث التفاف مفاجئ في يقيني؟ إني أسال مثلك .
بقي السؤال معلقاً في خطاف الحديقة الأخضر الذي تخفيه الظلمة عن أنظارنا . نظرت حولي مذعوراً بصدمة الالتفاف حول مقاطع الرعب والمطاردة التي تزخر يها قصص جمعة اللامي . أجبتُ نفسي فوراً : لقد تغيّر . وسأفارقه ملتفاً حول مداري عائداً إلى منزلي عبر الخليج , كي أصوغ حواري معه بعبارات هذا الالتفاف .

(6)

الســـفر

اقترب وقت السفر , أعدَّ جمعة حقائبه للطيران إلى الجزائر في فجر الليلة السادسة , وأعددتُ حقائبي للعودة إلى البصرة من مطار دبي بعد إقلاعه بساعتين . سيلتحق جمعة بأصدقائه في ( جاحظية ) الطاهر وطار , وسأعود إلى ( جاحظية ) البصرة كي أواصل الحوار مع أجزائي وأشطاري . خرج هو من المكان الواحد إلى المكان المتعدد , وعدتُ أنا من المكان المتعدد إلى المكان الواحد . أشرفنا على مسافة ( الجاحظيات ) الدولية ومدارج المدن الغريبة , وطوينا حديث العائلة ووفاء ( الأخويات ) وشفرات بريدها السرّي . كدنا نودّع حديقة زينب , ولم نرتو من المراسلة والنجوى , ولم ننم ليلتنا . كلٌّ منا يزمع الالتحاق بكتابه . وبذا تحققت غاية السفر .
تطفّلتُ على ما أنتجه جمعة اللامي من نصوص تحليل الذات ومقارعة أسـوارها وسجّانيها , في لحظات نادرة من صحوة الخاطر ونقاء النفس , وأظنه ينظر إلى محاولات اقترابي من الحدود الشائكة التي سوَّر بها حصون سردياته بإشفاق وارتياب . وإنني لأدرك الآن , أن اختلاق الأحاديث بعد فوات تسجيلها , صعود مؤلم وطويل من قاع العذاب , ولا أحد يطيق الالتفات إلى جحيمه . إن النهايات ليست بدايات غير أن هياج نوازعنا , وبلبال عشقنا , يوسوسان لنا بفتح أبواب الحدائق الليلية المغلقة , فنقع حينئذ في سحر المسوخ المحبوسة تحت غطائها الأخضر , ولسنا ملومين على ذلك .
فلتشفع لنا زينب .

===
محاورات حديقة زينب) كتبها الأستاذ محمد خضير في أقسام ستة: خمسة طويلة , والسادس قصير بمثابة خاتمة . نشرت الأقسام الثلاثة الأولى من المحاورات في جريدة (البيان) الأماراتية بدبي , أما الأقسام الباقيةفلم تنشر من قبل وقد خص الأستاذ محمد خضير موقع الروائي بها. كما أجرى بعض التغييرات على النصوص المنشورة