... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  وقائع  



جمعة اللامي وكلكامش والنفس الحزينة حد الموت

عبدالرزاق الربيعي

تاريخ النشر       01/06/2008 06:00 AM


الأخبار الواردة من الشارقة نقلت لي الخبر التالي :
"المبدع جمعة اللامي يمر بأزمة نفسية حادة "
ومن دون أن أسأل محدثي عن الأسباب التي جعلت مبدعا عراقيا كبيرا كجمعة اللامي يقع فريسة للحزن والاحباط كنت قد وضعت باعتباراتي ان العراقيين في الداخل والخارجيعيشون هذه الأزمات , فكلما تعاظمت أزمات الوطن تكالبت الأزمات على أبنائه !! ولاحول ولا قوة الا بالله
" ان نفسي حزينة حد الموت ياابانا , فلتعبر هذه الكأس عني " قالها السيد المسيح (ع ) في حالة حزن وألم , وقبله قال جدنا كلكامش مخاطبا ( اوتوشنابي ) قائد المركب الذي
حمله في طريق العودة الى اوروك خائبا
"من اجل من يااوتوشنابي كلت يداي؟
ومن اجل من استنزفت دم قلبي؟
لم احقق لنفسي مغنما
اجل لقد حققت المغنم لاسد التراب "
لكن المغنم الذي حققه اللامي للسرد العراقي والعربي لايمكن ان يذهب لاسد التراب-الافعى لدى البابليين - فجهوده الثقافية الكثيرة واضحة واسمه يحتل حيزا في ذاكرتي ,مثلما يحتله في ذاكرة السرد العراقي , منذ أن قرأت له مجموعته القصصية ( من قتل حكمت الشامي ؟) التي صدرت ببغداد اواخر السبعينيات ثم توالت متابعتي لاصداراتهالروائية ”اليشن“ ،و”الماجدية “،”المقامة اللامية “ ومنذ سنوات اتابع عموده اليومي (ذاكرة للمستقبل ) الذي ينشره في جريدة (الخليج ) ومن خلال ارى تفسيرا شعريا لمايجري في حياتنا اليومية بتقلباتها واضطراباتها , لكنني , للاسف , للان لم التق به رغم
ان اصدقاء مشتركين ينقلون عواطفنا ومشاعرنا واحيانا نودع هذه العواطف في البريدالالكتروني فتزهر عن رسائل قصيرة معبرة عن دفئه الانساني لكنه في الاسابيع الاخيرة انقطع عنا, سألت عنه احد الاصدقاء فقال ان ابا زينب يعيش ازمة نفسية حادة , شانه شانالعراقيين الذين غادروا الوطن بوقت مبكر وعانى ماعانى على امتداد ثلاثين سنة من الام المنفى رغم ان معظمه امضاها في دولة الامارات العربية معززا مكرما بما يليق باسمه ومكانته الادبية الرفيعة , لكن أعماله الروائية والقصصية لم تأخذ نصيبها من الاهتمام
النقدي , شأن كل ابداعات العراقيين في المنافي , وفي الداخل ايضا , فاذا كان البلدالجريح لايقيم ندوة عن ابداعات اللامي او سعدي يوسف او محمد خضير او عدالخالق الركابي ابراهيم احمد او عبدالستار ناصر او عدنان الصائغ فمن يقيمها ؟ هل تقيمها الامارات ؟ او السويد ؟ او الاردن ؟ اوبريطانيا ؟ وهكذا ظل الابداع العراقي بمناى عن الاهتمام النقدي , بينما انصرف النقاد العراقيون للكتابة عن أدب البلدان التي يقيمون بها , ملبين الدعوات التي تصل اليهم للمشاركة في ندوات وملتقيات ومهرجانات لقد حلم جمعة اللامي كثيرا بعراق جميل تعود اليه الطيور المهاجرة التي اتعبت اجنحتها المنافي ,وسنوات العمر وادوية الضغط والسكر ... حلم كثيرا ...ولكن ظلت رواياتهواقاصيصه واوراقه وكتبه على الرفوف في عالم ادار ظهره لكل ماهو جميل...
جمعة اللامي
جمعة اللامي
جمعة اللامي
وأنا أتألم لالمك واستوحش لوحشتك
اقول لاتحزن
تكفيك فخرا شهادة للقاص المبدع محمد خضير في تجربتك عندما "قلما نقرأ في تجارب السرد العربية نصاً إعترافياً ناضحاً بالغربة والنبذ , أسرع تقدماً من هذا المونولوج المسترسل في قصص جمعة الّلامي , من حافة الولادة على مرتفع في مياه الأهوارالعراقية الجنوبية ( إيشان ميسان ) حتى الاستقرار الأخير على حافة الخليج في مدينةالشارقة. أدركْنا ـ نحن رفاق هذا المونولوج المتوحد بذاته الغريبة ـ طولَ المسافة التي تفصلنا عن قصص جمعة اللاعبة بجحيمهـا الأيديولوجي , في أعقاب إنقلاب 1963,وانهيار اليوتوبيا الثورية ومقتل أنبيائها في أقبية التعذيب. آنذاك ادركْنا مسافةَ الطقس المأتمي ( العاشورائي ) الأسود الذي أقامته هذه الشخصية المضغوطة في قامة قصيرةمكوَّرة , وسبقتْنا إلى تقطيع أوصال النص السردي بمونولوجها الهذياني , وكانت قصـص الّلامـي تخفـق أمام عيوننا ( قصص مجموعته الأولى: مَن قتل حكمت الشامي ؟) مثل رايةتنشرها ر! يح الخيانات والتصفيات. جهرَ الّلامي بمونولوج مأساة الانقلاب العراقي ,تزامناً وتعاقباً مع مونولوج هزيمة حزيران العربية عام 1967 , فأنتج التقاءُ المونولوجين الجهيرين مونولوجَ الهجرة الذي حمل الّلامي إلى بيروت المقاومة , ثم مونولوجَ الغربةبين الإمارات العربية المتحدة وقبرص , ولما استقرّ غبار السفر على ساحل البحر , التقط مونولوجُ الّلامي المسترسل رجعـاً بعيداً نابعاً من ميـاه الولادة حول تلال ميسان , فأنماه بزهده وعزلته وحنينه , حتى بلغ به درجةَ الاعتكاف الذاتي على بهاء الخطاب الروحي وانفتاحه على مسافاته الأزلية , وأخرج من جنون الخروج القديم محبةَ اللغة الداخلة في حنايا النص الهامس ببوحه وتوقه إلى عناق الوجود المستأنس بعاداته اليومية البسيطة:كتابة عمودٍ صحفي يومي , الاختلاط بأنماط من الناس , والعزوف عن أخلاط غيرهم , وفوق هذا كله عبادة النور الأسمى. وبينما يتعزّى المناضل المجرَّب بهذه العادات والعبادات عوضـاً عن مخالطة أصناف النـاس في بلاده الأولى , يغادره مونولوجه ـ رغماًعنه ـ ليرتاد قمة التلّ الميساني , ملتقياً بأشباح الأمس , متدارساً معها قيمة التحولات في نص لا يستقر ول! ا يهدأ ولا يكف عن استرجاع أزمنة العذاب والهجرة. وبينما تستمرّ المدارس ة هناك , والسهر على أطلال الماضي , يتجرّد السـرُّ من السـرد , ويعود الدّال الفائض في مونولوج الّلامي إلى وكناتِهِ شـافياً مشـفياً من الخطأ والألم , مغتنياً بأنوار الفجر التي تشعشع في أذياله , ليقود النصوص الأخيرة ( الروائية المفتوحة ) إلى نهاياتها
الأكيدة. هل اتسعت المسافة بين جيل اليوتوبيا المضادة ( الستيني) ونصوص جمعة الّلامي المفتوحة ؟ ثمة خطو منتظَم يقطع المسافةَ نفسها , كلّ على جانب , لكن مونولوج الّلامي يتقدم الخطوات بإيقاع لا مثيل له بين تجارب السردية العراقية والعربية "

شاعر وكاتب عراقي
مسقط ـ سلطنة عمان





 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM