... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 



أنا ومحمد خضير محاورات المملكة السوداء

جمعة اللامي

تاريخ النشر       22/10/2014 06:00 AM


أنا ومحمد خضير

محاورات المملكة السوداء

( 2 ـ 3 )

" لو أنني أعرف أن لوحاتي ستتلف

 ولن أدخل الى اللوفر،

 لتوقفت فوراً عن الرسم "

( سيزان)

"

سيصل حامل الرسائل على دراجته الهوائية الهرمة .

رايتُ "نزيهة" لا تزال،كما غادرها محمد خضير في نهاية قصة (الشفيع) جالسة على مرمر النهر ، تمسّد بكفها اليمنى على بطنها المنتفخ ، منتظرة تلك (اللذة الغريبة والوهج المضيء)، كما لو أنها تمثال بوذا الذي فوق قمة رابية في قرية "لوكلا" التي تقود الى قمة جبل إيفرست . وكانت الإمرأة منهكة وهي مستسلمة لسكينة ضريح الحسين وإنتحاب النساء المنذورات المربوطات بقفل الشباك ، وبدت لي مثل "ماجي العجوز" عندما غادر حكمة الشامي سجن بعقوبة المركزي ، ودخل الى مطعمها ذي الموائد الخشبية الأربع العتيقة التي تتوسط ساحة حانة بريطانية بمعسكر الحبانية أحيلت على التقاعد ، وتلك الطاولة السوداء المنفردة في الزاوية اليمنى من المطعم ، حيث تعودتُ أن أحلس مع كأس من نبيذ التوت ، منتظراً رسالة من مجتمعات الموتي الذين يئنّون ويتوسلون تحت المنائر والمنابر والعتبات والأنهار الجافة، وبجوار قبور الأطفال بالتلال القصيّة في أهوار ميسان وإيشاناتها .

" لا احد يستخدم الطاولة ، سوى بقية من ظلك" قالت ماجي العجوز.

" لا تزال نزيهة منتفخة البطن وتنتظر" رفع صاحبي بصره صوبي.

وكان محمد صامتاً يتابع التوسلات الصامتة لمسبحة ذات خرزات زرق شفيفة في جوف ماعون صيني لم ينس نفسه ، على طاولة ذات لون جوزيّ في صالة المنزل .

أخبرتني روحي إن صاحبي يتابع حركة ظلّي في صحن مرقد الحسين ، ثم وقوفي الطويل عند الشباك الفضّي حيث العطر الزكيّ وإنخطاف الأرواح الزائرة ، بعد إنقطاع عن زيارته إستمر خمساً وثلاثين سنة متواليات. وتذكرت الآن قصائد نادرة ونصوصا اقل ندرة ، ترتصف مع " الشفيع " و"إهتمامات عراقية". ورأيت روحي تصلي عند راس الإمام عليَّ. كنت قد وصلت الى الضريح مباشرة في ليلة من يوم من ايام سنة 1979 عندما عزمت على مغادرة الوطن ، متخطياّ أعناق الزوار حتى وصلت الى راس الإمام . نويت الصلاة ركعتين ثم دخلت في تكبيرة الإحرام، وكان الراس المفجوج خلفي، فسمعت إرتجاج قفل باب شباك الضريح ، وهبَّ نسيم دافي بجواري، وكنت قد أنهيت الصلاة الآن ، وأخذت اسلّم على الملكين الكريمين ، وحينها سمعت رجلاً يقف على يميني يحمل راسه المقجوج بيمناه يقول " أخي جمعة . الصلاة هنا لا تجوز". ثم مرق الى يمين الضريح. لحقت به على الفور . كانت المسافة لا تعدل رمشة عين ، ولكنني لم أجده . كان أمامي رجل شائب تعلقت ذراعاه في بطن قبة الضريح وتدلت ساقاه على مرمر نهر الدموع . درتُ بسرعة حول الضريح مرة اخرى . فلم أجد أحداً ، لكنني سمعت صوت مفتاح قفل شباك القبر ، وصوت جسد والدي الملتصق بالشباك الفضّي المزرّد ، وتبعته أمي ، ولحق بهما جدّتاي الإثنتان وعماتي الثلاث وخالاتي الأربع، وإقتفى أثرهم جدي الذي فقد بصره عندما بلغ الستين، متوكئاً على بصيرة قلبه . كنت حينها طفلا لم ألتحق بالمدرسة الإبتدائية ، ولم أقبل ان يشدّ والدي رباطاً على رسغي اليمنى يتصل بأذرع اهلي مخافة أن اضيع منهم في زحمة الزبارة الشعبانية ، فركنني عند الزاوية التي اراقب منها "نزيهة" الآن . ومن هنا رايت شباك الضريح ينفتح ويطلّ منه الحسين الذي تخطى الحشد الهائل حول مرقده ، وتقدم نحوي حتى وصل اليّ ثم رفعني من تحت أبطيّ ورمى بجسدي وراء الشباك الفضّي المخضوضر، فشاهدت صندوقا عتيقاً اسود اللون مرصعاً يمسامير بيض إتخذته في الحال مهداً لي ، لأنه يشبه صندوق عرس أمي ، ثم إستغرقتُ في نوم عميق.

 

وكنت إستيقظت عند الساعة الخامسة فجراً ، كما يحدث لي بالشارقة ، فصليتُ جالساً على كرسي صغير، ثم توجهت الى المطبخ المطلّ على بطن السور والحديقة التي تمشي مع اقدامه ، طلباً لكأس ماءٍ قُراح . توقفت عند الباب المخرّم . كان صمت الظلام معهوداً لي ، كما روائح الظلمة الشفيفة في شققنا الباردة الجافة وأجساد أولاد وبنات وكتب وشراشف وكراسي وعواء كلاب متشردة بعيدا عن السور ، تتقدم نحوي من الأرجاء كلها ، ثم وجدت جسدي يجلس على اريكة بنبّة اللون ، بين أدوات مطبخ واسع مضاء بوميض ترسله جدرانه الخضر.

 

سمعت حركة اقدام تنزل على سلم خلفي ، فوق صالة الإستقبال المعتمة الآن . وما هي الا لحظات حتى بان محمد بدشداشته البيضاء المفتوحة قليلاً من عند رقبته ، يمشي هامساً ثم جلس قبالتي.

" الله يصبحك بالخير ، ابا عمار".

" إنه صباح رائق ابا مناف . بارك الله في ايامك".

 ثم عدنا الى صمتنا المعتاد عندما نحسّ بان الصمت في مثل هذه اللحظات هو الكلام الضّاج ، كاننا بين يديّ صمت دافنشي بعد أن انتهى من الضربة الأخيرة على تمثال موسى . ولم أشكّ في أن كل واحد منا صنع ( موساهُ) الخاص .

قلت " غالباً ما أستمع الى السيمفونية التاسعة في مثل هذا الوقت".

" إنها ضجّة صامتة".

" نعم ، ذاك هوشيلر ونشيد الفرح ".

 

تناولنا فطورنا على مهل وكلّ منا يتذكر ما عنّ له من ايام وأمكنة ، بينما كانت اشعة ناعسة تنطلق من ثمرة برتقال ضخمة تغطي المنزل . برتقالة شاخصة تشرق من مكان بعيد لا تزال خلف الأفق والبيوت النائمة والحقول التي كفّت ان تثمر والمعسكرات المهجورة والأنهار التي تشققت جدرانها وقيعانها ومساحات التراب الأحمر التي كانت ذات يوم بساتين نخيل مترامية الأطراف وشوارع حفرتها الناقلات العسكرية وتيارات هوائية مزمجرة وعربات مصفحة متفحمة وقبور سرية ومعتقلات تجت الأرض . خراب. خراب عراقي موصوف موغل في عصفه وزمنه البعيد كان يمر أمامي وانا أنزل مع "نزيهة" على السلم نحو الحوش حين كانت تتحدث مع حامل السفينة والبنت التي تدون الردّات الحسينية ، منتظراً أن يغادر الجميع اسرّتهم لنستقبل وصول مواكب السبايا الى الحضرة في صباح جديد.

 

وكان الصباح جديداً عليّ وأنا في منزل صاحبي في اليوم الثاني من زيارتنا. " جئنا اليكم . دعنا هنا في المنزل بعيداًً عن اللقاءات في الأماكن العامة". وافق محمد على رجائي " كما ترغب ، ولكن ربما نزور السياب او نلتقي بعدد من اصدقائنا هنا ".

" السياب والبريكان ومحمود" ، وأخبرته أنني الآن لا أغادر منزلي الاّ الى المستشفى. إنني أجلس مع روحي في غرفة مكتبتي المطلة على حديقة ترقى تلاًّ معشوشبا على الطريقة الأمريكية استوطنته النوارس ، يقود الراجلين والمركبات الى البحر ، بعد ان يتوقف الناظر قليلاً عند سوق السمك والفواكه والخضار، حيث إكتشفت هنا التباسات الناس وفضائح الأسواق والأسوار وفضائعها والتاريخ المسكوت عنه للجاليات البشرية العابرة والمقيمة في هذه المنطقة التي كانت منسية ذات دهور.

 

تناول صاحبي شاياً بالحليب ، وطلبت من زوجتي علبة كرتون صغيرة تحتوي على عصير فواكه مخصص لمرضى داء السكري والفشل الكلوي . كان مذاق السائل طيبا وذا نكهة مقبولة . ربما هذا بسبب الستين غراماً من القَيمَر العراقي التي أغرتني بها أم مناف ، وربما لأنني بعد أن حطت الطائرة في مطار البصرة ، شعرت ان الدوار الذي يصاحب دماغي منذ خمس وثلاثين سنة قد فارقني . إنه لأمر يدعو الى التأمل ذلك الذي رايته ـ بعد نحو أربعين سنة ،عبر نافذة الطائرة ، او في اثناء مرورنا على الطريق الى بيت صاحبي : صحراء قاحلة .

 

" تعال أريك حديقتنا".

في العراء ، حين خلّفنا المطبخَ خلفَنا ، واجهنا المِدِرْبان الذي حولته أم مناف الى حديقة. كان ثمة صندوق اسود عفّره الغبار تبدو واضحة مساميره الملحاء،  تناول صاحبي من داخله مقصّا عملاقاً اخذ يهذب به شجيرات عديدة ، ثم أعاده الى الصندوق مرة أخرى وأحكم إغلاقة . " أنا أزع ومحمد يسقي" قالت أم مناف مبتسمة .، فقالت لها زوجتي ان عليها ان تفرح لقيام أبي مناف بسقي الحديقة ، وأخبرتها انني لا أجيد سوى الجلوس خلف مكتبي.

" ولكن لا حدائق في شقق الرطوبة".

 

إنفردت زوجتي بعيدا مع أم مناف ، وكان صاحبي منهمكا في سقي الشجيرات والأعشاب ، ثم توقف عند شجرة كرم فرشت جسدها المتعدد الأذرع على تكعيبة  خشبية تربط مابين السور ومقدمة المنزل التي تحولت الى كاراج يتسع لسيارتين." اقوم بسقي الحديقة يومياٌ". قال محمد ." إنها عملية كتابة بالماء" ، نظر الىَّ باسماً " ما أسعد البستانيين". وافقته على ملاحظته بحركة من كفّي اليمنى. ثم سرنا مع دوران السور، حتى وصلنا الى الزاوية الشرقية ، حيث رايت باباً مخرّماً واطئاً لصندوق أسود علوه متران ، يبدو جسده كأنه مندفع الى مكان ما في السور..

 

لم يتوقف نسيم الصباح .

قطغت أم مناف وردَتي جوري قدمت لي إحداهما وقالت ان الثانية لزوجتي. شكرتها وإستمر حديثنا الصامت مع حديقة الجدار . وخارج السور ثمة أصوات كلاب تتعارك ، وصوت خطيب ينطلق من إذاعة دينية يشرح ضرورات الزواج للشباب في وقت مبكر .

" الكلاب كثيرة . الا يزعجكم عراكها الدائم؟".
" إعتدنا على الكلاب " .

" رأيت امس فريقين يتعاركان في ظل الحائط المجاور لمقر الإذاعة ".

" صراعٌ القوة على مناطق النفوذ".

 "إنها تتعلم من البشر ".

" أتذكر ان الحكومة كانت تنظم حملات قتل منظمة للكلاب".

" تلك كانت حملات تدريب على القتل".

" ربما. لقد تمّ قتل شاكر محمود ومُعين النهر بتلك الطريقة ".

" وهناك شط العرب الذي شهد صباحات الجثث الطافية ".

" ودجلة ايضاً ، عند إستدارة جزيرة أم الخنازير".

 

توقفنا في نهاية المدربان عندما عوى مثل ذئب أحد الكلاب ، مع مرور سيارة وصل الينا الغبار الطائر الذي أحدثته عجلاتها على أرضية الشارع المتربة . كنا قد تحدثنا في شؤون عديدة ولساعات طويلة حين وصل صاحبي الى دبي لحضور حفل توزيع جائزة العويس الثقافية ، حيث رست عليه الجائزة في تلك الدورة . كان الأمريكيون قد إحتلوا العراق ، ولم أرً جواز سفر لدى محمد . كان يحمل وريقة موقعة من ضابط بريطاني . كانت الورقة مثل عقرب سوداء تنظر اليّ بعيونها المائة .

" هل تسمع؟". سألني محمد.

" إنه صوت إنشخاب حليب من ضرع بقرة".

 

وأخذ الصوت يعلو شيئا فشيئا مختلطاً بصوت طائرة حربية مرقت في الفضاء الآن . وكانت شمس نيسان في هذه اللحظة دافئة اليفة ، أرسلت حنانها الى كل بيت في المدينة القديمة التي شهدت اللقاء الأول بيني وبين محمد خضير في سنة 1970. كان ذلك بعد عودتي من بيروت.

" أتذكر ذلك اللقاء".

" ايقظناك قبل منتصف الليل"

" كنت أقيم مع أخي بمنزله ".

" نعم ، هو الذي أستقبلنا ، ".

في تلك الليلة كنا مثل إبل هائمة في بيداء بعد أن غدرت مسوخ الصحراء براعيها ، ندور من شارع الى شارع ، ومن مقهى الى مقهى ، ومن حانة الى حانة ، أنا وإبراهيم زاير ورياض قاسم وحسين عجّة، بعد أن ودعنا بغداد في فكرة سفر الى مدينة العمارة والبصرة. لقد مشينا كثيراً ، وراينا الطرق والصحراء التي نعرفها في قلوبنا قبل أن نراها على إمتداد الطريق الذي كان أهلي يسلكونه متوجهين الى العتبات المقدسة .

وأخيراً حططنا الرحال عند طاولة في ملهى صيفي قرب ساحة أم البروم . كان ذلك مكاناً يليق بنا نحن منشدي آخر الليل. لم نتابع هرج المغنين وصخب الراقصات والراقصين . كنت أستعيد مع محمد عددا من قصصنا المنشورة في الصحف العراقية ما قبل سنة 1968 . وكان قال لي " ماذا ابقى لنا دستويفسكي؟".

 

في تلك الأيام كنت أكتب مقالات قصيرة عن " الموجة الجديدة" في فرنسا تنشرها الصحف البغدادية ، وأتجاور مع الفرنسي  غيوم أبولينير في عدد من فصائده ، بنصوصي التي كانت صادمة لوسط تعود على الجمود العقائدي وثقافة التلقين ، ولم أعرف سوى من سارتر أنه كان يكتب مثل مصور أو رسام ، وتوقفت كثيرا عند بول نيزان وبودلير ورامبو، لكنني أردت بقصصي تلك أن لا اشبه أحداً غير روحي فقط .





 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM