... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 



ميشيما :الموت السعيد

جمعة اللامي

تاريخ النشر       25/06/2014 06:00 AM


 

على الدرب ـ جمعة اللامي

ميشيما :الموت السعيد

 " فزتُ.. وربّ الكعبة "

(الامام علي ـ ساعة اغتياله)

 

يستذكر "بيت الثقافة اليابانية" في باريس، في حفل سنوي ، الروائي الياباني: يوكيو ميشيما، الذي انهى حياته مختاراً طائعاً، في الخامس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1970 على طريقة أسلافه محاربي "الساموراي"، بعد مشهد دموي عاصف، وعدد من الروايات ذات الحضور الاستثنائي في القرن العشرين.

 

في حياته اليومية، كما في كتاباته، كان ميشيما نموذجاً صافياً لعلاقة الحب بين القلم والموقف الشخصي، هذا الحب المثالي وغير المعلن "لأن الحبّ الحق يصل الى أسمى أشكاله وأكثرها نبلاً، حينما يحمله المرء سراً الى القبر"، وهو ما أقدم عليه ميشيما، بعد انتظار استمر 46 سنة.

إنه حب الوطن، تاريخاً وثقافة ورؤية الى الحياة والموجودات والمحسوسات، ولا ينتهي بانتحار المحارب، بل يستمر متجدداً ونبيلاً، رغم نمط الحياة الأستهلاكية الأمريكية ، الذي يقبل عليه اليابانيون أو يتمردون عليه.

 

ثمة حكمة كونفوشية تقول: "اذا كنت تحب طفلك، فادفع به الى خارج الدار".

ولقد اختار يوكيو ميشيما، بوعي ودراية قلّ نظيرهما ،حتى عند ابرز ادباء الانتحار أمثال: همنجواي ورومان جاري، ان يكون خارج الدار، طفلاً وكهلاً، بطريقته الخاصة التي قادت استاذه ونموذجه الاخلاقي: "كاواباتي"، الحائز على جائزة نوبل للآداب، ان يلحق بتلميذه الفذّ، بطريقة الساموراي أيضاً، سنة 1972.

 

ان نمط "الحياة الامريكية" المتضاد مع الحضارة ، كما يرى ميشيما، جعل اليابان أكثر تشوهاً لدى اولئك اليابانيين الذين يقدسون تكوينهم الخاص، ويرون الى "الامبراطور" باعتباره تلخيصاً للشخصية اليابانية في ماضيها، وامتداداً لتلك الحكمة التي لا تريد الافتراق عن المستقبل، ولو أدى ذلك الى ان يعمد أحد ابناء السلالات الى بعثرة احشائه الداخلية بسيف تقليدي، بينما يقوم أحد رفاقه بقطع رأسه بضربة من سيف أيضاً، ليستوي الرأس المقطوع على بركة من دم.

 

لقد فقدت اليابان طهرها ونبلها في هذا النمط الامريكي من "الحياة" الذي أحاط ببلاد "الميكادو" بعد الحرب العالمية الثانية : ان طوكيو خرجت مهزومة ـ ومحررة ايضا في نظر يابانيين آخرين ، وهذه مفارقة من مفارقات القرون كلها ـ لكنها استوت "مجمعاً سكنياً" ملحقاً بنيويورك أو واشنطن، وفُرض على البلاد نوع من الاقتصاد، مهمته ان يكون بنكا احتياطياً للاقتصاد الامريكي ابان الازمات. كما تم اعادة تنظيم الجيش الياباني بصيغة "قوة دفاع" لا قوة لها.

أما "الامبراطور" فهو مظهر احتفالي فقط، إذْ هو ـ  وهو الرمز ـ كان مجرد ربطة عنق في خزانة ثياب اي رئيس امريكي، بينما تحولت البلاد الى حاملة طائرات امريكية ثابتة، أو انها صارت "كعكة" من نصيب الجنرال ايزنهاور أو القيصر الروسي جوزيف ستالين.

 

هكذا كان يرى ميشيما بلاده وشعبه وثقافته.

 ولا خلاص لليابان من هذا الوضع المزري الا بالحب المقترن بالموت. وكان هو يرى في نفسه الحب والموت معاً في سبيل خلاص اليابان. يتجلى الحب في رائعته الأولى: "مذكرات قناع"، وبعد ذلك في روائعه الروائية الأخرى.

 اما الموت فهو الذي كان ينمّيه ميشيما في جسده حتى اليوم الذي سيحدد مكانه ، على طريقته هو ، اي على وفق ثقافة اسلافه المحاربين من اجل الكرامة الشخصية والشرف الياباني والثقافة العريقة.

 

في ذلك اليوم المُختار، في الخامس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1970 ، قام ميشيما مع بضع عشرات من أنصاره، إرتدوا زي القتال التقليدي الياباني، باحتلال أحد المقار العسكرية المسؤولة عن المنطقة الشرقية في اليابان.

 

كانوا أربعين رجلاً: تمّ ذلك في نهار ياباني معلن. فبعدما اعتلوا جدران ذلك المقر العسكري واعتقلوا قائده "الجنرال ماسودا" على مرأى ومسمع من الصحافيين الذين دعاهم ميشيما ليشهدوا هذه العملية الدموية، صرخ بأعلى صوته:" يحيا الامبراطور".

 

ورددت سهول اليابان ووديانها ، هتافه : لتعش اليابان، بينما اشرقت تلك الصبية الجميلة ذات الأثنتي عشرة سنة ، التي اغتصبها سارجنت المارينز :" تيموثي وودلاند" في مرآب لسوق كبيرة ، ثم قتلها بوحشية ، على سماوات اليابان  . وعلى هذا النشيد ايضا ، غادر قتلى " هيبروشيما " و" ناغازاكي " لحودهم ، بينما كانت سماوات اليابان تهطل يورانيوم صافيا جدا ، محمولا على متون القاذفات العملاقة : ب ـ 52

 

لقد أدى محارب "الساموراي" واجبه تجاه ضميره الشخصي ، والوطن والشعب والثقافة اليابانية، وبقي الفصل الأخير من العرض الذي ينبغي لميشيما ورفاقه، ان يلعبوه، أمام النظارة وتحت هدير الطائرات: بعدما هتف بحياة الامبراطور، برك على الأرض وانحنى على سيفه الذي اخترق بطنه وخرج من الجهة الأخرى. ثم جاء أحد رفاقه وقطع رأسه.

ثم برك هذا الرفيق على الأرض وانحنى على سيفه ليبقر بطنه ويخرجه من ظهره.

ثم جاء رفيق ثالث وقطع رأس الرفيق الثاني.

اربعون من مقاتلي "الساموراي"، أنهوا حياتهم بهذه الطريقة الدموية، في لحظة وعي واختيار، ربما لم تتحقق إلاّ عند ميشيما ورفاقه.

 

قبل هذا المشهد الدامي بسنوات، كان ميشيما يتحدث عن هذا الموت الدموي. بل انه كتبه أيضاً ونشره على الملأ. كان اصدقاؤه يعرفون تماماً أي مصير مختار ينتظرهم، في اللحظة التي يعلن فيها ميشيما، ان الرؤوس قد أينعت في سبيل اليابان.

كتب ميشيما منشداً قبل هذا الحفل:

 

 وا أسفاه، من ذا الذي كان بوسعه أن يعتقد،

 انني يتعين عليّ ان اظلّ على قيد الحياة،

 في عالم لا يثير فيه مجرد ذكر العاطفة،

 الاّ عدم الارتياح!

 

في تاريخنا العربي ـ الاسلامي، يتخذ "الموت البطولي" أو "الموت الأخوي" الذي حوّله أندريه مالرو الى "أمثولة شرقية"، شكلاً ومضموناً آخر: ان مآثر كربلاء ، والمصير المُختار الذي سعى اليه السهروردي الشهيد بقدميه ، والدم الذي انتثر من ج
سد الحلاج ، وتاليا حول خشبات الأعدام مع بداية القرن العشرين ، حيث ارسل شهداء العدالة الاجتماعية في العراق ، رسائل جديدة الى ايامنا هذه ، والى المستقبل ايضا .

 

كيف يتصرف كاتب او شاعر ، يدرك ما يكتب ، عندما يرى جنديا غازيا في شارع من شوارع قرية ما، او مدينة ما ... او وطنه ؟

 

جمعة اللامي

Juma_allami@yahoo.com

zaineb@maktoob.com

 

*ــــــــــ*

ـ جانب من تأملات " حول الإحتلال"

كتبته في : 13-2-2001





 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM