... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  قف  



نحو مؤسسة تتبنى الحالات الطارئة للمثقفين والأدباء والأكاديميين والفنانين العراقيين

جمعة اللامي

تاريخ النشر       11/06/2014 06:00 AM


رسائل من الساحل الشرقي / 6

ــــــــــــــ

الصديق العزيز ( .... )

نحو مؤسسة تتبنى الحالات الطارئة للمثقفين والأدباء والأكاديميين والفنانين العراقيين

 

" إن مثالَ حياةٍ متفوقة معنوياً ،

مثالٌ لا يُقهر "

( أينشتاين )

 

  عبارة إينشتاين ، هذه ، التي وضعتها ثُريّا لهذا النص ، إنابة أخلاقية قلً نظيرها ، في شأن المهاتما غاندي . وهي من جانب ثقافي آخر، تحيلنا إلى اختيارات مُثقفَين وعالِمَين ومُحركَين كبيرَين ، اينشتاين و مَهَرا القرن العشرين ، وسيتركان تأثيرهما على القرون التالية أيضاً  ، بثقافة العلم والإيمان والدعوة إلى الكرامة و الحرية و المسؤولية.

 جعلت من هذه الجملة مقدمة لهذه الرسالة المفتوحة ، لأستولد منها مقدمة أخرى على صلة وطيدة وراسخة بجهودك وإتصالاتك، حول وضعي الصحي .

 

"أنني أعتقد أن الرجال يصنعون المؤسسات ، أكثر مما أعتقد العكس " .

 هكذا تحدث الجنرال ديغول في حوار معتبر مع اندريه مالرو ، في كتابه غير المعروف للغالبية الكبرى من السياسيين والمثقفين الحزبيين العراقيين والعرب : " أنا و ديغول " . فهو يعلن فكرتين متعارضتين في محيطنا العربي الملئ بالخطايا والإرتكابات والخيانات ، بينما هما في المجتمعات الحديثة المتطورة والقابلة للحياة ، تكمل أحداهما الآخرى : "المثقف" و "السياسي" .

ما قمتَ به ، صديقي العزيز ، محاولة راقية ، بل مغامرة  شعرية ، في وسط عراقي ملتبس ومعقد ، بل حاد التناقض ، حتى ليمكنني القول : أنك تغامر من أجل تحقيق حق بسيط جداً ، وواقعي جداً لمواطن وكاتب عراقي ، على حساب تأجيل انجاز قصيدة جديدة تكتبها.

فشكراً لك .

وأتقدم من خلال هذه الرسالة ، الى الزملاء الأدباء والإعلاميين والفنانين ، والمنظمات والمنابر الأدبية والثقافية والفنية والإعلامية ، في العراق وخارجه ، على وقفتهم الأخلاقية المعتبرة ، في اثناء ازماتي الصحية الأخيرة المتعاقبة ، واصواتهم الغيورة التي ارتفعت من فوق المنابر المختلفة ، من اجل انصاف المثقفين والأدباء والفنانين العراقيين .

 

صديقي العزيز:

أريد ـ الآن ـ أن أوضح بإيجاز أحد أسباب عودتي إلى الوطن بعد تلك الغيبة القسرية.

كنت أرجيء فكرة العودة إلى العراق ، بعد الإحتلال الأمريكي لـــبلادنا ، لأنني كنت سأتصرف بطريقة الروائي الياباني " ميشيما " عندما أشاهد أي جندي أمريكي يدوس على ثرى وطني . كتبت هذا الموقف في وسائل الاعلام الإماراتية ، وقلت به عبر شاشات العديد من الفضائيات العربية ، وأعدت كتابته علانية أيضاً في مقالاتي بجريدة " المستقبل العراقي " قبل أن تطأ قدماي أرض الوطن في 14 / 5 / 2011 م .

انني فخور بموقفي ذاك ، وموقفي هذا الذي اعلنه اليوم ايضا بوضوح ومسؤولية .

 

صديقي العزيز :

العراق وطننا النهائي ، بحدوده الجغرافية التي تكرست مع نشوء وبناء الدولة العراقية في القرن العشرين.

هذا هو موقفي ،الثقافي والأخلاقي ، الذي عرفني فتى ، وناديتُ به والتزمت به شابا وكهلا ، وكلفني ما كلفني من آلام وتضحيات ومشاق . لكنني سعيد بهذا الموقف وتبعاته. وفرح بهذه الخسارات ، لأنني خسرت " آخرين كثرين " قبلوا ان يخسروا انفسهم ،لأنهم استمروا اسرى " خطاب التلقين وثقافة الخط الواحد "، بينما ربحت نفسي وكرامة قلمي وشرف اسرتي.

 

الصديق العزيز:

يبدو لي تماماً ـ مثل كثير من المواطنات والمواطنين العراقيين ـ أنني مسكون بالعراق .

هذا الإختيار كان واضحاً لي ، وأنا في صفوف أعرق الحركات الوطنية اليسارية العراقية : "الحزب الشيوعي العراقي" ، ثم وأنا في السجن سجينا ومقصيّا ، وبعد ذلك في خارج السجن والمنافي العربية والأجنبية أيضاً .

وفي سنوات معروفة ، كان هذا الموقف تهمة خطيرة جدا تنال الشرف الشخصي للمواطن العراقي ، وتنسحب كذلك على اسرته ، لا سيما  من قبل" كرادلة وبطاركة وكهنة " الثقافة الاتباعية والشمولية والتلقينية ذات الخط الواحد" ، بأطرها المختلفة ، وأطيافها المتعددة ، والمجموعات والمنظومات السياسية والثقافية والأدبية والإعلامية التي يقودونها، او يمارسون عليها تأثيرا مباشرا في الوطن وخارجه .

لكنني مضيت على طريقي ، لأنني لم ارضَ في اي يوم ، ومهما كانت المتاعب والإغراءات ، بأن أخلط ما بين "العراق والسياسة" ، وما بين "الوطن و" السياسيين".

كنت أقول في كل المحافل : "أتشرف إذ اعلن أنني مواطن وكاتب عراقي ، أولاَ واخيراً".

وكان شعاري الذي يمهر كتاباتي ، في الظروف الصعبة التي مرت على بلادنا :

ليس بعد الله ، الا العراق .

هيهات منا الذلة .

العراق موجود ـ يا صديقي ـ ولا يحتاج إلى إعادة " اختراع " من قبل أولئك ، وهؤلاء الذين يضعون "الحزب" ، أو"التآلف الحزبي" ، او"الطائفة والطوائف" ، او"الطبقة أو تحالف الطبقات" ، او "المنطقة اواتحاد الطبقات" ، ... في مقابل العراق .

العراق هو "ثقافتي الوطنية" .

العراق "هو الأول ، قبل كل اول" ، بعد الله .

العراق هو وطننا النهائي ، بحدوده الجغرافية منذ تشكيل الدولة العراقية في مطالع القرن العشرين.

كتبت ذلك في كتبي القصصية والروائية والشعرية ، وسردياتي الثقافية والإعلامية ، مثلما أثبَتُّهُ في مواقفي واختياراتي العملية ، وأنشطتي في ديار الهجرة والتهجير و النفي و الغربة و الاغتراب.

يا صديقي العزيز :

إن ثقافتنا العراقية ، هي في الواقع العراقي المعيش والملموس ، منذ أن قام العراق على حيله قبل نحو أكثر من سبعة ألفيات ، هي ثقافة التعدد والتنوع في نطاق الوحدة.

التعدد في الثقافات والأعراق ، هو العراق.

إن من يحاول إنكار هذه " الحقيقة العراقية " ، التي أشرت إليها بهذا الإصطلاح ، في حوار سجله الكاتب محمد الجزائري ، معي ومع الصديق غالب هلسا ، لصالح " الملحق الثقافي لصحيفة " الجمهورية " ، في سنة 1977 ـ ولم ينشر في حينه لأسباب تعود الى ناشري الجريدة ـ مثل من يبصق على السماء ..!

في العراق ، "ثقافات عراقية" متنوعة في اطار من الإتحاد الحر والطوعي والديموقراطي .

نحن مدعوون جميعاً ، إلى حلقات درس ، ونقاشات ومناقشات للخروج بنصٍّ معرفي ـ أخلاقي مفتوح على المستقبل ، يعرض هذه المسألة على الرأي العام العراقي ، ويعيد إحالتها على غيرنا من المعنيين بثقافات التعدد والديمقراطية والشراكة .

وأعتقد ان مشهدنا الثقافي ـ الإبداعي ، قادر على كتابة هذا التأليف . بل يتمكن من إنجازه بجدارة ومسؤولية أيضاً ، إذا ما تم بيننا حوار مسؤول في ادارته ، ورفيع في أهدافه ، ضمن أروقة مؤسساتنا ومنظوماتنا الأدبية و الثقافية و الإعلامية والفنية ، ولا سيما إتحادنا الأدبي التاريخي.

إن الحوار في شأن هذه الفكرة ، فضلاً عن تنفيذها ، سوف يساهم في تقريب وجهات نظر تبدو غير متقاربة ، وربما متضادة ومتناقضة ، في تأسيس أُطر ومنظمات أدبية و ثقافية وفنية ، تطرح اجتراحاتها الجديدة في الفكر والفن والحياة.

اننا سنقف مع انفسنا ، عندما نبدأ اليوم ، وليس غدا ، في وضع الخطوط العريضة لهذه الفكرة على ورق ، ورسم خريطة عملية وواقعية لتنفيذها .

صديقي العزيز :

إن التبصّر والتحليل العميقين في " ثقافة التجربة الخطأ " ، لا سيما في ظروفنا الحالية ، حيث يعاني المثقفون و الأدباء و الفنانون والإعلاميون العراقيون  ، معاناة مريرة وقاسية وصلت في بعض تجلياتها الى مستوى التصفيات الجسدية والإغتيال السياسي والإهمال العمد، يفيدنا في تقديم أفكارنا لإيقاف " الموت المجاني " لمبدعينا في الأدب والفن ، داخل العراق و خارجه.

ان " ثقافة التضامن والتآزر والتعاون ، يجب أن تتكرس في الحياة الثقافية و الأدبية و الفنية والأكاديمية في بلادنا . وان ما قمت به حيال وضعي الصحي ، ، ينبغي ان تكون انموذجا يُقتدى به.

ومن المناسب الآن جداً أن نفكر جميعاً وبصوت عال أيضاً ، في بناء مؤسسة قابلة للحياة ، تتدخل لإنقاذ حياة هذا الشاعر ، أو ذاك الكاتب و الفنان والأكاديمي، في الوقت المناسب ومن دون اي تأخير او تردد ، حتى تتمكن بلادنا من تحقيق الرعاية الصحية المجانية والشاملة على الصعد كافة للمواطنين العراقيين جميعا.

وعلى هذا الدرب أقترح ما يلي :

1. إنشاء "صندوق مالي مستقل" ، تكون موارده من منحة مالية تقدمها الدولة ، ويتم استثمار فوائدها في رعاية الأدباء والكتاب والفنانين.

2.   يوضع هيكل إداري وحقوقي مناسب ، على أساس المبادرة والتطوع  الحر في إدارة عمل الصندوق.

3. تتشكل " هيئة تحضيرية ذات اختصاص وتجربة متعينة " ، لغرض إعادة كتابة الفكرة من نواحيها كافة ، ووضع مشروع نظامها الداخلي ، و الحالات المستحقة.

وقد نجحت هذه الفكرة مع "اتحاد كتاب مصر" ، من خلال المنحة المالية التي قدمها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ، حاكم إمارة الشارقة ، ومقدارها عشرون مليون جنيه مصري ، إلى الإتحاد المصري ، وكنت رسوله الذي بلغت رسالته إليهم في هذا الموقف الأخلاقي والإنساني .

ويمكن الإفادة من تجربة الإتحاد المصري و الإطلاع على نتائجها ، بالتراسل مع الصديق الروائي محمد سلماوي ، رئيس الإتحاد.

صديقي العزيز :

إن وطننا لا يزال مهددا بمخاطر حقيقية ، من الداخل و الخارج .

وفي هذه الحالة ، وفي غيرها ايضا ، فإننا لا يجب أن نضع أقلامنا جانباً.

أحيي الزملاء والزميلات كافة ، وأتمنى للمشهد الأدبي والثقافي والأكاديمي والفني في بلادنا ، المزيد من الوحدة والتلاحم والإبداع .

ليس بعد الله ، الا العراق .

هيهات منا الذلة .

 

جمعة اللامي

 

**ـــ**

الشارقة

10/6/2014

 

 





 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM