... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  وقائع  



قضية شمران الياسري

تاريخ النشر       09/12/2010 06:00 AM


ذاكرة  المستقبل ـ جمعة اللامي

    جريدة الخليج :
2006-11-03     

 “منْ تَحسّى مَرقةَ السلطان،

 أُحرقتْ شفتاه ، ولو بعد حين”

(من أمثال العرب)

 
احترق قلبي عندما بعث إلى احسان الياسري، نجل الصديق الأديب والمناضل الراحل شمران الياسري، بنسخة من رواية والده: “قضية حمزة الخلف”، وعلبتين من حلوى. الحلوى أردنية، لا عراقية. لكنها تذكرني بحلاوة المرارة التي عند ألسنتنا جميعاً، حين يمر طيف شمران في ليالينا ونهاراتنا. لكن أن يتذكرني ابن شمران، ويهدي إليّ نسخة من هذه الرواية، أمر يذكرني ب “أبي كاطع” مرات ومرات، ويعيد عليّ حكاية قديمة بدأت منذ مطالع ستينات القرن الماضي، عندما وفد علينا “بعض الأوادم” من بغداد، وكان بينهم “أبو كاطع” رحمة الله عليه.

كنا نقيم في منطقة “خلف السدة” والتي هي الآن ذاكرة “مدينة الثورة” أو “مدينة الصدر”، في منازل من القصب والبردي والطين وبعض الطابوق. من دون كهرباء، وبلا تمديدات مياه. ويوم أهدتنا المناضلة الوزيرة نزيهة الدليمي حنفيات المياه الصالحة للشرب لنروي بعض مناطق “خلف السدة” كان ذلك يوم عيد بكل ما في العيد من معنى وفرحة.
 
بعد ذلك العيد، زارنا وفد “الأفندية”، كما كان أهلنا يدعون الذين يقيمون خارج “خلف السدة” وعندما استقبلناهم على الأرض، والطعام على الأرض، والجلوس على الأرض، كان شمران الياسري منسجماً مع الأرض، وكان معلّمي عبد الأحد المالح، الذي قتل غيلة في انقلاب ،1963 يتصرف كما لو كان يتدرب على تمرين شاق، وهو فعلاً كان رجل الأخلاق العالية، والمهام الشاقة.
 
وكانت حيرتنا كبيرة مع المحامية ماجي تلّو، شقيقة الشهيد جورج تلّو، لأن المرأة سافرة، وملابسها ليست طويلة نوعاً ما، وكان عليها أن تجلس لتتحدث إلى نسوة عراقيات لم يتعودن نزع عباءاتهن، عن السلام العالمي والاشتراكية وعبد الكريم قاسم. والاتحاد السوفييتي العظيم ... (( ! )). منذ ذلك اليوم، تعرفت إلى شمران الياسري “أبو كاطع” الفلاح، والمناضل، والانسان، والكاتب، إلى أن تفارقنا بعد ليلة صاخبة في حديقة “اتحاد الأدباء العراقيين” ضمت : حسب الشيخ جعفر، ياسين النصير، صادق الصائغ، وعبد الستار ناصر.
 
أظن ان ذلك حدث في أحد أيام ربيع ،1978 وإذا أخطأت في تحديد تاريخ ذلك اليوم، فالراحل شمران هو الذي أجدر من غيره بالاعتذار، لأنه مات وحيداً مقهوراً في بلد شرقي، ولحقت به أنا في بيروت، ثم في دمشق، وبعدهما في الشارقة، وليس معي إلا ذاكرة لم يستطع انصاف المناضلين مصادرتها. سوف تسقط حكومات، وتحدث ثورات وانقلابات، وتلتحم جبهات أو تنفرط، وتغير أحزاب أسماءها، ويستبدل أحدهم بلقب المناضل، رسمياً أو مسمى: سيادة الوزير، أو عطوفة النائب، لكن شمران الياسري يبقى حاضراً في أذهان أجيال من العراقيين، وفي دفاتر الثقافة الوطنية العراقية، وفي ذاكرة “حكمة الشامي” و”غريب المتروك”. نعم. شمران يتعرض إلى اهمال من أقرب الناس إليه، خصوصاً في عهد الديمقراطية التي منحها المحتلون لبعض رفاقه القدامى، لكنه لا يمكن ان يقتلع من ذاكرتنا جميعاً، نحن الفقراء الذين صارت عندنا قضية منذ رأيناه، تماماً كما حدث مع “حمزة الخلف”.
جمعة اللامي
 




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM