جريدة الخليج 5-5-2002
ذاكرة المستقبل
سيدة الديوان
يموت الهوى منّي، إذا ما لقيتها
ويحيا إذا فارقتها، فيعود
(جميل بن معمر)
قالت سيدة الديوان:
ــ الخمسة الأحرار، الشهود، الأبدال، أصحاب الغوث ودرع الصبر، المُلْهَمون وأبيار العِبَر، المتدرّعون بالمحبة وأشواق السّفر، الذين تخشاهم سقر، ويبزغون، كواكبَ، إِذْ الناس في الحُفَرْ.
آه من تلك الحفرْ ــ تقول سيدتي ــ التي يلتقي قرب حافتها الخمسة الشهداء، وإذْ ذاك ينطلق صوتي منادياً بكل فخرْ:
يا سيّد الأفلاك وإِمامَ قاذفي الحجر، بلغ السيل الزبى واستنطقَ الحجز البشرْ، ولاذت الريح في ذاكرة الماء، واستوى الخوف مقلاعاً وتابوتَ سَكِينة.
آه يا مهد المسيح ــ تقول سيدتي ــ وتابوت موسى، وغوث الأمين، وصريخ داحي الأبواب : ها اني أطلّ على الأبواب،
من »باب قريش«، الى »باب السلام«، الى »باب المهدي«،
فأرى الكعبة مُحْرمةً في كسوتها، معتمرةً بردة القتال، مؤتزرةً راية سوداء، وحولها الحشود تهتف: يا لها من وقفَةٍ عزّ فيها النصير، وقل عندها البشرْ.
آه يا بقايا بشر ــ تقول سيدة الديوان ــ ونفايات الأيام والأمم، وذؤابات ليل مندثر،
، هاهم الخمسة الأحرار الشهود الشهداء الأبدال، يقذفون خوفنا بألف حجر، ونحن على الشمال منهم وعلى اليمين، بين أيدينا الكواكب تصلّي للواحد الأحد.
آه يا صلاة الأحرار ــ تقول سيدتي ــ عبوراً بوضوء الدم، من الأقصى الى البيت العتيق، وصولاً الى سدرة المنتهى، واقتراباً من الجمال حتى ليكاد يكشف عن وجهه، ويطلق أسماءه علينا، من النيل حتى النهرين الكبيرين.
أستيقظ من تلك الغفوة القصيرة،
فأرى سيدة الديوان، تستقبل نهر الشارع، حافية القدمين، لا يستر جسدها إلا خفرها، ولا يعصّب جبهتها إلا خجلها، ولا يطيق فراقها إلا محبوها،
وهي تنادي عليّ:
يا رفيق الهجرة، وضجيع الأغوار
يا نور العين،
يا أروع صلاة في حضرة الزّين
لا يأتي ــ ولن يأتينا ــ المَيْن
ما دام فينا عرق واحد
ارتوى ماء
واستوى حجراً
في موكب محمد.
أستيقظ ثانية، وثالثة، وعاشرة، وللمرة الألف، وللمرة التي لا أعرف ولا أدري، بيد أن هتاف سيدة الديوان، يصل الى سمعي متصلاً بانشخاب نافورة دم من اقاصي ميسان :
يا ولدي، وحبيبي، ورفيق السفر
هذا الصريخ يستصرخ
من عاش، ومن مات،
ومن لم يزل بَعْدُ، في رحم الغيب،
بانتظار نداء السحر.
جمعة اللامي
zaineb@maktoob.com |